تباعد ومجافاة ومشاكل لا حصر لها، هكذا أصبحت الحياة الاجتماعية مفرغة من كل مضامينها القائمة على التواصل واللقاء والانسجام والتكافل ومجموعة القيم المجتمعية والعائلية، فبمجرد دخولك إلى البيوت التي اقتحمها الفضاء الافتراضي تحسبها مهجورة من أهلها، كل واحد من أفرادها في غرفته والأبواب موصدة، لا يمكنك أن تلمس أي نوع من أنواع الترابط الأسري، حالة تشعرك بمزيد من الخوف وتطبع داخلك هاجسا من القلق من مستقبل حياة الإنسان وحالة الانعزال التي يعيشها بعيدا عن بيئته ودخوله في متاهة العالم الافتراضي.

*ما قبل اقتحام الفضاء الافتراضي.. كيف كانت حياتنا الاجتماعية*

لابد من معرفة الظروف التي سبقت مرحلة هيمنة العالم الافتراضي على حياتنا، كيف كانت، هل كانت قوية وسليمة ومبنية على أسس البناء الاجتماعي المترابط، أم كانت غير مستقرة بالأساس.

الحقيقة التي لاغبار عليها أن الحياة الأسرية عانت الكثير من المشاكل والتحديات، خاصة في ظل صعوبة التواصل بين أجيال مختلفة، لذلك بدأت تظهر علامات التباين العميقة بينها بشكل واضح وملفت للانتباه، لكن للأسف كان هناك قصور كبير من طرف المختصين والمراقبين في معالجة تلك الهوة التي توسعت كثيرا، وما زاد الطين بلة وعقد الأمور أكثر أن الفضاء الافتراضي دخل في عز هذا الجفاء الحاصل، وطور في درجات التباعد الأسري أكثر فأكثر، فالعالم الجديد خير ملاذ للهروب.

إذا المشكلة بدأت قبل احتلال الفضاء الافتراضي لحياتنا، لكنها لم تعالج بالسرعة الكافية حتى وجدنا أنفسنا أمام واقع جديد لا هروب منه إلا من خلال التأقلم معه ومحاولة ترشيد استخدامه.

*تحمل المسؤولية المشتركة وترشيد استخدام الفضاء الافتراضي ينقذ حياة الأفراد والمجتمعات*
ماذا كنا ننتظر من عالم افتراضي لا حدود له جاء ليسجننا، ولم يعمل ليوم على إعادة ترتيب العلاقات وتطيدها، بل زاد في الشرخ بين شرائح المجتمع الواحد، ومع مرور السنوات بدأ ينشأ جيل يعيش حالة من الانفصام الاجتماعي، فهو يرى من حوله منغمسين في ذلك الجهاز الذي يسيطر على حياتهم وأذهانهم ويجعلها فارغة من كل المظاهر الاجتماعية التي تعتبر جزء لا يتجزأ من النظام الإنساني.

إن تراجع العلاقات الاجتماعية مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي يعيد مجددا السؤال حول مسؤولية من تقع هذه المشكلة؟

الجميع مسؤول؛ وتقاسم المسؤولية من شأنه أن يدفع إلى العمل الجاد والمشترك لتحمل تبعات ما يحدث ومعالجتها ووضع حد لعملية استنزاف حياة الإنسان ووقته، عبر وضع قراءة دقيقة للوضع الراهن، حيث يقوم متخصصون في علم الاجتماع والنفس والسوشل ميديا والعلوم المتخصصة من دراسته من جميع الجوانب لدرء أكبر نتائج كارثية قد تنعكس على الفرد والمجتمع بسبب سوء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، كما يجب مشاركة نتائج الدراسة مع المؤسسات التعليمية والتربوية والجمعيات الأسرية والمؤسسات المختلفة لمواجهة هذه التداعيات الخطيرة على حياة الإنسان والمجتمعات، لا باللانغماس ولا بالهروب، بل بالمواجهة ووضع سقف لاستخدام المواقع الاجتماعية وفق رؤية معتدلة تحفظ لكل شيء نصابه وتحمي روح الحياة الاجتماعية والعائلية للفرد من التفكك والاندثار.

*كاتبة وإعلامية جزائرية