قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عنوان هذه المقالة هو عنوان الفصل رقم (12) من مذكرات "لي كوان يو" رئيس وزراء سنغافورة الأسبق، التي صدرت في كتاب بعنوان "من العالم الثالث الى العالم الأول – قصة سنغافورة 1965-2000)، والمقالة بكاملها هي موجز مختصر لهذا الفصل.
يقول "لي كوان"، حين وصلت حكومة حزب العمل الشعبي الذي يرأسه" الى السلطة عام 1959م، رتبنا الأمور بحيث تكون لدينا إدارة نظيفة. آلمنا طمع وفساد وانحلال العديد من الزعماء الآسيويين. لقد تحول المقاتلون من اجل الحرية والمناضلون لإنقاذ شعوبهم المضطهدة الى زمر من الفاسدين الذين يبذرون ويبددون ثرواتها. تخلفت مجتمعاتهم وتدهورت احوالها. اجتاحتنا موجة الثورة في آسيا، وعقدنا العزم على التخلص من الحكم الاستعماري، لكننا شعرنا بالاستياء والخجل من الزعماء الوطنيين الآسيويين الذين أدى فشلهم في تطبيق مثلهم العليا الى إزالة غشاوة الوهم عن عيوننا.
كان كافة وزرائي - باستثناء واحد – من خريجي الجامعات. وفي حالة خروجنا من الحكم كنا على ثقة بأننا نستطيع البقاء والاستمرار، خصوصا لمهني متخصص مثلي وليست ثمة حاجة بنا لإدخار المال لمثل هذه النهاية. والأهم من ذلك ان زوجات معظمنا من العاملات اللاتي يمكن ان يصرفن على الأسرة، اذا أقصينا عن الحكم او دخلنا السجن، ذلك ما شكل مواقف وزرائي وزوجاتهم. وحين يحظى الوزراء باحترام وثقة الناس، يستطيع موظفو الحكومة أيضا رفع رؤوسهم عاليا واتخاذ القرار بكل ثقة. كل ذلك شكل عاملا حاسما في معركتنا ضد الشيوعيين.
تأكدنا منذ اليوم الذي استلمنا فيه الحكم في شهر يونيو 1959م ان كل دولار من العائدات سوف يسجل ويصل كله الى المحتاجين على المستوى القاعدة الشعبية، دون ان يقتطع منه شيء في الطريق اليهم. وهكذا، منذ البداية، ركزنا انتباهنا بصورة خاصة على المجالات التي كانت فيها السلطات القادرة على اتخاذ القرارات الصائبة عرضة للاستغلال من اجل المكاسب، وعملنا على شحذ وصقل الأدوات والوسائل التي يمكنها اكتشاف او ردع مثل هذه الممارسات.
المؤسسة الرئيسة التي حملت مسؤولية هذه المهمة هي "مكتب التحقيق" في ممارسة الفساد المستشري خصوصا على المستويات الدينا والمتوسطة بين افراد الشرطة، ومفتشي الباعة المتجولين، ومساعدي مأمور التنفيذ في مجال الأراضي، أي المسؤولين الذين يتخذون الإجراءات القانونية ضد الذين يخرقون القانون من خلال احتلال الطرق العامة، أو أراضي الدولة لبناء اكواخهم، أو الباعة الذين يعرضون بضاعتهم على الأرصفة. وكان بمقدور هؤلاء إما استدعاء المخالفين للمثول امام القضاء او تجاهل المخالفات مقابل الحصول على رشوة مناسبة.
قررنا تركيز جهدنا على الحيتان الضخمة واللصوص الكبار، ووجهنا مكتب التحقيق تبعا لأولوياتنا. كما شرعنا بالنسبة "للأسماك الصغيرة" بتبسيط الإجراءات وإلغاء الممارسات السرية عبر الإعلان عن خطوط ارشادية واضحة وجلية، بل الغينا ضرورة الحصول على تراخيص او موافقات في المجالات الأقل أهمية. وحين واجهنا مشكلات في ضمان نزاهة الأحكام، قمنا بتشديد سلطة القانون على مراحل متدرجة.
في عام 1960م، غيرنا قانون محاربة الفساد لعام 1937م الذي لم يعد يناسب العصر، ووسعنا تعريف العطايا والهدايا ليشمل كل ما له قيمة. أعطت التعديلات سلطات أوسع للمحققين بما في ذلك الاعتقال والبحث والتقصي ومراجعة الحسابات المصرفية ودفاتر البنوك بالنسبة للأشخاص المشتبه بهم، إضافة الى زوجاتهم او أبنائهم او وكلائهم. ولم يعد من الضروري اثبات ان الشخص الذي قبض الرشوة يحتل موقعا يؤهله لتنفيذ الخدمة المطلوبة. وتوجب على مراقب حسابات ضريبة الدخل ان يقدم المعلومات المتعلقة بكل من يخضع للتحقيق. وجرى تغيير القانون النافذ الذي يشير الى ان الدليل الذي يقدمه المتواطئ على الجرم لا قيمة له اذا لم يثبت، ليسمح للقاضي بقبول مثل هذا الدليل.
تجسد اهم تغيير فاعل اجريناه عام 1960م في مبدأ "من اين لك هذا"؟ أي السماح للمحاكم بالتعامل مع البينات التي تثبت ان المتهم يعيش حياة تتجاوز حدود امكانياته المادية، او انه يملك عقارا لا يسمح دخله بشرائه، كدليل دامغ على انه قبل او تقاضى رشوة. ومع الدقة في التحريات والسلطة المخولة بالتحقيق مع أي مسؤول وكل وزير، استطاع مكتب التحقيق الذي يمارس مهمته في رئاسة مجلس الوزراء اكتساب سمعة مرعبة في اكتشاف أولئك الذين يخونون الأمانة.

