إمتازت ثورة تشرين العراقية منذ اللحظات الأولى لإنطلاقتها المفاجئة التي كانت دونسابق إنذار، بعفويتها التي تجَسّدت في كل تفصيلة من يوميات حراكها، وأكّدَتإستقلاليتها عن أية تيارات وأحزاب وشخصيات سياسية، حتى تلك التي كانت تدعي بأنها قريبة من نبض الشارع العراقي وتطلعاته، وركبَت وتصَدّرت أغلب تظاهراته خلال السنوات الماضية، مثل الحزب الشيوعي والتيار الصدري، اللذان بدا واضحاًأنهما كغيرهما أُخِذا على حين غرة، ولم يكن لديهما عِلم وتصَوّر عن طبيعة حراك الثورة وخطواته، لأنه وببساطة إفتَقَر الى قيادة واضحة ترسم له خطواته منذالبداية ولا يزال.

الإستقلالية، ورفض التبعية والإنقياد والتقديس وغيرها من الصفات السلبية التيجُبِلت عليها الشخصية العراقية، ومحاولة بلورة فِكر وفِعل عراقي حُر بعيد عن إملاءات الزعيم الأوحد والقائد الضرورة والمَرجع المُقدّس، كل هذه الأمور وغيرها ساهمت في تمَيّز حَراك الثورة عما سَبقه من تظاهرات روتينية تُطالب بالخدمات وفرص العمل،وتَطَوّره الى ثورة فكرية تسعى لإصلاح مُجتمعها من أمراضه، وإنقاذ بلادها مِن طبقةسياسية فاسدة ومُجرمة تسَيّدت مُقدراتها منذ سنوات وعقود، وأخرجه من دائرة الفعاليات الجماهيرية والشعارات المَطلبية الى دائرة الأمر الواقع والمُواجهة الفعلية مع السلطة، والتي تتطلب إتخاذ قرارت سريعة، وردود أفعال مدروسة على أفعال السُلطة التي لا تزال تسبقها بخطوات، في الوقت الذي يجب أن تكون الثورة سابقة للسُلطة بتخطيطها وفعلها الذي يفترض أن يُربك ردود أفعال السُلطة، لا العكس! وبتحَوّلهالى ثورة ترَتّبت عليه أمور لم تكن تنطبق عليه يوم كانت حَراكاً شبابياً عَفوياً، فالثورةتسعى للتغيير ومحاولة الوصول الى هدف، وهو أمر يحتاج الى تخطيط ووضع خارطةطريق وأهداف من قبل قيادة تحددها وتتفاوض عليها مع السلطة التي تسعىلإصلاحها أو تغييرها، وتطرحها على الأطراف الدولية في حال نجحت بإيصال صوتها إليها، وكل هذا غير موجود في بُنية حراك الثورة حتى الآن.

هنا تحولت الميزة الى مأزق تعيشه الثورة اليوم، لأنها ما تزال تأخذ شكل نشاط جماهيري عاطفي تلقائي يفتقر الى التخطيط العملي للفعل المَُنّظم، وهو ما أوقعهاوشبابها بالكثير من المشاكل! منها تداعيات ما حدث في ساحة الوثبة، الذي حُسِبعليها رغم صدور عدة بيانات من تنسيقياتها تنفي علاقتها به، ورغم أن أداء شبابها طوال شهرين كان راقياً وبعيداً كل البعد عن بشاعته! أو فتح الباب لمَن هب ودب للحديث بإسمها وطرح مطالب يدعي تبنّيها لها، أو ترشيح فلان كناطق عنها وعِلان كرئيس للوزراء بإسمها، دون أن يصدر تأكيد واضح بذلك من جهة واضحة تمثل حراكها! أو تلكؤها في طرح بديل لرئيس الوزراء بعد نجاحها بدفعه الى الإستقالة،التي كانت مَطلب أساسي ضحّى المئات من شبابها بحياتهم للوصول اليه، لكنحينما تحقق لم يكن حراكها جاهزاً ومتحسباً له ببدائل أو شروط تحدد مواصفات البديل، خصوصاً أن بعض القوى ذات الكتل الكبيرة في البرلمان أرادت أن تغازل الثورة برفضتها ترشيح بدائل، ورَمَت بالكرة في ملعبها واصفةً إياها بالكتلة الأكبر، وطالبتها بترشيح من تراه مناسباً، لكن يبدو أن الفرصة ستضيع بعد محاولةحزب الدعوة لإقتناص الفرصة وترشيحه لبعض النكرات من أعضاءه، أو طرح أسماء أخرى من هنا وهناك، رغم خبرة ونزاهة بعضها، إلا أنها لا تناسب طبيعة المرحلة وخطورتها.

