قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لن ترتاح الدول العربية المتأرجِحة على المزاج الإيراني والتركي ما لم يصطدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحائط يضرب رأسه فيه نتيجة فشل مغامراته المتغطرسة، وما لم تقف القيادات الإيرانية أمام المرآة لتختار أين ستصوّب الشفرة في أياديها: لتجميل الذات عبر الإصلاح والواقعية، أو لشق الشرايين في انتحار جماعي يأخذ معه أعداء الجمهورية الإسلامية الإيرانية في رأيها؟ لن ترتاح روسيا طالما أن شريكيها في سوريا ميدانياً يشغلان بالها باستمرار ويجرّانها الى مأزق بعد الآخر هي في غنى عنه فيما تحاول توطيد موقع قدمها في سوريا بلا كلفة إضافية ولا خسارة بدلاً من الانزلاق الى مستنقع مُكلف هناك. إدارة ترامب المُتعَبة داخلياً هي في راحةٍ نسبيّة طالما سياسة "الضغوط القصوى" تُسفر عن خنق إيران وأذرعتها اقتصادياً وطالما الكونغرس يصلح الإعوجاج في علاقات الرئيس دونالد ترامب مع نظيره رجب طيب أردوغان من خلالفرض عقوبات بسبب صفقة منظومة صواريخ S-400 التي أصرّأردوغان على شرائها وعبر صفعة وجّهها الكونغرس الأميركي بتبنّيه بالإجماع قراراً يعترف بإبادة الأرمن مما أثار غضب أردوغان سيما وأن حلفاء ترامب من الجمهوريين لم يعترضوا على القرار، وترامب نفسه غض النظر عن العقوبات. لكن شبح الإنجرار الى استدراج الولايات المتحدة الى الانخراط عسكرياً مع إيران ما زال يخيّم على الرئيس الأميركي الذي لا يريد التورّط في مواجهة عسكرية عشيّة انتخابات صعبة سيخوضها سعياً وراء ولاية رئاسية ثانية. انه ما زال يريد المفاوضات على صفقة نووية جديدة مع طهران تتناول الصواريخ الباليستية وتشمل أيضاً ما كان تم استبعاده عن الصفقة الأولى JCPOA وهو سياسات توسّع الجمهورية الإسلامية الإيرانية خارج حدودها، بالذات في الجغرافيا العربية، تحديداً في العراق وسوريا ولبنان. هذه البلدان الثلاثة باتت همّاً يُقلق طهران لكنها في الوقت ذاته ذخيرة في أيادي القيادات الإيرانية تستخدمها للتفاوض عندما يحين وقت المفاوضات مع إدارة ترامب. لهذا السبب، لن تتخلى طهران عن امتلاك الأوراق الثمينة في ذخيرتها. إنما مُشكِلتها تكمن في أن الوضع الداخلي في هذه الدول الثلاث يهدّد بالانقلاب على فوائد استخدامه ضمن آليات الصفقات المرجوّة. أي، ان أفعال قمع الثورات السورية والعراقية واللبنانية قد يرتدّ على النظام في طهران، فيزيده ضُعفاً، وتصبح أوراق المفاوضات أقل فائدة بكثير مما تصوّرها صنّاع القرار في إيران.

ما لم يقع حادث ضخم في العلاقات الأميركية – الإيرانية من الآن حتى نهاية هذه السنة (وهذا آخر مقال لي لعام 2019) ستبقى معادلة العلاقة قائمة على رغبة الطرفين في التفاوض على صفقة وتجنّب الحرب. الرئيس الإيراني حسن روحاني يتحدّث عن تصميم حكومته على "تجاوز العقوبات الأميركية من خلال وسائل مختلفة. بما في ذلك المحادثات. لكننا لن نتجاوز خطوطنا الحمراء". المبعوث الأميركي للشأن الإيراني، براين هوك، أكد أنه "إذا قامت إيران بمهاجمتنا فإننا سنردّ عسكرياً"، وأضاف "لا نريد حرباً جديدة في الشرق الأوسط لكننا عزّزنا من قدراتنا القتالية وكذلك الاستخبارية، ونحن نعرف أننا أوقفنا أو أفشلنا العديد من العمليات التي كانت إيران تخطط لها منذ أيار (مايو)".

