قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في نهايات القرن الماضي، أصدر البريطاني بول جونسون كتابا حمل عنوان :”أمراض المشاهير" من الأدباء والمفكرين والشعراء. جميع هؤلاء لعبوا أدوارا هامة وكبيرة في تطوّر الثقافة الإنسانيّة. ومن خلال كتاباتهم، ومواقفهم، كانوا من المدافعين المتحمسين عن التقدم، وعن الحريّة، وعن العدالة، وعن القيم النبيلة، وعن الأخوّة بين الشعوب، وبين الأمم. مع ذلك لم تخلو حياتهم من الفضائح، ومن المساوئ، ومن النرجسية، ومن الحماقات!

أوّل من أصابته السهام هو الفيلسوف والكاتب جان جاك روسّو. فقد اتهمه بول جونسون بالأنانيّة المفرطة وبالإحساس بالتفوّق عن الآخرين، معتمدا في اتهامه على جملة لروسو فيها يقول :”كيف يمكن أن يكون بؤسك وبؤسي سواء بسواء. إنّ بؤسي لا مثيل له، ولم يسمع أحد بمثله منذ بدء الخليقة".

ويعتقد بول جونسون أن روسو كان "يحمل ضغائن كثيرة، وكان مخادعا في استمراره بحملها". وهو ما لاحظه كثيرون. من ذلك مثلا أن صديقا سابقا له كتب يقول مندّدا بسلوكه السيء تجاه أقرب الناس اليه :”كيف نصدّق أن صديق البشريّة(يعني روسو)لم يعد صديقا لأحد، أو أنه نادرا ما يكون كذلك؟". وقد ردّ عليه روسو قائلا :”أنا صديق البشريّة، والناس موجودون في كلّ مكان. وأنا لست في حاجة إلى أن أذهب بعيدا". ويقدم لنا بول جونسون جان جاك روسو وكأنه شخص لا يمكن ان يُصادق، ولا يمكن أن يتمتع بثقة أحد. فهو مريض بجنون العظمة. وهو يريد أن تكون حياته من بدايتها إلى نهايتها "دَعَة وتطفّلا". كما أنه كان "كثير الشجار، وبعنف شديد كان يتعامل مع كلّ الذين كانوا على صلة به تقريبا، خاصّة الأصدقاء منهم". ولم يكن من الممكن استعراض الخصومات المتكرّرة والمؤلمة التي كان يفتعلها لأنه كان "مريضا عقليّا".
ويسخر بول جونسون من كارل ماركس قائلا بإنه كان "جاهلا طوال حياته بعالم المال والصناعة"، وبإنّ جميع معارفه في هذا المجال، والتي قدمها للناس كما لو انها من ابتكاره الخاص، استقاها في الحقيقة من خاله الذي كان رجل أعمال يعيش في هولندا، ومن صديقه انجلز الذي كان عارفا بخفايا عالم المال والصناعة. وقد كتب بول جونسون يقول :”إنّ كتاب كارل ماركس "رأس المال"، ذلك النّصب التذكاري الذي تمحورت حوله حياته كباحث، لا يجب النظر اليه كبحث علميّ عن طبيعة العمليّة الإقتصاديّة التي حاول ان يصفها، وإنما كتدريب في الفلسفة الأخلاقيّة (…). إنه موعظة ضخمة، وغير متماسكة في معظمها، وهجوم على العمليّة الصناعيّة، ومبدأ الملكيّة من قبل رجل يكنّ لهما كراهيّة شديدة، مُتوهّمة، ولا مبرّر لها". ويواصل بول جونسون كلامه قائلا :”والذي يخرج به من قراءة "رأس المال" هو فشل كارل ماركس الذريع في فهم الرأسماليّة. فشل تحديدا لأنه لم يكن علميّا إذ أنه لم يستطع أن يتقصّى الحقائق بنفسه، أو أن يستخدم الحقائق التي تقصّاها الآخرون بموضوعيّة. ومن البداية إلى النهاية، كان عمله كلّه، وليس "رأس المال" فقط، يعكس إهمالا للحقيقة ولاميالاة تصل أحيانا إلى درجة الإحتقار. وهذا هو السبب الرئيسي في عجز الماركسيّة كنظام عن تحقيق النتائج التي تدعيها. ووصفها ب "العلميّة" يعتبر أمرا منافيا للعقل". ولم يكتف بول جونسون بانتقاد أفكار كارل ماركس الواردة في مجمل كتبه النظريّة، بل قدمه كشخص "متعجرف، وراشح بالإزدراء". وكان صوته الحادّ الرنّان "متناسقا تمام التناسق مع الأحكام العنيفة التي كان يصدرها، ويوزعها على البشر والأشياء من دون توقّف". وكان من عادته ان يقول لكلّ من يعاديه، ويناهض أفكاره :"سوف أمحوك من الوجود!”. وإمعانا في الحطّ من قيمته، كتب بول جونسون عن كارل ماركس يقول :”لم يكن له وقت محدّد للنوم، أو لليقظة. كان يسهر عادة طوال الليل، ثم يرقد بكامل ثيابه على الأريكة، ويظلّ نائما حتى المساء. ولم يكن يزعجه دخول أو خروج الدنيا كلّها عليه وهو نائم. لا توجد قطعة أثاث واحدة سليمة، أو نظيفة ,كلّ شيء مكسور، ممزق، رثّ. طبقات من الغبار تغطي كلّ شيء، والفوضى تعمّ المكان. في وسط الصالون توجد طاولة كبيرة من طراز قديم عليها مفرش من البلاستيك، فوقه مخطوطات وكتب، وجرائد، وسكاكين، ولمبات، ومحبرة، وكؤوس، وغلايين تبغ ورماد. إنّ صاحب أيّ محلّ ليخجل من بيع تلكم الأشياء الغريبة".

