قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

نشرت "إيلاف" مقالة بقلم حسن إسميك بعنوان هل من "طريق ثالث" للعراقيين؟ يطلب فيها من العراقيين الخروج من معادلة الغالب والمغلوب، فأثارت تفاعلًا سياسيًا واسعًا. من جوانب هذا التفاعل رسالة – رد أرسله الكاتب عزت الشابندر، فاتحًا أفق النقاش السياسي حول مستقبل نظام الحكم في العراق. "إيلاف" تثبت رد الشابندر، وتعليق إسميك على هذا الرد.


الشابندر يرد
نشر موقع "إيلاف" مقالةً للكاتب والمفكر حسن إسميك، عنوانها "هل من طريق ثالث للعراقيين؟"، ناقش فيه كاتبه حال اللاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني الذي يعيشه الشعب العراقي منذ عقود، والتي أصبحت - أي الحال - تمثل شكلًا من أشكال الـ "ستاتيكو" الذي يصطدم به أي تطلع رسمي أو شعبي إلى تغيير الواقع.
إني لا أختلف مع الجوانب الرئيسية للمقالة المذكورة، إلا أنني أود الإشارة هنا إلى بعض النقاط الواردة فيه، والتي تدعو إلى التساؤل.
على سبيل المثال، ركز الكاتب على "توصيف العراقي" في أكثر من موقع في المقالة، وهذا يوحي بأن إسميك اعتبر المجتمع العراقي بتياراته ومؤسساته الرسمية وغير الرسمية كلها وغيرها من المكونات "بنية" اجتماعية واحدة، خالية من التناقضات والصراعات؛ فمن هو العراقي؟ وهل العراق نظامٌ سياسيٌ قائمٌ على التحاصص الطائفي؟ أم هو حراكٌ شبابيٌ وشعبيٌ؟ أم هو مليشياتٌ وسلاحٌ خارج إطار الدولة؟ لذ‎ا، لا يمكن اعتبار عراق الرفاه والعدالة المراد تحقيقه خليطًا من المكونات آنفة الذكر.
استخدم إسميك نظرية ابن خلدون القائمة على خيارين لا ثالث لهما؛ "غالب ومنتصر" أو "مغلوب ومهزوم"، مشيرًا إلى أن الوعي الجمعي العراقي لا بد له من أن يتخلص من هذه العقلية خلال عملية التفاعل الاجتماعي. لا ضير هنا من الرجوع إلى هذه النظرية؛ إذ إن الكون كلّه على المستوى البشري يقوم على أساس الصراع والتناقض، وللصراع نتيجته الحتمية... إما "غالب" وإما "مغلوب".
لكن.. على الاستشهاد بنظرية ابن خلدون أن يكون منطقيًا وأشد وضوحًا... فإذا أردنا التعامل مع المجتمع العراقي من منطلق أن المراد منه أن يصبح مجتمعًا مدنيًا خاليًا من الطائفية ومن مظاهر التسلح غير النظامية، فإن هذا لن يتحقق من خلال ما يسميه إسميك "تجاوز هذه الثنائية - المنتصر والمهزوم - إلى أفق أرحب"؛ حيث أن التناقضات والصراعات ليست داخلية فحسب، بل على العكس تمامًا، فهذه الصراعات ناتجة بالدرجة الأولى من النزاعات التي خاضها العراق مع دول إقليمية ودولية عدة. وبحسب النظرية، يكون المهزوم مولعًا بتقليد المنتصر، فأي "غالب" سيقلّده المجتمع العراقي؟ وهو يُعتبر - بحسب العديد من زعمائه - "مغلوبًا من أطراف إقليمية ودولية أخرى". بالتالي، إذا سعى المجتمع العراقي إلى تقليد "الغالب"، فسيتفتت بحكم وجود أكثر من "منتصر" على العراق، وهذا ما قد يكون المقصود من تعبير إسميك.
"الغالب والمغلوب" معيار يتبدل ويتغير؛ فالغالب سابقًا يعني القاتل، والمغلوب هو المقتول. وحتى قبل نصف قرن من الآن، كان التغيير السياسي في أي دولة من دول العالم الثالث - ليس في العراق فحسب - يتم بالانقلابات العسكرية، فكان "الغالب حاكم أو قاتل" و"المغلوب محكوم أو مقتول". الحاكم في الأغلب يكون حرًا طليقًا، والمغلوب مسجونًا.
يمكننا القول: إن هذا الوضع تطور بتطور البشرية من خلال التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية المتعاقبة، وبتأثير العولمة والتنوع المدني والثقافي بين الشعوب في العالم الثالث وأوروبا وأميركا. وباعتقادي، هذه هي البداية للتغيير الثقافي من خلال فهم عملية "الغلبة" واستيعابها؛ فـالغالب لا يُشترط فيه أن يكون هو القاتل، والمغلوب لا يشترط فيه أن يكون هو المقتول، بل يمكن "المغلوب" أن يكون هو التابع الاقتصادي والسياسي الذي سينسج مع المتبوع "الغالب" مصالح لا تتوافق مع المصلحة الوطنية العليا. وبالتالي، يصبح التابع المحلي الذي يكون عادة في موقع سلطة "غالبًا" الطبقات الشعبية والفقيرة التي ستشغل مكان "المغلوب"... وهكذا.
نشير هنا إلى أن الغالب هو "الحاكم" المسؤول عن نظريته وتعهداته أمام الناس وأمام شعبه. أما المغلوب فهو "المُعارض" الذي يراقب أداء الغالب ويحاول أن يجد الثغرات الموجودة بين ادعاءاته وأفعاله؛ فإذا وجد هذه الثغرات كبيرة يحاول أن يتسلل من خلالها لكشف حقيقة أن هذا الغالب كان مدعيًا لكنه عاجز عن التزام تعهداته. وبذلك، يأتي دور المغلوب هنا من خلال تطوير نفسه وكسب ثقة الناس به، علمًا أن شكل الصراع الموجود في الأنظمة الديمقراطية يتمثل في "الانتخابات". لذلك، ربما يتحول من كان يؤدي دور الغالب سابقًا إلى مغلوب. وبالتالي، لا يُشترط فيه أن يكون مقتولًا، أو مسجونًا.
المشكلة في دراسة المجتمع العراقي منهجية إلى حد كبير: لا يمكن معاملته بصفته مجتمعًا يمتلك هوية موحدة أو حتى سردية تاريخية متفق عليها. لذا، يجب دراسة كل مكون من مكونات المجتمع العراقي بذاته، لفهم خصوصيتها، ومصالحها إذا كانت تتوافق ومصلحة المكونات المماثلة من أجل تشكيل مجتمع قومي موحد لا تحكمه "معايير الغلبة"، داخليًا على الأقل.
هذه وجهة نظري في الموضوع الذي أقرأه لحضرتك، وإن اختلفنا في الرأي فلا غالب بيننا أو مغلوبًا.

