ابتداء من القرن التاسع ميلادي، بدأت علامات الانهيار والضعف تبرز في جميع أنحاء العالم العربي –الإسلامي، فكثرت النزاعات والحروب والانشقاقات، وتعددت الفتن الدينية. ولم تكون تونس استثناء. فقد تضرّرت هي أيضا من تلك الحروب ومن تلك النزاعات ومن تلك الفتن المدمرة والقاتلة لتعيش محنا وكوارث متتالية. وهذا ما حدث في القرن التاسع مع ثورة "صاحب الحمار"، وفي القرن العاشر مع الصراعات والنزاعات بين السنة والشيعة، وفي القرن الحادي عشر مع الزحف الهلالي الذي كان بمثابة العاصفة الهوجاء التي تأتي على الأخضر واليابس. وعلينا أن ننتظر بداية القرن الثالث عشر لتشهد البلاد التونسية الاستقرار في ظل الدولة الحفصية، وليكون المذهب السني المالكي هو الجامع الأساسي بين أهاليها في جميع المناطق. ولترسيخ هذا المذهب، أنشأ أبو زكرياء يحيا الحفصي جامع الزيتونة الذي استغرق بناؤه أربع سنوات (1231-1235) ليصبح منارة للمعرفة في شمال افريقيا، مثلما هو الحال بالنسبة لجامع الأزهر بالقاهرة، وجامع القرويين بفاس المغربية. ومن جامع الزيتونة تخرج فقهاء وشيوخ أجلاء لعبوا دورا أساسيا في اخماد نيران الفتن الدينية، وتوحيد أهالي البلاد التونسية تحت راية المذهب المالكي. وفي جامع الزيتونة دَرَسَ أيضا عبد الرحمان بن خلدون(1332-1406) صاحب كتاب "المقدمة" الذي يعدّ من أهم وأرفع المعالم الفكرية في التراث العربي-الإسلامي.

وعلى مدى القرون التي كان خلالها العالم العربي –الإسلامي يعيش الانحطاط والتدهور والتمزق، ظل شيوخ جامع الزيتونة مُتمسّكين بالاعتدال، مُظهرين النفور من كل شكل من أشكال التشدد الديني والجهادي. وعندما شرعت النخبة التونسية تتطلع إلى الإصلاح والتقدم، والاستفادة من الحضارة الغربية الصّاعدة انطلاقا من منتصف القرن التاسع عشر، ساند كبار فقهاء وشيوخ جامع الزيتونة من أمثال إبراهيم الرياحي، ومحمد بيرم الخامس، وسالم بوحاجب، ومحمود قابادو، زعيمها الكبير خير الدين باشا التونسي. ومعه أعدوا أول دستور عرفته تونس وذلك عام 1858، للحد من طغيان الحكام، وحماية الأقليات، ونشر مبادئ التسامح بين الديانات السماوية الثلاث، أي اليهودية والمسيحية والإسلام. كما أنهم ساعدوه في تأليف كتابه المعروف "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" الذي حَدّدَ فيه رؤيته الفكرية والسياسية لمبادئ ومعالم الإصلاح والتقدم لا بالنسبة لتونس فقط، بل لمجمل البلدان العربية والإسلامية.