ولم ينج النرويجي انريك إبسن، كاتب المسرحيات الشهيرة، والذي أمضى حياته في تطوير وصقل أدواته الفنيّة بهدف الوصول إلى "السموّ الفنيّ" كما هو حال شكسبير، وغوته، من التجريح والإنتقاد. ويقول جونسون إنه-أي ابسن-نشأ "ضئيل الجسم، قبيحا. وكانت هناك شائعة تقول بإنه طفل غير شرعيّ لرجل مجهول الهويّة. وعندما كبر، وأصبح مشهورا، ظلّ إبسن عاجزا عن أن يكون أنيقا. وكان يقضي ساعة كاملة كلّ صباح محاولا ارتداء ملابسه.

غير أن جميع محاولاته للتانّق منيت بفشل ذريع". وكان يبدو لمعظم الناس "مثل العاملين على ظهور السفن". وكان له وجه أسلافه "الأحمر الغريب خاصة بعد ان يشرب". ويشير جونسون إلى أن إبسن لم يكن يشرب أثناء الكتابة، غير أنه كان يفعل ذلك في الجلسات والسهرات العامة إذ أن الشراب كان يخلّصه من حيائه ويطلق لسانه. لكن أحيانا كان يبالغ في الشراب. عندئذ تصيبه نوبات غضب حادّة فيأخذ في التهجم على الآخرين، وشتمهم. وهذا ما فعله مع شابّ اسكندنافي في روما. وكان هذا الشاب رسّاما مريضا بالسلّ. وقد هاجمه إبسن وهو سكران قائلا :”أنت لا تستحقّ ان تسير على قدميك...أنت جدير بأن تزحف على أربع!”. وعن علاقة إبسن بزوجته، كتب جونسون يقول :”كان إبسن دائما فظّا وغليظ القلب مع زوجته .إلاّ أن هذه الأخيرة كانت تعرف كيف تحمي نفسها من نوبات غضبه. يثور فتضحك في وجهه بكلّ بساطة، وهي واثقة من جبنه، ومن خوفه من العنف. وفي الواقع، كانت تلعب على أوتار مخاوفه، وتمشط الصحف بحثا عن الأخبار المرعبة، وعن الكوارث اليوميّة لكي تنقلها اليه. ولم يكونا زوجين يمكن رؤيتهما وهما في انسجام ووفاق". ولم يسلم تولستوي من التهجمات القاسية هو أيضا. فقد أشار بول جونسون إلى أن صاحب "الحرب والسلم" كان مدمنا على لعب القمار كما هو حال دستويفسكي. ومرات عديدة سافر إلى اوروبا من أجل هذا الغرض. وفي ضيْعات والده كان يطارد بنات الأقنان، ويأخذهنّ إلى سريره كلّ ليلة. لذا سيكتب في ما بعد قائلا :”أتذكر الليالي التي قضيتها هناك. أتذكر جمال وشباب "دنيا شاه". أتذكر جسدها القويّ الممشوق". بل أن تولستوي كان يحبّ أن يضاجع النساء المتزوجات. وعن امرأة متزوجة تدعى اكسينا"، كتب في يومياته عام 1858 يقول :”اليوم في الغابة الكبيرة القديمة...أنا أحمق...وحش...جسدها البرونزيّ وعيناها. أحبّ كما لم أحبّ من قبل. لا أفكّر في أيّ شيء آخر". وفي ما بعد سوف يندم تولستوي على مغامراته الجنسيّة، وسيكتب قائلا :”الآن سأضع لنفسي القاعدة التالية: سوف أعتبر صحبة النساء شرّا اجتماعيّا لابدّ منه محاولا الإبتعاد عنه قدر الإمكان". ويشير بول جونسون إلى أن الشهور الأخيرة في حياة تولستوي كانت "مؤلمة" خاصة بالنسبة لعشاق أدبه. فالرجل الذي بدا من خلال أعماله مدافعا عن القيم الإنسانيّة النبيلة، انقلب على نفسه و"باتت حياته موسومة بالغيرة، وبالضغينة، وبالمراوغة والخداع، والمزاج السيء، والهستيريا الخسّة".