لطالما عودنا العراقيون بأنهم ربما أصعب شعب ممكن أن يتفاهم ويتواصل مع بعضه البعض، فهم أكثر من ينطبق عليه المَثل القائل"إتفَقوا على أن لا يتّفِقوا" لكننا لمنلمَس هذا بين شباب الثورة، الذين كان حَراكهم كالأوركسترا خلال الشهرين الماضيين رغم عدم وجود مايسترو، وهو أمر يدعونا لتشجيعهم على تشكيل قيادةجماعية من مجموعة شباب مشهود لهم بالوَعي والنزاهة وبعض الخبرة في إدارةوتنظيم الأمور لتفاوض بإسم الثورة، وتُرَشّح منها أو من خارج الطبقة السياسية الحالية، أو حتى من داخلها مِمّن لم تتلوث أياديهم بالجُرم والفساد، أسماء يتم إختيار رئيس للوزراء مع كابينة وزارية من ضمنهم، ليديروا البلاد خلال فترة إنتقالية بإشراف ووصاية دولية، يتم خلالها تعديل الدستور الحالي وإقرار قانون أحزابجديد ومحاربة الفساد وحل المليشيات. فرئيس الوزراء القادم يُفَضّل أن يكون شخصية قوية علمانية برغماتية لديها خبرة سياسية، شخصية وسَطية تجمع بين قبول حراك الثورة وقناعته بها، وبين عدم إعتراض الطبقة السياسية الحالية والمحيط الاقليمي والمجتمع الدولي عليها، ليتمكن من العبور بالبلاد في هذه المرحلة الى بر الأمان، مع تحقيق بعض التغييرات الجذرية التي خرجت الثورة للمطالبة بها أو كلها.

إن الثورة التي يعيشها العراق اليوم متميزة وإستثنائية، لم يَشهد لها تأريخ العراقمثيلاً، ولا أظنه سيشهد لها مثيلاً مستقبلاً في حال فشلها، لا سمح الله. فتأريخ العراق لم يشهد أبداً ثورات شبابية عَفَوية مُستقلة سلمية، وأغلب ما تسمى ثورات في تأريخه الحديث، هي ليست كذلك، فهي إما فَزعا ت وهوسات عَشاير كثورة العشرين، أو إنقلابات عسكرية مدفوعة بأجندات حزبية ذات أفكار شمولية شيوعية أو ناصرية أو بعثية أو إسلامية. وفي حال قُمِعت الثورة أو فشِلت، فلن يجرؤ أحدعلى المدى القريب ولن يمتلك أي جيل القدرة والشجاعة التي امتلكها هذا الجيلللخروج والثورة على واقعه. لذا على حراكها الشبابي أن يقرر، أما البقاء هكذا عفوياً،أو تشكيل قيادة لبلورة ملامح ورسم خطوات مرحلة جديدة للخروج من المأزق الحالي،مع الحفاظ على تمَيّزها المُتمَثّل باستقلالية قرارها، وهو أمر مُمكن التحقيق. أما مايقال عن أن عدم وجود قيادة للثورة هو سِر قوتها، فهو كلام غير ناضج وغير دقيق، فعكس التنظيم هي الفوضى، والفوضى ضُعف وليست قوة،لأنها تطلق العنان لأصحاب النفوس العليلة والمآرب الخبيثة ليستغلوها لتحقيق مصالحهم ومأربهم المريضة وليعيثوا خراباً وفساداً ودماءً دون حسيب أو رقيب.