قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يُقال بأن على المرء في الكثير من الأحيان الاحتراس ممن يرفعون الشعارات الكبيرة التي تدغدغ مشاعر الجماهير، خاصةً إذا ما كان صاحب الخطاب الهيصاوي كائن مشكوك به أولاً، ولا تأثير إيجابي له ولو على زقاقٍ من بضعة أمتار ثانياً، وحيث تراه يرفع سقف خطابه عالياً حتى يحظى بالذي ينوي بلوغ شأوهِ من خلال الادّعاء أو الابتزاز، بمعنى ليس بالضرورة أن يكون صاحب الصوت المرتفع في الشارع دائماً على حق، فياما شوهِدَ الفاسدون وأصحاب السوابق والدواعر في بلادنا وهم مِن أبرز مَن يرفعون أصواتهم في الأماكن العامة.

كما أنه وفق دراسة النفس البشرية وما يصدر عنها من سلوكيات ومواقف، فأحياناً يتوصل المرءُ عبر التجارب الحية إلى تصورٍ مفاده بأن مَن أكثَرَ مِن ذكر شيءٍ دل عليه أو دل على ما هو عكس ما يبديه في الظاهر وعلى الملأ، حيث العاشق قد يُكثر من رشق أهل معشوقته بالاتهامات كل فترة، لا كرهاً بها أو بهم، إنما ليدور الحديث طويلاً عنها وعنهم في حضرته، وهو كلما جاء ذكر اسم عائلة المعشوقة على لسان أحد المتحاورين تراه كالمسرنم الذي لا يود الاستيقاظ من سرحانه الجميل على إيقاع التذكير المتواصل لها.

وعلى غراره قد يلجأ المذنب مرات ومرات إلى أماكن التطهر ليس حباً بالطهارة نفسها، إنما رغبة في الاستفادة من مفردات الطهر وقصصه، وذلك ليحمي نفسه بتلك الحكايا لا أكثر، أو كمن يكون زنخاً من رأسه إلى قاعه ولكنه بحاجة ماسة لأقنعةٍ نقية، فيستعين حينها بمفرداتٍ دالة على الصدق أو بأهل الصدق أنفسهم كواجهاتٍ له أو لمؤسسته ليس حباً بالصق والصادقين، إنما لعل واحدهم يقوم بمهمة التغطية على أفكه وفحشائه.

وبصورة معكوسة قد نرى مَن يصرف جل وقته لإبداء الاهتمام بقضية ما، ليس لأنه مؤمن بها، وليس لأنه يعمل عليها، إنما علّه يُشغل الحضور عنها حتى يتناسوا أو يتجنبوا بحث محاور أخرى تمس كيانه الغارق في الخطيئة، وحيال التركيز على الشيء وادّعاء محاربته لنسيان القضية الأساس والإنشغال عنها بأمور أقل أهميةً منها، يندرج في تلك الخانة ما يقوم به حالياً النائب في البرلمان العراقي عن كتلة المستقبل الكردية سركوت شمس الدين، وكذلك ما قام به من قبلُ رهطٌ مماثل له إبان كارثة تسليم كركوك للحشد الشعبي، حيث خرج حينها بعضهم في ذروة تلك الأزمة الوجودية بملف الفساد المالي، وراحوا عبر الفضائيات والصحف يطالبون بمحاسبة الفاسدين، والغريب وقتها أن ذلك الطلب جاء من قِبل من هم أكثر تورطاً في ملفات الإجرام والفساد، ولكن بما أن قضية تسليم كركوك كانت أعظم أثراً، لذا حاولوا إشغال الشارع في الإقليم بما هو أقل وقعاً على المواطنين، بينما كل التشدق بجملة محاربة الفساد لم تكن أكثر من وسيلةٍ مخادعة لصرف الأنظار عن القضايا الجوهرية والاهتمام بأمور أخرى، وهي كانت ضربة استباقية هدفها إشغال العامة بقضايا جانبية لكي ينسوا مَن تسبب بتشريد حوالي 180 ألف من مواطني كركوك والمناطق المتنازع عليها، ومَن كان وراء حرق وتدمير الآلاف من بيوت الكورد في طوزخورماتو وغيرها.

عموماً فهذه النماذج البشرية الموجودة بكثرة في عالم السياسة تذكرنا بحالات مرضية أخرى نعايشها عن قرب على مستوى الطبقات الدنيا في المجتمع، أي من الذين يدّعون محاربة الشيء بينما هم عملياً مِن طلابه، منها أني وبفضل القرب الجغرافي كنتُ قريباً لمدة 15سنة من إحدى بؤر الدعارة في الحي الذي أقطن به في مدينة حلب، وبسبب قربي من ذلك المكان استخلصت فضيلتين: إحداهن أن القُرب من بؤر الفساد يجعل المرء مطلعاً على نماذج مجتمعية عدة من روّاد تلك المراتع؛ وثانياً فالمكوث على مقربةٍ من البؤر العفنة يُظهر حقيقة إرادة الإنسان ومدى قدرته على أن يكون قاب قوسين من أماكن الإصابة ولكن عليه أن يحافظ على كامل نظافته فلا يتلوث أو يطاله المرض.