***

...وتعليقًا على ردّ الشابندر:
حسن إسميك: نريدها ثقافة "الكل كاسب" في العراق

أخي أستاذ عزت المحترم،
استمعت إلى رأيكم المحترم وهذا أسعدني كثيرًا. صحيح أن الصراع كان وما زال هو القانون الأزلي للبشرية، لكن العالم المتحضر تمكن من الخروج من نظرية "الغالب والمغلوب" بمعناها الضيق (القبلي والمذهبي الديني والعرقي القومي)، وتوصل إلى فكرة المغالبة بمعناها الحزبي المنفتح على التنافس الديمقراطي الذي يفوز فيه أحدهم ويكون ذا أغلبية أو أكثرية، والمهزوم يكون ذا أقلية سياسية معارضة. لكن هذا ما لا ينطبق على العراق حاليًا؛ إذ إن الصراع فئوي ضيق إقصائي، يكاد يلغي الآخر.
ما أردته من تسوية بين جميع الأطراف لتصل بهم إلى "ثقافة الكل كاسب" تعني تسوية وطنية تعتبر الكل شركاء على قدم المساواة، ومن يفوز منهم في الانتخابات يكون صاحب السلطة السياسية والخاسر هو معارضة وطنية؛ لأن الوضع العراقي ما عاد يحتمل عقلية الغالب والأغلبية التي تمسك بكل مفصل من مفاصل الدولة لتخنق الأقلية أو الخاسر.
نريد للعراق الحبيب الخروج من هذه الثنائية الحادة التي لا يخفى عليكم مدى تغلغلها في العقل الجمعي العراقي، ونريد مصالحة تؤسس لشراكة تعترف بالجميع (الأغلبية والأقلية) على قاعدة الصراع الوطني الشريف العادل البعيد عن ساحة العقائد الدينية، لصالح الولاء الوطني المدني المنفتح.