بعد إطاحة الرئيس الجزائري السابق عبدالعزيز بوتفليقه، الذي كان عليه أن يتنحى بعد الفترتين الأولتين المتلاحقتين لرئاسته، كان كثيرون، ومن بينهم "أنا" الذي عرفت الجزائر عن قرب وحملت جواز السفر الجزائري لفترة عندما تقطعت بي السبل، قد وضعوا أيديهم على قلوبهم خشية من أن يذهب هذا البلد العظيم إلى ما لا تحمد عقباه وعلى أساس أنه قد "إستعمرته" فرنسا إستعماراً "إلغائياً" لقرن وإثنين وثلاثين عاماً وإن شعبه الذي قدم في ثورته العملاقة مليوناٌ ونصف المليون شهيد قد ألِف الدماء لكن والحمدلله أنه خلال هذه الإنتفاضة لم تسقط حتى ولا قطرة دم واحدة إلاّ من شخص توفي بحادث "عفوي" وبالخطأ.
نحن الذين خط الشيب شعر رؤوسنا ولحانا وشواربنا ورموش عيوننا أيضاً كنا قد أدركنا بدايات ثورة الجزائر العظيمة وبعضا منا وهذا إن ليس كلنا قد حفظ ذلك النشيد الجميل الذي كان ولا يزال هو النشيد الوطني الجزائري:
قسماً بالنازلات الماحقات

والدماء الزاكيات الطاهرات

والبنود اللامعات الخافقات

في الجبال الشامخات الشاهقات

نحن ثرنا فحيـاة أو ممـات

وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر

كنا كشباب في مقتبل أعمارنا ننظر إلى الثورة الجزائرية بإعجاب وتقديس وكنا قد تعرفنا عن بعد على بعض قادة هذه الثورة العظيمة وكان من بين هؤلاء عبدالعزيز بوتفليقه بعدما أصبح، بعد التحرير، وزيراً للخارجية وحيث لم ألتقه وجهاً لوجه إلاّ بعدما فقد مواقعه كلها بعد رحيل الرئيس هواري بومدين، رحمه الله، وكان ذلك اللقاء بمبادرة من الصديق سفير فلسطين السابق في هذا البلد العظيم (أبوالعز) منذر الدجاني ويومها كان حزني شديداً لأن هذا الرجل الذي كان أحد رموز ثورة عظيمة قد إنتهى إلى نهاية لا تجوز لـ "مجاهد" مثله كان من الممكن أن يكون شهيداً مثل المليون ونصف المليون الذين لم يتركوا لذويهم إلاّ أوسمة الشهادة.

لقد بقيت أتابع أوضاع هذا المجاهد الكبير وإلى أن أصبح رئيساً لهذه الدولة التي كان كل عربي حقيقي يعتبرها دولته ولقد "تمنيت" مثل كثيرين غيري أن يكتفي من الغنيمة بالإياب وأن لا يحل إغراءات الرئاسة مكان هيبة المجاهد..وإلى أن رأيته ورآه الجزائريون، وهذا هو المهم بتلك الحالة التي إنتهى إليها ويقيناً أنني قد تمنيت لو أنه نال شرف ووسام الشهادة قبل أن تنتهي به الأمور إلى ما أنتهى إليه ويصبح في هذه الحالة وتتحول صورته "الجهادية" إلى هذه الصورة الأخيرة.

والآن.. وقد باتت الجزائر تتحول عملياًّ من حالة تلك الثورة العظيمة إلى حالة الدولة الواعدة التي يستحقها الشعب الجزائري الذي تجاوز عدده الأربعين مليوناً فإن ما يشعرني ببعض المخاوف أنّ "الأمازيغ"، الذين كانوا قد أعطوا للجزائر، بلدهم وبلد آبائهم وأجدادهم، خيرة الشهداء العظماء ليست هناك إستجابة لمطالبهم وعلى أساس أنّ من حق من قدموا الدماء خلال الثورة أن يتساووا بالآخرين فهذه الجزائر لهم أيضاً وعلى أساس أن "الإنفصال"،لا سمح الله، هو أم الكبائر وهو أكبر طعنة توجه لأرواح المليون ونصف المليون شهيد.. واللهم إحفظ الجزائر وجنبها كل سوء.