على كل حال فسبب إيرادي لهذه التجربة الشخصية جاء لأني كمواطن لم يُحرم من فضيلة النظر، لاحظتُ بأن وضع بعض الساسة في بلادنا مشابه تماماً لحالة النموذج البشري الذي أحكي عنه، وخاصة هؤلاء الذين يتاجرون كل فترة بيافطة محاربة ملف ما على وجه التحديد، من أجل صرف أنظار الناس وإبعاد الشبه عنهم، وفحوى القصة تلك هو أني رأيتُ يوماً أحد أصحاب المحلات القريبة من منزلي في حلب، لا حديث لديه ليل نهار غير سيدة اسمها أم عبدالله ووكرها الخاص ببيع الهوى، وأم عبدالله بالمناسبة كانت امرأة كبيرة بالسن تقوم بتشغيل بعض النسوة اللواتي تقطعت بهن السبل، أو ممن تم لفظهن من قبل ذويهن فاضطررن اللجوء لهكذا أماكن، بينما جاري صاحب المحل ومن كثر اهتمامه بأم عبدالله وبؤرتها لم ألاحظه مرة من المرات وهو يتحدث عن موضوعٍ لا علاقة له بالدعارة، وهذا ما زاد من شكوكي حول سر اهتمام هذا الرجل بتلك المواضيع ليل نهار، وخاصةً اهتمامه الجم بالبورة تلك والحديث المتواصل عنها، ومن حسن حظي فلم تمر على شكوكي فترة طويلة حتى صادفت في السوبر ماركت القريب من منزلي أحد أعمدة بيت أم عبدالله من الرجال، وبعد الدخول في حديثٍ جانبي عابر توجهت إلى الرجل بسؤالٍ بسيطٍ وقريب، ولكن بغرضٍ مركب وهدفٍ بعيد، فقلت للرجل: سأسألك سؤالاً وأتمنى أن تجيبني عليه من دون حرج؟ قال الرجل: تفضل؛ قلت: فلان الفلاني صاحب المحل الفلاني، قال: ماذا عنه؟ قلت: ما الذي بينكم وبينه، قال: أتريد الصراحة، قلت: وأتمنى منك كبدها، فقال: ربما تعرف بأن ليس لأم عبدالله أي مورد مالي غير عدة نسوةٍ عاملات تحت أمرتها وهي تسترزق من ورائهن، قلت: وبعدها، قال: الذي تتحدث عنه أتى إلينا عدة مرات ويريد الرجل أن يقضي حاجته من غير أن يدفع أي شيء، لذا خرج بعد محاولته الأخيرة من المنزل وهو يشتمنا ويهيننا على الملأ كما جمع علينا الحي بصريخه وشتمه لأعراضنا!!

وبعد أن أنهى الرجل كلامه، سكتُّ بُرهةً؛ ومن ثم بدأت صورة مدّعي الشرف رويداً رويداً تتضح أمامي، وعندما غادر الرجل المحسوب على كتيبة أم عبدالله أحسست بأن صخرةً أُزيحت عن صدري، وصرت أتحدث مع نفسي في طريق عودتي للبيت، وأقول أتاريك تتحدث بالسوء عنهن ليس تعبيراً عن امتعاضك من طبيعة عملهن، وليس لأنك تخشى على شباب الحي وبناته منهن، إنما بكون الجماعة هناك لم يسمحوا لك بأن تحصل على مبتغاك بالمجان، وفوقها رحتَ تستخدم معهم أساليب التهديد والوعيد كما كان يفعل جلاوزة الأمن مع كل النسوة العاملات في ذلك السلك الذي يعتاش المنتسبون إليه على بيع الهوى.

وفي الأخير نقول بأن مِن طراز ذلك الشخص الذي ادعى الاستشراف يظهر بين الفينة والأخرى في إقليم كردستان مَن يماثله مِن أهل السياسة، كما ظهر مثلهم يوماً في سوريا وخدعوا الشعب بصيحاتهم وشعاراتهم العالية ضد النظام، إذ بعد أن خرجت المظاهرات السلمية في 2011 من أجل الحرية والكرامة ومحاسبة الطغمة الفاسدة في السلطة، راح الكثير من أصحاب السوابق والفاسدين يركبون موجة الثورة في سورية من أجل التغطية على فسادهم وطوي صفحات تاريخهم العفن، ولتضليل الشارع السوري ادعوا بأنهم ثوار ويعارضون النظام بسبب جوره وفساده، بينما بعضهم الآن من أزنخ الفاسدين في المناطق المحررة، والمعطيات تقول بأن الظروف الموضوعية لو كانت مواتية، لغدوا أكثر إجراماً مِن علي مملوك وأكثر فساداً مِن رامي مخلوف.