ليس لأن جدّ رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الأبعد علي كمال تركيٌّ، والبعض يقول "شركسيٌّ"، حتى أتعاطف معه وأضرع إلى العلي القدير أنْ ينجيه من هذه النازلة الصحية التي حلّت به بل لأنّه لا يزال شاباً من مواليد عام 1964 ولأنني عشت في هذا البلد الطيب لأكثر من إثني عشر عاماً ولأنّ ولديّ بشار ونزار وأيضاً حفيدي (الحبيب) هزاع يحملون جنسيته وأيضاً لأننّي من محبي غلوب باشا (جون باجوت غلوب) وإبنه فارس الذي كان صديقاً ورفيقاً بكل معنى الكلمة .

إنّ غلوب باشا هو المؤسس الفعلي لجيشنا العربي فخر الجيوش العربية ولعلّ ما لا يعرفه شبابنا الذين بعضهم قد خطّ الشيب رؤوسهم هو أنّ (أبو فارس) بعد خدمة سنوات طويلة قد غادر الأردن دامع العينين ولا يحمل إلا حقيبة "مهشمة" فيها بعض القمصان و"السراويل" العتيقة وبعض "فساتين" زوجته التي أخاطتها بيدها وأشترت "قماشها" من "سقف السيل" حيث كان هناك ما يسمىّ: "سوق اليمنية".

كنت قد زرته خلال إقامتي في لندن في منزله المتواضع جداًّ في الريف البريطاني إلى الجنوب الغربي من لندن الجميلة، وعندما سألته عن أوضاعه في حديث ذكريات طلب مني ألاّ أنشره في "المجلة" التي كنت أعمل بها، ردّ عليّ بلغة عربية صافية وجميلة و"بلكنة" بدوية: "الحمدلله مستورة".. إنني أتقاضى راتباً شهرياًّ مقداره ثلاثمائة وعشرون جنيهاً.. وبالنسبة لـ "المواصلات" في "الباصات" و"القطارات" فإنها مجانية نظراً لأنّ عمري قد تجاوز نهايات الستين عاماً.. "الحمدلله مستورة".

وكنت خلال فترة وجودي في بيروت، وهي أجمل أيام حياتي، قد تعرفت على "فارس" الذي لغته العربية أفضل من لغتي وربما أفضل من "سيبويه" وكان متحمساً للقضية الفلسطينية أكثر من كثيرين من بعض الذين يعتبرون أنفسهم من أصحابها.. والآن وقد مرّ كل هذا الزمن الطويل فإنه بإمكاني القول أنه هو صاحب فكرة الطائرات "شبه الورقية" التي كانت تحمّل ببعض المتفجرات البسيطة وترسل من الجنوب اللبناني إلى المواقع العسكرية الإسرائيلية على حدود فلسطين المحتلة المتاخمة للحدود اللبنانية.

بعد الخروج من بيروت عام 1982 إلتقيته في قبرص وكانت معه زوجته الفلسطينية وعلى ما أعتقد أنها من "القدس" وطفلتاه الصغيرتان وكان لا يحمل في جيبه ولا : "شروى نقير" كما يقال .. وكان ما كان إلى أن إلتقيته في الكويت وحيث كان يعمل في وكالة الأنباء الكويتية .. وحيث "أهداني" ثلاثة من كتبه بلغة عربية جميلة ثمّ مرّت الأيام بسرعة، وهكذا وذات مساء متأخر إتصل بي صديق العمر الذي غادر بسرعة أحمد الربعي وأبْلغني وهو يجهش بالبكاء أنّ "فارس" قد توفاه الله بحادث سيارة. . إنّها بالفعل فاجعة!

كان الحسين العظيم.. حسيننا لا يزال عندنا ومعنا ولم يختطفه الموت بعد من بيننا.. وأبلغته أنّ "فارس" قد ترك خلفه زوجته وطفلتين والمعروف أنّ راحلنا العظيم كانت يده الكريمة ممدودة بالخير ودائماً.. والمفترض أن كل الأردنيين يعرفون هذا.. ولهذا ولإنني أحب بريطانيا وأنّ لندن تسكن في قلبي فإنني أتضرع إلى العلي القدير أن يرأف بحال بوريس جونسون وأن ينجيه من ضربة القدر هذه التي وجهها إليه فيروس: "كورونا" الغادر!

مواضيع قد تهمك :