قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عندما تقول مسؤولة أممية أن انتهاكات حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا قد حولت القرارات الدولية الصادرة في الشأن إلى "مزحة"، فإن هذا يفسر عمق الأزمة في هذا البلد العربي وتحولها إلى معضلة حقيقية للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط؛ فمنذ أيام قالت نائبة الممثل الخاص للأمم المتحدة في ليبيا ستيفاني ويليامز أن "حظر الأسلحة تحول إلى مزحة ..نحتاج إلى تكثيف الجهود لمحاسبة من ينتهكونه" وأضافت إن "الأمر معقد لأن الانتهاكات تحدث براً وبحراً وجواً"، واللافت أن هذه التصريحات تأتي بعد فترة وجيزة من مصادقة مجلس الأمن الدولي على قرار يقضي باستمرار حظر الأسلحة في ليبيا بموجب مشروع قرار بريطاني حصل على تأييد 14 دولة وامتناع روسيا عن التصويت، كما يأتي هذا التصريح بعد أن وصف الأمين العام للأمم المتحدة في مقابلة متلفزة الأزمة في ليبيا بأنها "فضيحة"، وأكد أيضاً على أن حظر الأسلحة الذي اقرته الأمم المتحدة يُنتهك "باستمرار" على الرغم من التزام الدول المعنية بالأزمة خلال اجتماعها في برلين باحترام القرارات الأممية.

هذه التأكيد تثبت صحة ماذهبت إليه في تحليلي لمخرجات مؤتمر برلين حول الأزمة في ليبيا، حيث أشرت في مقال لي وقتذاك إلى أن هذه البنود (مخرجات مؤتمر برلين) بحاجة إلى دور دولي أكثر فاعلية وتأثيراً واستمرارية، بل ييثير بعضها تساؤلات مثل الموقف من القوات التركية الموجودة في ليبيا، وهل يفترض سحبها فوراً بناء على الاتفاق على عدم التدخل في الشأن الليبي أم أن الاتفاق يقتصر على أي خطوات لاحقة وليست سابقة؟ وهناك أيضاً تساؤلات حول مراقبة تنفيذ بعض البنود مثل وقف إطلاق النار، فالتوافق لا يعني التنفيذ والالزام في ظل وجود أطراف اقليمية تسابق الزمن لانتزاع مكاسب استراتيجية على الأرض مثلما يفعل الجانب التركي الذي ارسل آلاف العناصر المتطرفة إلى ساحة الصراع في ليبيا لمحاولة تغيير واقع الصراع وتعزيز موقف حكومة السراج في أي تفاوض محتمل. وقلت أيضاً إن اختبار فاعلية ما تم الاتفاق عليه في برلين يبقى رهن توافر إرادة جماعية دولية لاقناع طرفي النزاع بالالتزام بما تم التوافق عليه في برلين، وهو أمر مشكوك في تحققه بدرجة ما لأن معظم هذه المقررات مجافية لإرادة تركيا على سبيل المثال، التي لن تلتزم حتماً بوقف تدخلها العسكري المباشر وغير المباشر وانهاء دعمها لميلشيات حكومة السراج بالأسلحة والعتاد؛ لاسيما أن مؤتمر برلين لم يبحث إمكانية فرض عقوبات في حال انتهاك حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، مايبقي التفاهمات من دون مخالب حقيقية.

الخلاصة هنا أن المؤتمرات الدولية تنعقد وتنفض وتبقى معضلة ليبيا من دون حل في الأفق القريب ولا البعيد، ببساطة لأن طرف اقليمي هو ـ من دون مواربة ـ تركيا يرهن تسوية هذه الأزمة بالحصول على تنازلات في ملف غاز شرق المتوسط! والمجتمع الدولي يدرك ذلك جيداً، ولكن أوروبا تحديداُ، باعتبارها الطرف اللأكثر تأثراً بما يدور في ليبيا جراء الهجرة غير الشرعية ـ تخشى مواجهة الرئيس أردوغان بالحقائق والتصدي لأطماعه في دولة من الدول بالغة التأثير في أمن أوروبا واستقرارها بسبب الخوف والقلق الأوروبي من الابتزاز التركي في موضوع اللاجئين السوريين!