ويؤكّد بول جونسون أن همنغواي كان يميل إلى الكذب متعمّدا ذلك غالب الأحيان. وفي قصّة له بعنوان :”بيت الجندي" كتب يقول :”من الطبيعيّ أن أفضل الكتاب هم من الكذّابين، وجزء مهمّ من حرفتهم هو أن يكذبوا، وأن يختلقوا الأكاذيب...إنهم كثيرا ما يكذبون من دون وعي، ثم بعد ذلك يتذكرون كذبهم بندم شديد". ويقول جونسون بإن حيلة همنغواي التي انتهت بانتحاره ببندقيّة صيد في الثاني من شهر يوليو-تموز 1961 كانت "درسا يجب على المثقفين أن يأخذوه بعين الإعتبار...وهذا الدرس هم أن الفن وحده ليس كافيا!”.

وواصفا إياه ب"صاحب القلب الجليدي"، يقدم بول جونسون الشاعر والكاتب المسرحي برتولد برخت على الصورة التالية :”كان (أي برخت) يحبّ أن يثير بأعماله ضجّة، ويكشف عن فضائح. كان يريد أن تثير مسرحيّاته الهمس، وصيحات الإستنكار من جانب الجمهور، والتصفيق الحادّ من الجانب الآخر. لم يكن يهتمّ بالنقد المسرحيّ القائم على التحليل. كان يكره المثقفين التقليديين، خاصّة ذلك النوع الأكاديمي والرومانسي. اخترع برخت في الواقع مثقفا من نوع جديد كما فعل روسو، وبايرون في زمانيهما. ونموذج برخت الجديد رفيع الثقافة، والذي كان هو نفسه نموذجا له، كان فظّا، غليظ القلب، شكّاكا. وقد أراد أن يضع على المسرح الجوّ الخشن والعنيف الذي تتميّز به الساحة الرياضيّة. ومثل يايرون، كان يستمتع بصحبة الملاكمين المحترفين". ويرى جونسون أن فلسفة برخت التي تعتمد على مقولته الشهيرة :”لا تنس أن الفنّ خداع، وأن الحياة نفسها خدعة" تفضح "أنانيّة عنيدة". وهو يضيف قائلا :”كان برخت يتابع أهدافه الأنانيّة بقسوة منظّمة، وبدم بارد إلى درجة نادرة". ويستعرض بول جونسون علاقات برخت مع النساء مثبتا أنه كان يستغلّ مواهبهنّ لصالحه، بل أنه "جعلهنّ جميعا في خدمة أغراضه". وبالنسبة له، كانت النساء كلهنّ "دجاجات في مزرعة الديك هو الوحيد فيها".

وعن سارتر كتب بول جونسون يقول :”كان (أي سارتر )مفتونا بالعنف، فيه يلعب بقدميه، خلف سحابة مربكة من البلاغة اللغويّة. كان مثلا يقول :”عندما يواجه الشباب الشرطة فإن واجبنا ليس فقط أن نظهر أنّ الشرطة هي العنيفة، بل علينا أن ننضمّ إلى الشباب في عنفهم المضاد". وهو يقول أيضا :”إذا لم يشارك المثقف في العمل المباشر (أي العنف) نيابة عن السّود، فإنه يعتبر مسئولا عن قتلهم تماما كما لو كان يضغط على زناد رجال الشرطة الذين يقتلونهم". ويتهجّم جونسون على فلسفة سارتر الوجوديّة معتبرا اياها "جنونا يستمتع به الناس".

والواضح من هذا الكتاب المثير للجدل أن بول جنوسون أراد بطرق ذكيّة، وبأساليب بارعة أن "يحطم" الأساطير، وان ينزع كل الأقنعة التي يمكن أن تتيح للقراء "تقديس" رموز الثقافة والفكر الإنساني. وقد يكون أفلح في ذلك إلى حدّ ما، غير أنه لن ينتقص من قيمة ومن رمزية جميع الذين هاجمهم، وفضح عيوبهم، وأمراضهم. وسيظل هؤلاء يحتلون في الأدب وفي الفكر الإنساني تلك المكانة الرفيعة التي ما أظنّ أن أحدا يمتلك القدرة على سلبها منهم!