عين واشنطن على العراق بالدرجة الأولى حيث "الخاصرة الضعيفة" إذا قرّر "الحرس الثوري" الإيراني أن الوقت حان لاستهداف القوات الأميركية هناك – وهذا القرار لن يُنفَّذ ما لم يتم اتخاذه أولاً على مستوى مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. المسؤولون الأميركيون يُحذِرون من العواقب إذا ما عبرت طهرانالخطوط الحمر واستهدفت القواعد والجنود الأميركيين. براين هوك قال أمام مجلس العلاقات الخارجية أن أمام إيران اما الدخول في مفاوضات حقيقية أو مشاهدة اقتصادها ينهار، مشدداً على جدوى ما أسفرت عنه العقوبات من تكبيل للاقتصاد الإيراني وتراجع تصدير النفط بنسبة 10 في المئة أي للدرجة التي كان عليها في الثمانينات أثناء الحرب العراقية – الإيرانية. أما عندما يتعلق الأمر باحتمال قيام إيران بعملٍ عسكري، فإن اللهجة كانت قاسية وواضحة "فسترتكب طهران خطأً فادحاً إذا أساءت الحسابات حول ثباتنا" حسب تعبير هوك. مسؤول عسكري أميركي قال ان "الميليشيات التي تسلّحها إيران تَقترب من الخط الأحمر، حيث قد يردّ التحالف بالقوة... والعواقب لن تُعجب أحداً".

القائد العام لـ"الحرس الثوري الإيراني" اللواء حسين سلامي بدوره هدّد "الأميركيين وأذنابهم" من "صفعة قوية" وكان يتحدّث عن الاضطرابات داخل إيران، لكنه وسّع الحلقة بقوله "ينبغي على الأعداء أن يدركوا أنه لو لم يكفّوا عن إثارة الفتنة فإن الشعب الإيراني سيضع مصالحهم في المنطقة في خطر".

الأمم المتحدة، عبر بعثتها الى العراق، وجّهت الاتهام الى "كيانات مسلّحة" و"ميليشيات" و"جهة مجهولة ثالثة" و"خارجين عن القانون" في مسؤولية أعمال القتل والخطف والاحتجاز التعسفي. وفي الوقت ذاته ازداد الكلام عن مسؤولية الفصائل المسلّحة التي تم دمجها في قوات الأمن العراقية، وهي قوات موالية لإيران. فالفوضى المنظّمة الدموية في العراق خطيرة للغاية، وكذلك الهويّة "المجهولة" للّذين يقومون بعمليات الاغتيال ويلتقطون الخيوط الخفية في أحداث العراق المركّبة على أكثر من صعيد.

لذلك، ان العراق قنبلة موقوتة في أيادي "الحرس الثوري الإيراني" وليس فقط قنبلة متفجرة في العراق. فالعالم يراقب. والولايات المتحدة متأهّبة.

كذلك في لبنان. ان إفراط "الحرس الثوري الإيراني" في ثقته بنفسه وقدرته على احتواء وقمع الثورة اللبنانية قد اصطدم بواقع الداخل اللبناني وبالمراقبة الدولية لإجراءاته وأهدافه. حتى روسيا استدركت بعدما كانت ظنّت ان الاحتجاجات عابرة وان المظاهرات زائلة وان طهران و"حزب الله" قادران على ضبط الأمور، وتعود الأمور الى ما كانت عليه، كما وعدا.

"الوجع الداخلي في لبنان سيُطفئ الدعوة للانتماء الى ولاية الفقيه" قال مراقب مخضرم للمشهد اللبناني وفاعل في ساحته. هذا العنصر المحلي في المعادلات الإقليمية والدولية تطوّر في الآونة الأخيرة ولديه قابلية الاستمرارية عبر المثابرة والإصرار والإدراك بأن التراجع اليوم يعني الانبطاح أمام الانهيار الاقتصادي، وأمام سلطويّة سلطة فاسدة، وأمام تسلّط "الحرس الثوري الإيراني" عبر "حزب الله" لفرض أجندته على لبنان.

