قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

لن يكون هناك عرض عسكري هذه السنة... لن يقف الرؤساء الثلاثة ببزاتهم الرسمية لمشاهدة عرض العسكر والعتاد، ومن بعدها تقبّل التهاني بالذكرى.

عرض هذه السنة استثنائي، ويقدّمه العامة وليس العسكر...

عرض هذه السنة لن يقتصر على يوم واحد فقط، هو عرض لنبض شارع ثائر ومستمر منذ 17 تشرين الأول الفائت، أي منذ شهر ونيف، يوم قرر اللبنانيون أن يستقلّوا بقرار حياتهم عن التبعية العمياء لساسة وقفوا ببزاتهم الأنيقة يراقبون انهيار البلد!

أي عرض هو الأمتع؟ اللبنانيون الثوّار يستمتعون بعرضهم... ولكن الحكم يبقى للمتفرجين!

عروض السنوات السابقة غدت بروتوكولاً سنوياً للاحتفال باستقلال لبنان من الانتداب الفرنسي في 22 تشرين الثاني 1943، وقت كان في هذا البلد رجالات دولة ثاروا على المحتل الأجنبي، وحفروا أسماءهم بعزّة في التاريخ، حفاظاً على وطن اسمه لبنان.

أما عرض هذه السنة فهو انقلاب معنوي على أبناء سلطة خسروا رهان الرجولة في الحفاظ على هذا الوطن الذي يسمى لبنان.

السنة الفائتة قطعت الدولة الطرقات على المواطنين وعلقوا في الازدحام لساعات كرمى التدريبات العسكرية للاحتفال بالمناسبة.

هذه السنة، وقبيل احتفال لبنان بذكرى الاستقلال، قطع الشباب اللبناني الطرقات على النواب ومنعوهم من الوصول إلى المجلس النيابي الذي كان على جدول أعماله التصويت على قانون العفو العام.

عفو عام يساوي بين البريء والمجرم... عفو عام يقطع الطريق على محاسبة المسؤولين لاستغلال مراكزهم ونفوذهم في جرائم مالية وصفقات ومحسوبيات، حتى باتت كل موارد هذا البلد منهوبة.

السنة الفائتة، انتظر اللبنانيون في سياراتهم فرج فتح الطرقات، تأففوا، شتموا، لعنوا... ولكن هذه السنة مُنعت سيارات النوّاب من الوصول إلى المجلس، منهم من عاد أدراجه طوعاً أو مرغماً، ومنهم من توجهت اليه أصابع الاتهام بأن مرافقيه هم من أطلقوا الرصاص الحي في الهواء لتفريق المتظاهرين الذين حاولوا منعهم من العبور.. وأكثر كادوا أن يدهسوا من في طريقهم للعودة!

السنة الفائتة، كانت حماسة اللبنانيين لاحتفالات عيد الاستقلال بهتت.. فأي احتفال بالوقوف على أطلال المجد والحاضر مثقل بالانهزامات، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً...

أما السنة، انتفض نبض الوطنية في عروق اللبنانيين وقرروا أن يكفوا عن الاحتفال باستقلال من انتصارات الماضي، ويخلقوا استقلالاً حقيقياً، استقلال ممهور بأصوات شبابية صرخت في الساحات... ثورة ثورة ثورة!

لأول مرة ارتفعت أصوات اللبنانيين عالياً... والصوت لم يأت من داخل أحضان الوطن وحسب، بل تردد صداه في مختلف أقطار العالم حيث ينتشر اللبنانيون... ارتفع صوت الوطنية لبلد أنهكته الخيانات المتكررة.

عرض الاستقلال هذه السنة هو عرض ولا كل العروض، هو رقص انتصارات لشعب قرر أن ينتفض، أن يخلع عنه كل العباءات الحزبية والطائفية ويرتدي عباءة واحدة، لبنانيته... ويناضل من أجل إعادة كرامتها المهدورة على عتبات سياسيين ضربوا عرض الحائط بكل القيم والأخلاقيات، ليخلقوا منظومة تحفر الفساد أينما حلّت... وبالخطوط العريضة.

عرض الاستقلال هذه السنة هو احتفال بوعي جيل كامل ما عاد يصدّق الوعود الكاذبة...

عرض الاستقلال هذه السنة هو احتفال بعروسة الثورة، طرابلس التي أثبتت براءتها من حكمهم المبرم عليها بالإرهاب...

عرض الاستقلال هذه السنة هو إعادة إحياء لدم المواطنة في عروق كانت فقدت الأمل في أن يحضنها وطن!