في عام 1963م، جعلنا استدعاء الشهود من قبل مكتب التحقيق لتقديم المعلومات أمرا إجباريا، وفي عام 1989م قمنا بزيادة الحد الأقصى من غرامة الرشوة من عشرة آلاف الى مائة الف دولار. أما تقديم معلومات كاذبة او مضللة الى مكتب التحقيق فقد اصبح جناية خاضعة لعقوبة السجن والغرامة التي تصل الى عشرة آلاف دولار، في حين زودت المحاكم بصلاحيات مصادرة المكاسب الآتية من الفساد.

كان الفساد عملية منظمة ومستشرية في بعض المجالات، وفي عام 1971م قام مكتب التحقيق بالقضاء على زمرة مؤلفة من اكثر من 250 شرطيا يعملون في الدوريات كانوا يتلقون مبالغ تتراوح بين خمسة وعشرة آلاف دولار في كل شهر من أصحاب شاحنات معينة اعتادوا تمييز كل منها بواسطة العنوان المكتوب على جانبيها. أما أولئك الذين يرفضون الدفع فيتعرضون للمضايقة وتصدر بحقهم مذكرات استدعاء.
كان بعض مسؤولي الجمارك يتلقون رشاوى للإسراع في عملية تفتيش الشاحنات المحملة بالبضائع الممنوعة والمهربة، وبعض موظفي مكتب التموين المركزي (دائرة المشتريات الحكومية) يسربون المعلومات المتعلقة بالمناقصات مقابل مبالغ مالية يتلقونها، وبعض مسؤولي دائرة الاستيراد والتصدير يتلقون الرشاوى للإسراع في اصدار التصاريح والأذونات. وبعض المقاولين يرشون موظفي العمل للسماح باستخدام دعائم غير قانونية للمباني. أما عمال الصحة العامة فيتلقون مبالغ مالية من أصحاب المحلات والسكان للقيام بواجبهم ورفع المخلفات عن الشوارع. مدراء وأساتذة المدارس الصينية اعتادوا تلقي عمولات من موردي القرطاسية. براعة البشر لا حدود لها عندما يتعلق الأمر بترجمة السلطة وحرية التصرف الى مكاسب شخصية.