الولايات المتحدة في المرصاد عندما يتعلق الأمر بسياساتها المعنية بالعقوبات على إيران وأذرعتها ومن يؤمّن للاثنين التغطية. "قانون قيصر" الذي يفرض عقوبات جديدة على الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه وحلفائه لاقى إجماعاً كبيراً من أعضاء الكونغرس الأميركي وهو في طريقه الى البيت الأبيض ليوافق عليه الرئيس الأميركي. هذا القانون يفرض العقوبات ليس فقط على الأسدووزرائه ونوّابه وإنما أيضاً على الأفراد والشركات الذين يموّلونه أو يقدّمون المساعدة اليه وكذلك على المصانع السورية المتعلِقة بقطاع الطاقة وبالبنى التحتيّة والصيانة العسكرية. كما يلوّح القانون بفرض عقوبات على روسيا وإيران لارتباطهما بالنظام في دمشق، الى جانب إعطاء وزير الخارجية مايك بومبيو صلاحية دعم جميع الأدلة ضد الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية في سوريا لملاحقتهم ومحاسبتهم.

اللافت أيضاً ان هذا القانون سيفرض عقوبات على الأفراد الأجانب الذين يدعمون النظام السوري مادياً ومن يشارك في مشاريع إعادة الإعمار إذا كانت الحكومة السورية هي التي تديرها ومن يدعم قطاع الطاقة. هذا يعني ان على اللبنانيين المتلهّفين بشغف على سوريا أن يفكّروا، وأن يفكّروا مليّاً.

مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر قال أن "أشخاصاً من كافة المذاهب والأديان متورطون بتمويل حزب الله"، مشدّداً على ان "كل من يتورط في تمويل هذه المنظمة الإرهابية مُعرض للعقوبات". وزارة الخزانة الأميركية فرضت هذا الأسبوع عقوبات على شخصيات وشركات لبنانية متورّطة بتمويل حزب الله واتهمت صالح عاصي وناظم سعيد أحمد بغسل الأموال وتمويل مخططات إرهابية وقالت ان تاجر الألماس المعروف ناظم سعيد أحمد قدّم أموالاً لأمين عام "حزب الله" شخصياً. كما فرضت الخزانة عقوبات على طوني صعب بتهمة تمويل الحزب.

مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد هيل سيزور بيروت الأسبوع المقبل وفي جيبه رسائل قوية للمسؤولين اللبنانيين فحواها أن زمن الاختفاء وراء الأصبع ولّى ولا مناص من قراءة ما آلت اليه الأوضاع. مطالب الناس تطال محاكمة المسؤولين عن الفساد واستعادة الأموال المنهوبة. وفي خطوة لافتة منح البرلمان السويسري لبنان الحق بالاطلاع على البيانات والأرصدة لدى مصارفها مما يَشق الباب على استرداد الأموال المنهوبة.

فمفهوم الانتصارات المعتاد قد أُصيب بانتكاسات جذرية وبات قزماً أمام التطوّرات في المنطقة العربية في الأشهر الماضية، وعلى رأسها إملاءات الناس التي سئمت البلطجية والفساد.

تركيا لن تكون رابحة في سياساتها نحو ليبيا أو نحو سوريا مهما تخيَّل لرجب طيب أردوغان أن مشروعه الإقليمي سينتصر بسبب علاقاته الشخصية بدونالد ترامب، أو أن مشروع "الإخوان المسلمين" سيرى النور مجدداً برعايته. ليبيا ستدفع ثمناً كبيراً بشعبها نتيجة قرارات بائسة لرجل يتمسّك بالسلطة تحت ذريعة الاعتراف الدولي بحكومته، حكومة "الوفاق الوطني" التي يرأسها فايز السراج. هذا الرجل وقّع مذكرة تفاهم مع أردوغان لتحديد مناطق السيادة البحرية وأعطاه عملياً حريّة تصدير الإرهابيين من سوريا الى ليبيا لإتمام مشاريعه التوسعية، فرهن مستقبل ليبيا للخراب.

إيران تزداد ضعفاً وتبعثراً وعزلةً ومحاسبةً وهي تستخدمأوراقها الإقليمية بعبث وعنجهية، بينما أمامها خيار إصلاح منطق النظام الذي اتخذ إنشاء القوات غير النظامية والميليشيات في الدول السيادية "حقّاً" له بينما هو تعدٍّ على سيادة الدول ومطالب الناس. ليت الحِكمة تؤدّي بقادة إيران الى الاستدراك لتكون إيران دولة ذات نفوذ إقليمي ووزن استراتيجي داخل حدودها بلا توسّعية. قرار الحرب ما زال في أيادي مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما قرار إعادة النظر لانقاذ إيران العظيمة وانقاذ المنطقة من أخطاءالدمار.