قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
شيرزاد شيخاني

لدينا مثل كردي يقول " القرد كان منظره بالأصل قبيحاً، واذا به يصاب بالجدري".
هذا المثل كناية عن توالي المصائب على الانسان، ولعل العراق هو البلد الوحيد في العالم الذي يحتل المرتبة الأولى من حلول المصائب عليه منذ أن أطاحت به الإنقلابات العسكرية الدموية طوال تاريخه الحديث. فهو ولا فخر، أول دولة بالشرق الأوسط يستن سنة الإنقلابات العسكرية على الحكومات الديمقراطية بالإنقلاب المشؤوم الذي قاده بكر صدقي عام 1936 ضد حكومة ديمقراطية منتخبة، ثم قلده الآخرون حتى وصلنا الى ما نحن عليه اليوم.

كنت قد أشرت في عدد من مقالاتي السابقة بإنقضاء مرحلة الإنقلابات العسكرية في العصر الحالي، ظنا مني بأنه بات من الصعب القيام بإنقلابات عسكرية على غرار ما تعودنا عليه في العقود الماضية، حيث كان الأمر حينذاك لايحتاج سوى الى تحريك فوج أو لواء مدرع يتقدم نحو الإذاعة الرسمية لإحتلالها ثم إذاعة البيان رقم واحد والذي كان يعد دائما الشعب ببدء مرحلة جديدة من حياة الناس ملؤها السعادة والرفاه والطمأنينة ومحاربة الإستعمار والرجعية، ثم بعد أيام نجد بأن الحياة تحولت الى أسوأ من ذي قبل، وتبدأ الصراعات بين القوى السياسية من جديد، وتصل الى التحضير لإنقلاب ثان وتحريك فوج آخر لإحتلال الإذاعة.

كانت الإذاعات الرسمية في تلك الحقبة هي المنفذ الوحيد لإبلاغ الرأي العام بحدوث تغيير في السلطة، وكان إحتلالها يضمن نجاح أي إنقلاب عسكري ضد السلطة القائمة، لكن اليوم هناك في كل بلد عشرات الإذاعات ومئات القنوات الإعلامية من التلفزيون الى الصحف والمواقع الإعلامية وغيرها وجلها مملوكة لجهات أو شخصيات بعيدة عن متناول السلطات الحاكمة، لذا فإن إحتلال أي محطة أو قناة إعلامية لايغير من الموضوع شيئا، فلم يعد هذا الإجراء مؤثرا ولا ضامنا لنجاح الانقلابات كما كان.

ومع ذلك فهناك من لازال يعيش في أوهام الماضي ويتصور بغباء منقطع النظير أن بإمكانه عبر تحريك بعض الميليشيات السائبة والجنود المرتزقة أن يقوم بإنقلاب عسكري ضد السلطة في العراق. وهؤلاء الأغبياء يعيشون فعلا بيننا تحت خيمة ما يعرف بالميليشيات الشيعية العميلة لإيران. حتى أن بعض قادة ما تسمى بقوات الحشد الشعبي وهي قوات يفترض أنها قانونية ورسمية تتبع الدولة العراقية، تشارك في مثل هذا المخطط العبثي للإنقلاب على سلطة هي فارغة أساسا!. فلا أعرف على من ينقلب هؤلاء، فالحكومة ساقطة حاليا في العراق، وتشكيل حكومة جديدة مازال قيد التأجيل الممل!. ولكن كما يبدو من خلال بعض التسريبات أن الهدف من هذا الإنقلاب الميليشاوي هو إزاحة رئيس الجمهورية الذي لايملك من الصلاحيات التنفيذية الا بضعة صلاحيات تشريفاتية ليس إلا. فعلى من ينقلبون اذن؟!.

التخوين والتفكير بالانقلاب، عادة مستأصلة لدى سياسيي العراق، وهي عادة متوارثة منذ بدء تشكيل الدولة العراقية، وقد إعتاد هؤلاء الساسة أن يوصموا خصومهم بالخيانة والعمالة!. فحين إنقلب العسكر على الحكم الديمقراطي الناشيء في العراق عام 1958 وصموا أقطاب الحكم الملكي بالتبعية للإستعمار البريطاني، مع العلم أن العراق كان دولة ذات سيادة وليست محتلة من بريطانيا، كل ما هنالك كانت بضعة معاهدات أمنية وإقتصادية إضطرت الحكومة العراقية لإبرامها مع الإنكليز للحفاظ على أمنها وإستقرارها. وحين إنقلب العسكر مرة أخرى ضد حكم عبدالكريم قاسم، وصموه أيضا بالخيانة وقتلوه غدرا بتهمة هو أبعد ما يكون عنها، فهو القائد العراقي الوحيد الذي أحب شعبه وبذل جهودا جبارة لتحديث بلده ورعاية الفقراء والمعوزين!. وحين إنقلب البعث على الحكم العارفي، وصفوه أيضا بالعمالة للإستعمار والرجعية، وأبعدوا كل الشخصيات السياسية والأكاديمية الحكيمة عن السلطة وجاءوا بأفراد العصابات وأشقياء بغداد ليحكموا البلد!.
واليوم يكاد المشهد يتكرر بإتهام رئيس الجمهورية بالخيانة والحنث بالقسم الدستوري من قبل شقاوات بغداد وعملاء طهران وأيتام قاسم سليماني، يريدون بذلك أن يدمروا العراق أكثر مما هو مدمر أساسا بسبب تسلط هؤلاء الأراذل على الحكم.

والسؤال هو : ألم يكف عملاء طهران كل هذا الخراب والدمار الذي أحاقوه بالعراق؟. ألم يكفهم تشريد الملايين بسبب صراعاتهم الطائفية وقتلهم لمئات الشباب العراقي على الهوية الطائفية؟ أفلا ينظرون الى الآلاف من شباب بلدهم العاطلين عن العمل، والى الأطفال وهم يتسولون عند إشارات المرور، ألم يشعر ملاليهم وساستهم بالخزي والعار، وقد خرج ملايين الشباب والشابات الى الشوارع هاتفين بإسقاطهم؟.
كنا ننتظر انقلابا امريكيا ينهي حكم هذه الميليشيات البائسة، واذا بنا نسمع أن الشيعة يعدون أنفسهم للانقلاب على سلطة الشيعة!. حقا أمرك عجيب ياعراق.