قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

هناك مقولة للمفكر علي شريعتي فحواها: أن لروح الإنسان سجون أربعة وهي: سجن المجتمع والتاريخ والطبيعة والذات؛ فهو يرى أن السجون الثلاثة الطبيعة والتاريخ والمجتمع أمكن التغلب عليها حيث أن التاريخ عن طريق معرفته وإدراك مغزى قوانينه يتم التحكم بمسيره، ويرى أن الطبيعة أمكن تسخيرها بواسطة العلم، وأن المجتمع أمكن التمرد عليه بأشخاص استثنائيين تمكنوا من تغييره برغم الظروف المحيطة، ولكنه يرى بأن السجن والقيد الأكبر هو سجن الذات!

وسؤالي هنا هل يمكن التفاؤل بمقولة شريعتي في فهم وتغيير طبيعة إشكالية العلاقة بين السنة والشيعة؟

بعد وفاة رسول الله (ص) وقع الخلاف بين الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم حول من يقود دولة المدينة ومن يمتلك شرعية ذلك، وتطور مسار تاريخنا الإسلامي –لاحقاً- إلى مرحلة الصدام بين أبنائه الذين قامت على أكتافهم نشأة وتأسيس مشروع الدولة الجديدة؛ فسالت الدماء الزكية في معارك وحروب أدت إلى انشقاقات وتصدعات استمرت وتعمّقت في التاريخ حتى عصرنا الحاضر.

ونتيجة لذلك الخلاف الموغل في التاريخ الإسلامي تشكَّل "أهل السنة" و"أهل التشيع"؛ وأصبح التاريخ بتفاصيله جزء مهماً من المعتقد الديني عند المذهبين، بحيث أن أي محاولة للمراجعة أو النقد له تعتبر تعديًا واجتراءً على عقيدة المذهب وتصوراته. وقد استمر الصراع بين الطرفين على مدار التاريخ الإسلامي الذي قامت فيه عدة دول تحكم باسم سنة رسول الله (ص)، ودول انتسبت لآل البيت الأطهار، وادعى كلا منهما أحقيته في امتلاك الحق والحقيقة، وبين هذا وذاك أنشطر الوعي الديني للمسلمين، وتعمّق الشرخ بين اتباع الدين الواحد، وغدا قتيل أياً من الطرفين (في أي معركة بينهما) يطلق عليه وصف "شهيد" الدين والعقيدة والمذهب!!

وأنا لا أنكر أن هناك انشقاقات وقعت بين اتباع الديانات الأخرى فهي حالة تكاد تكون قد شملت أغلب الأديان؛ فأوروبا –على سبيل المثال لا الحصر- وقع بين شعوبها (اتباع الدين الواحد) حروب أهلية دينية قتل فيها الملايين، بل أن بعض دولها كألمانيا فقدت ما يقارب ثلثي سكانها في الحرب بين الكاثوليك والبروتستانت والتي استمرت لعقود. لكنهم -وللإنصاف– كانوا قد توقفوا في لحظة تاريخية حاسمة اكتشفوا فيها عبثية تلك الصراعات والحروب؛ لذلك عقدوا فيما بينهم صلحاً سُمي بـ"صلح وستفاليا"عام 1648م، وهو تسوية تاريخية كان من أهم بنودها، على سبيل المثال لا الحصر: الاعتراف بحرية الدين والمعتقد، ومنع كافة أشكال الاضطهاد الديني، والاعتراف بحدود الدولة الوطنية وضرورة أن يكون ولاء الأفراد والشعوب للدولة وليس للكنيسة.

وبذلك نجح الأوربيون آنذاك في الخروج من سجن الذات والمجتمع والتاريخ والانطلاق نحو الانفكاك من سجن الطبيعة لإدراك أسرارها وتطويعها لصالح بني الإنسان.

فما أحوجنا نحن المسلمين اليوم إلى الانفكاك من سجوننا الأربعة كما فعل غيرنا؛ حيث ما زلنا -أكثر من ألف عام- ندور في حلقة مفرغة من العداء المُستحكم الذي وسّع شقة الخلاف بين أتباع الدين الواحد، الأمر الذي نتج عنه صراعات وحروب أنهكتنا، وأدّت بنا إلى تقديس التاريخ والتراث ورفعهما إلى مرتبة المقدّس الديني الذي لا يصح نقده أو تجاوزه!

فهل يستطيع السنة والشيعة أن يخرجوا من أسر الذات والتاريخ والمجتمع ويلتقوا على تسوية تاريخية يتم من خلالها الالتقاء على الجوامع المشتركة –وهي كثيرة- وتخفيف حدة العداء ومنع توظيف الدين والمذهب لصالح السياسة والسياسيين؟