ونتيجة للتهاون والتقصير الدولي، وغياب التوافق العربي ـ العربي، فإن أحدث تقدير أممي رسمي حول انتشار الأسلحة في هذا البلد العربي قد أكد، على لسان المبعوث الدولي غسان سلامة، أن ليبيا تضم أكبر مخزن للأسلحة غير الخاضعة للرقابة في العالم، وأن هناك نحو 29 مليون قطعة سلاح، بين خفيفة ومتوسطة وثقيلة، وهو عدد لم يسجل في أي بلد آخر خلال الأربعين عاماً الماضية!

ولو اكتفينا بهذه التقديرات فقط، دون تقديرات الاتحاد الافريقي التي تشير إلى وجود نحو 60 مليون قطعة سلاح في ليبيا، فإن هذا التقدير الأممي الذي لم يحظ بما يستحق من اهتمام إعلامي وشعبي ورسمي عربي، يرسم صورة قاتمة للواقع والمستقبل في ليبيا، ويشير إلى أن السلاح يتوافر بأكثر من توافر الطعام والشراب، وأن انتشار هذا الكم الهائل من السلاح يمثل معضلة بالغة التعقيد كونه يحول دون ايجاد تسوية حقيقة جادة للأزمة من ناحية، ويضع علامات استفهام كبيرة أمام فرص تحقيق السلام واستعادة الأمن حتى لو تم التوصل إلى صيغة تفاهم بين طرفي الصراع العسكري، وحتى لو تحقق النصر على الأرض لطرف منهما لأنه ببساطة من غير المتخيل أن تستطيع أي سلطة مركزية السيطرة على هذا الكم الهائل من السلاح المنتشر في ربوع ليبيا بين عشية وضحاها!

معضلة انتشار السلاح بهذا الشكل المروع في ليبيا لا تعني ليبيا وشعبها، حاضراً ومستقبلاً، فقط، بل تشغل أيضاً بال دول الجوار، ولاسيما المستهدفين من أطراف اقليمية متورطة في الصراع الليبي، كما هو حال مصر الشقيقة، التي أرجح أن هناك من يحاول ويعمل بشكل حثيث على إرسال جزءاً كبيراً من هذا السلاح، حالياً أو مستقبلاً، إليها، لزعزعة استقرارها واستغلال الوضع الأمني المتدهور في ليبيا للنفاذ إلى مصر عبر حدود برية شاسعة تمتد لأكثر من ألف كيلو متر.

الكارثة أيضاً أن مخزون السلاح الهائل في ليبيا يمثل قنبلة موقوتة بالنسبة للقارة الافريقية جميعها، ولا سيما الدول والمناطق التي تعاني انتشاراً للتنظيمات الارهابية، فتوافر السلاح في ليبيا يجعل من نقله وتداوله عبر الجغرافيا الافريقية الشاسعة مسألة سهلة نسبياً، وقد سبق ان تحدثت الاستخبارات البريطانية عن مخطط تنفذه حركة "بوكو حرام" لتهريب السلاح من ليبيا إلى نيجيريا عبر تشاد!

الحقيقة أن الأمم المتحدة التي يزداد دورها في تسوية الأزمات الدولية ضعفاً يوماً بعد آخر، لا يجب أن تكتفي بموقف المراقب الذي يصف الأوضاع، وينتقد مايحدث على أرض الواقع، ومن المؤسف أن يصل الالتزام الدولي بقرارات المنظمة الدولية إلى هذا الحد من التدهور، الذي يدفع الأمين العام للتعبير عن "إحباطه وحزنه" بسبب سلوك الدول التي لا تلتزم بما تعهدت به في الأزمة الليبيبة!