وعندما بدأت أفكار حركة النهضة العربية الداعية للإصلاح والتقدم والاجتهاد الديني بهدف اخراج العالم العربي-الإسلامي من ظلمات الجهل والتخلف تنتشر في مصر وفي بلاد الشام انطلاقا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، استقبلها كبار شيوخ جامع الزيتونة بترحاب كبير، وعملوا على نشرها في أوساط النخبة الصاعدة. وكان الشيخ عبد العزيز الثعالبي(1876-1944) الذي سيؤسس في العشرينات من القرن الماضي أول حزب وطني لمقاومة الاستعمار الفرنسي من أوائل المستفيدين من أفكار وتعاليم حركة النهضة. ففي مطلع القرن العشرين، وتحديدا عام 1904، أصدر كتابا بعنوان" روح التحرر في القرآن"، دعا فيه إلى أن يكون القرآن وسيلة وأداة لتحرير العرب والمسلمين من قيود الماضي، ومن تقاليده البائدة، مُحرّضا على ضرورة مقاومة كل مظاهر التشدد والتزمت والانغلاق المتفشية في الأوساط الدينة، وعلى منح المرأة الحق في التعليم والعمل ونزع الحجاب، وعلى الانفتاح على الحضارة الغربية، وعلى التسامح بين الأديان. وقد أثار الكتاب المذكور غضب المحافظين والرجعيين داخل جامع الزيتونة فكفّروه، وطالبوا بإعدامه، وشنّوا ضده معارك ضارية أدت إلى مصادرة الكتاب، وسجن صاحبة لمدة ثلاثة . مع ذلك، سيكون لكتاب "روح التحرر في القرآن" تأثير هام على الجيل الجديد الذي برز انطلاقا من العشرينات من القرن الماضي الذي استفاد هو أيضا من أفكار حركة النهضة العربية التي ازدادت انتشارا في أوساط النخب العربية في كل من مصر، وبلاد الشام، والعراق بفضل رموزها من أمثال د. طه حسين، والمفكر لطفي السيد المتأثر بفلاسفة اليونان، وقاسم أمين الذي انتصر في كتاباته لحرية المرأة، وعبد الرحمان الكواكبي صاحب كتاب "طبائع الاستبداد" الذي قدم فيه تحليلا عميقا ومكثفا لطغيان حكام الشرق عبر التاريخ. ويتجلى ذلك في نخبة من المثقفين التونسيين الذين لعبوا دورا أساسيا في تحديث الثقافة التونسية شكلا ومضمونا، وانتصروا للأفكار التنويرية المعادية للتزمت والتحجر الفكري والعقائدي. وكان الشاعر أبو القاسم الشابي(1909-1934) الذي دَرَسَ في جامع الزيتونة أبرز هؤلاء. وقد أثارت قصائده الداعية إلى الثورة والتمرد على الماضي البغيض الموسوم بالجهل والانحطاط والتخلف، حفيظة الأوساط الرجعية. لذلك لم تتردد في تكفيره، ومهاجمته بحدة معتبرة إياه من "أعداء الإسلام والمسلمين". أما الثاني فهو المفكر الإصلاحي الطاهر الحداد(1899-1935) الذي ألف مطلع الثلاثينات من القرن الماضي كتابا بعنوان "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، وفيه بيّن بجرأة لم يسبق لها أن المجتمع التونسي لن يتمكن من النهوض بنفسه ليكون له مكان تحت الشمس إذا ما ظلت المرأة محبوسة بين الجدران، ومحرومة من التعليم ومن العمل. وحال صدور الكتاب المذكور، انطلقت ألسنة وأقلام الأوساط الرجعية من داخل جامع الزيتونة ومن خارجه في شتمه وتعنيفه والحط من شأنه، متهمة إياه ب"الزندقة"، وب "الكفر والإلحاد".