لم يكن من الصعب جدا "تنظيف" البلد من الفساد ووقف عمليات ابتزاز المال المنظمة هذه. كان اكتشاف التصرفات الانتهازية المعزولة اشد صعوبة، وعنما اكتشفت توجب القضاء عليها. أدين عدة وزراء بتهمة الفساد ما بين الستينات والثمانينيات من القرن الماضي، واحتلت أسمائهم عناوين الأخبار، اشهرهم:
"وي تون بون"، كان وزيرا للدولة في وزارة البيئة عام 1975م. قبل بيتا ريفيا تساوي قيمته 500 الف دولار من احد رجال الأعمال، وسحب مبلغين تجاوز بهما رصيده في البنك بمقدار 300 الف دولار للمضاربة في الأسهم بضمان شخصي من احد رجال الأعمال، وقام برحلة مجانية مع اسرته الى اندونيسيا على حساب رجل اعمال ناشط في مجال تطوير الإسكان. ثبتت إدانته وحكم عليه بالسجن اربع سنوات وستة اشهر، وبعد الاستئناف خفضت مدة الحبس الى 18 شهرا.

"تيه تشينغ وان"، وزير التنمية الوطنية. في نوفمبر 1986م، اعترف احد مساعديه عند استجوابه من قبل مكتب التحقيق انه اعطى "تيه" مبلغين نقديين قيمة كل منهما 400 الف دولار، للسماح في الحالة الأولى لشركة تطويرية بالاحتفاظ بجزء من ارضها التي خصصت للدولة. وفي الحالة الثانية لمساعدة رجل اعمال على شراء ارض تابعة للدولة لتطويرها لحسابه الخاص. تلقى هذين المبلغين كرشوة في عامي 1981م و 1982م، لكنه انكر تلقي هذه الأموال وحاول عقد صفقة مع كبير مساعدي مكتب التحقيقات لوقف الإجراءات ضده. بعد أسبوع انتحر بتناول جرعة كبيرة جدا من أميتال الصوديوم لتفادي الفضيحة والسجن.
من السهولة بمكان البدء – نظريا – بمعايير أخلاقية سامية، وقناعات قوية راسخة، وتصميم اكيد على القضاء على الفساد. لكن من الصعب البقاء على مستوى هذه النوايا الصافية إلا اذا امتلك الزعماء ما يكفي من القوة والتصميم على التعامل مع المخالفين ومنتهكي القانون، بدون اية استثناءات. ولا بد من دعم مسؤولي مكتب التحقيق دون خوف او محسوبية لتطبيق القواعد والأنظمة.

الكتاب السنوي للقدرة على المنافسة العالمية الذي أصدره معهد التنمية الإدارية عام 1997م، رتب الدول الأقل فسادا في العالم معطيا علامة 10 درجات للدولة المثالية في هذا المجال. وحصلت سنغافورة على 9.18 درجة كأقل الدول فسادا في رابطة دول جنوب شرق آسيا، قبل هونغ كونغ واليابان وتايوان. مؤسسة الشفافية الدولية (ومقرها برلين)، وضعت سنغافورة في المرتبة السابعة على الصعيد العالمي سنة 1998م فيما يتعلق بغياب الفساد عن مؤسساتها وأجهزتها وإداراتها.

آخر الكلام: أتمنى على حكام دول العالم الثالث ان يقرأوا هذا الكتاب، ليطلعوا على تجربة هذا القائد الفذ الذي حول بلاده الفقيرة التي لا تتجاوز مساحتها 721.5 كيلو مترا مربعا، وتفتقر الى الموارد الطبيعية، الى عملاق اقتصادي يشار لها بالبنان خلال عقدين من الزمن.