بعد حصول تونس على استقلاها في عام1956 ، قام الزعيم بورقيبة الذي يعدّ من أبرز رموز النخبة التونسية المتطلعة إلى الإصلاح والتقدم بسنّ قوانين، واتخاذ إجراءات تمثل البعض منها في "مجلة الأحوال الشخصية" التي أخرجت المرأة التونسية من البيوت المغلقة لتساهم في بناء المجتمع الجديد، وفي ابطال التعليم بجامع الزيتونة، مؤسسا كلية الشريعة وأصول الدين لتكون حاضنة للتعليم الديني. وقد اعتبرت الأوساط المعادية له، أن الزعيم بورقيبة أبطل التعليم بجامع الزيتونة بسبب مساندة قسم من طلبته لخصمه اللدود صالح بن يوسف خلال الصراع الذي نشب بينهما بشأن الاستقلال الداخلي الذي منحته فرنسا لتونس عام1955. والحقيقة أن اصلاح التعليم الزيتوني كان مطلبا قديما يعود إلى مطلع القرن القرن العشرين. ومع ذلك، استغلت الأوساط المعادية للزعيم بورقيبة الاجراء المذكور للتهجم على سياسته الإصلاحية، معتبرة إياها مخالفة ل"العروبة والإسلام"، وموالية للغرب الأوروبي. ورغم معارضتهاالمعلنة والخفية له، تمكن الزعيم بورقيبة من فرض برامجه الإصلاحية بطرق معتدلة، جاعلا من خطبه وسيلة لتثقيف الشعب، وتنويره. أما الطلبة الذين أغضبهم ابطال التعليم الزيتوني فقد توجهوا إلى بلدان المشرق العربي مثل مصر وسوريا والعراق لمواصلة تعليمهم في جامعاتها. والبعض منهم عادوا إلى تونس في أواسط وأواخر الستينات من القرن الماضي مفتونين بالقومية العربية الناصرية (نسبة إلى الزعيم المصري جمال عبد الناصر)، وبحزب البعث العربي الاشتراكي، وبالإخوان المسلمين، خصوصا بمؤسس حركتهم حسن البنا(1906-1949)، وبمنظرهم الكبير السيد قطب الذي أعدمه الرئيس جمال عبد الناصر عام1966 . وانطلاقا من بداية السبعينات، شرع المتأثرون بفكر الاخوان في مصر في بعث خلايا داخل المساجد وخارجها لنشر أطروحاتهم التي تركز على وجوب فرض الشريعة ليكون "الإسلام دينا ودولة". بل أنهم عقدوا في أقصى الجنوب التونسي اجتماعات سرية بهدف بعث تنظيم سياسي يضمن لهم النشاط والحركة والوجود الفعلي في المشهد السياسي التونسي.

بعد الهزيمة النكراء التي منيت بها جيوش مصر والأردن وسوريا في حربها ضد إسرائيل في صيف عام1967، دخل العالم - الإسلامي مرحلة جديدة تميزت بالخصوص في بروز الحركات الإسلامية التي استغلت الهزيمة المذكورة لتدين الأنظمة الحاكمة بمختلف توجهاتها الايديولوجية والسياسية باعتبارها مسؤولة عنها. وبسرعة، شهدت تلك الحركات توسعا وانتشارا لم يسبق له مثيل لتجد لها أنصارا لا في المساجد فقط، بل في الجامعات، والنقابات المهنية، والأحياء الشعبية المحيطة بالمدن الكبيرة، وحتى لدى الأوساط البورجوازية المتمثلة بالخصوص في الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات والتجار ورجال الأعمال. وبعد انهيار نظام الشاه في ايران، وقيام الجمهورية الإسلامية بزعامة الامام الخميني في أواخر السبعينات من القرن الماضي، ازدادت الحركات الإسلامية توسعا وانتشارا، بل باتت قادرة على تهديد الأنظمة القائمة. وفي هذه المرة، لم تعد تقتصر على المواعظ والإرشاد، بل أصبحت تلجأ إلى العنف لإثبات قوتها. لذلك خططت لقتل الرئيس المصري أنور السادات في خريف عام1980.

ولم تكن تونس استثناء في هذه المرة أيضا. فقد تحولت الحركة الإسلامية التي أطلقت على نفسها اسم "الاتجاه الإسلامي، ثم "حركة النهضة" مع مطلع الثمانيات إلى قوة سياسية وايديولوجية لا يستهان بها. ومثل بقية الحركات الإسلامية الأخرى، لم تعد تتردد في اللجوء إلى التهديد والعنف وقتل السياح الأجانب لفرض وجودها. ورغم أن زعماءها حوكموا أكثر من مرة خلال السنوات الخمس الأولى من عقد الثمانيات بسبب جرائم العنف التي ارتكبوها، فإن الحركة الإسلامية ظلت في صعود مستمر لتنغرس في قلب المجتمع تماما مثلما هو الحال في جل البلدان العربية والإسلامية. وعلى مدى عقدين من الزمن ظن نظام زين العابدين بن علي الذي صعد إلى السلطة بعد إزاحة بورقيبة في السابع من نوفمبر1987 ، أنه كسَبَ المعركة ضد الإسلاميين بعد أن زج بقياداتهم وبأنصارهم في السجون، أو أرسلهم إلى المنافي، إلاّ أن تردّي الأوضاع الداخلية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وتعدد الأزمات والكوارث في العالم العربي-الإسلامي، خصوصا الحرب ضد العراق لإسقاط نظام صدام حسين في عام 2003، وكلّ هذا أعادهم إلى الواجهة ليكونوا أكبر المستفيدين من سقوط نظام بن علي في الحادي عشر من شهر جانفي2011 ، ومن انتفاضات ما سمي ب"الربيع العربي". ورغم الأخطاء الجسيمة التي ارتكبوها سواء على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والأمني، فأن اسلاميي حركة النهضة ظلوا رقما أساسيا على الركح السياسي في تونس خصوصا بعد أن تمكنوا من الانتصار على خصومهم في جل الانتخابات التي انتظمت خلال الأعوام الثمانية الماضية. وفي خطابهم العلني هم سعوا ويسعون إلى اقناع خصومهم بأنهم سيسلكون سياسة الاعتدال والحوار الديمقراطي المفتوح. بل أنهم أعلنوا أنهم سيفصلون " الدعوي عن السياسي" ليكونوا شبيهين بالأحزاب المسيحية الديمقراطية والليبيرالية في الغرب. إلاّ أن تصرفاتهم وطرقهم في التعامل مع خصومهم، ظلت تراوح مكانها، وظلت دعوتهم الشهيرة على أن يكون "الإسلام دينا ودولة " قائمة سواء في الخفاء وفي العلن. وفي حملاتهم الانتخابية، هم يطلقون شعارات مثل "من يحب الإسلام حقا عليه أن ينتخب النهضة". ومثل هذه الشعارات تؤكد مرة أخرى أن الديمقراطية بالنسبة لهم ليست غاية يحتمها التاريخ والواقع، وإنما وسيلة للوصول إلى الحكم، والسيطرة المطلقة على المجتمع.

ونحن نقترب من نهاية العقدين الأولين من الألفية الجديدة ، أصبحت الحركات الإسلامية ظاهرة عالمية إذ أن أنصارها والمنظرين لها انتشروا في جميع أنحاء العالم، وبات العنف الأصولي الأعمى يهدد الجميع بمن في ذلك العرب والمسلمين أنفسهم. ولعله سيزداد ضراوة بسبب استفحال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لافي البلدان الفقيرة فقط، بل في البلدان الغنية أيضا. كما أن انعدام بلورة مشروع سلام عادل ودائم بين العرب وإسرائيل، واقامة دولة فلسطينية سوف يظل يغذي الضغائن والأحقاد ومشاعر الانتقام ليجد العنف الأصولي في كل هذا ما يوفر له أرضية لمواصلة تهديداته للأمن والسلام في العالم، والاستقرار داخل البلدان.

وأعتقد أن تونس لن تكون في مأمن من العنف الأصولي لسنوات عديدة أخرى. ورغم أن إسلامي حركة النهضة يظهرون في العلن أنهم منسجمون مع اللعبة الديمقراطية، ومتقيدون بقواعدها، فإن خروج أنصارهم عنهم وارد، وربما مؤكد إذ أن الأجنحة الأصولية الراديكالية لا تزال ترى أن الديمقراطية "سلعة غربية عفنة"، وأن الإسلام لن يترسخ في حياة التونسيين إلا إذا ما طبقت الشريعة بحذافيرها. ثم أن الحركات الأخرى التي تشبهها في بلدان عربية وإسلامية لا تزال تنتهج العنف والإرهاب ، ولا تزال تدعو إلى الجهاد من أجل "نصرة الإسلام والمسلمين". وما دامت مثل هذه الحركات تنشط وتشعل الفتن القاتلة في بلدان مثل العراق وسوريا ومصر وليبيا وغيرها، فإن الحركات الأصولية في تونس ستظل تعمل على افساد الانتقال الديمقراطي، وعلى التخطيط لإقامة نظام ثيوقراطي تكون الشريعة الإسلامية دستوره.