قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تعتلي التناقضات واجهة المواقف الدولية نحو ليبيا ليس فقط نتيجة سباق المصالح النفطية والاستراتيجية وإنما أيضاً لأن كافة اللاعبين مقيّدو الأيادي بِنسب متفاوتة مما يجعل الحسم بعيد المنال ويهدد ببقاء ليبيا مفكّكة، مُقَسَّمة، مرهونة، تتحوّل من "السورنة" الى "اليمننة" بلا ضوء في نهاية النفق. صورة التحالفات والمواجهات معقّدة جداً في هذا البلد الحزين، بعضها إقليمي وبعضها إقليمي- دولي والبعض الآخر يدخل في خانة التموضع الأميركي والروسي في منطقة الشرق الأوسط. فلقد باتت ليبيا في حسابات بعض اللاعبين في الدرجة الأولى من الأهمية فيما انحسرت سوريا الى مرتبة تكاد تلامس النسيان. هذا يُطبّق على روسيا وتركيا المتصارعتين حالياً في ليبيا وليس في ادلب فيما إيران تبقى متمسّكة بالأولوية السورية ودورها ليس بارزاً في الساحة الليبية. هناك اليوم نوع من المحاور الاقليمية- الدولية في الملف الليبي ترافقها المغامرات الخطيرة لبعض الدول الإقليمية في إطار علاقاتها مع بعض الدول الحليفة لها تقليدياً. لذلك تسير مصر مثلاً على حبلٍ مشدود بقرارٍ منها ليس للتلاعب على التحالفات وإنما لأن المسألة الليبية لها هي مسألة مصيرية.

السياسات الأميركية نحو ليبيا ونحو الدور التركي في ليبيا غير متماسكة وهي قائمة أحياناً على هوى العلاقات الشخصية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتركي رجب طيب أردوغان، وأحياناً أخرى تقع هذه السياسات في خلافات داخل الإدارة الأميركية. رئاسة دونالد ترامب مسؤولة حالياً عن إساءة إدارة ملف ليبيا في هذه الحقبة. لكن رئاسة باراك أوباما هي التي أساءت تناول ملف ليبيا منذ أن شاركت فرنسا في الإطاحة بمعمّر القذافي بغطاء من حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبمباركة من جامعة الدول العربية – ثم خذل جميع هؤلاء ليبيا بتجاهل حاجتها الى البُنية التحتية الضرورية لحكم جديد فيما انصبَّ بعض الأوروبيين على الاستفادة من العقود النفطية.

وزارة الخارجية الأميركية في تقريرها السنوي أكّدت أن "تركيا معبر للمتطرّفينَ للانتقال الى سوريا والعراق"، لكنها تناست دور تركيا في نقل المتطرّفينَ والإرهابيين من سوريا الى ليبيا. غض النظر هذا لفت الانتباه لأن إدارة ترامب تبدو وكأنها تدعم عمداً تدخّل تركيا في ليبيا علماً أن حلفاءها الخليجيين ومصر دقّوا ناقوس خطر التدخل التركي العسكري في الأراضي الليبية.

إدارة ترامب تنظر الى المسألة الليبية عبر غمّامات روسية لأنها تؤمن ان هدف روسيا هو السيطرة على هذا الموقع الاستراتيجي والنفطي المهم – البوابة الثمينة الى البحر المتوسط على بعد 200 كيلومتراً عن الساحل الإيطالي ومفتاح الاستقرار الى القرن الأفريقي وما بعد. وهي ليست مخطئة، إنما اعتباراتها ضيّقة جداً في بُعدها التركي الخطير داخل ليبيا ونحو جيرانها – مصر والجزائر وتونس- لأن رجب طيب أردوغان صاحب مشروع فرض "الإخوان المسلمين" على السلطة في شمال أفريقيا برمّتها. ولأنه طامع بالجائزة الليبية أيضاً لغايات نفطية واستراتيجية، وليس فقط لأهدافه الإيديولوجية.

المعركة تدور اليوم بين روسيا وتركيا حول ليبيا وليس حول سوريا كما كانت بالأمس القريب. موسكو أرادت تلقين أنقرة درساً في ليبيا بسبب المواقف التركية نحو معركة ادلب التي قطعت الطريق على بشار الأسد لحسم انتصاره في سوريا والتي حجّمت الوعود الروسية التي قطعها الرئيس فلاديمير بوتين الى الأسد بأن يدعمه في حسم معركة ادلب.

أثار الدمار بسبب النزاع الليبي

مشكلة روسيا في مواجهتها مع تركيا هي انها في مأزق المواجهة والتحدّي وتلقين الدروس شرط ألاّ تقع مواجهة مباشرة بين روسيا وتركيا. أيادي الكرملين مقيّدة لأن المؤسسة العسكرية غاضبة جداً وتريد شد العضلات كي يتم ابلاغ أنقرة مَن هي روسيا عسكرياً، لكن القرار الأخير للقيادة المدنية والعسكرية هو، كما قال مصدر مُطّلع، "اننا لا نريد النزاع العسكري المباشر مع تركيا، ولكن، هناك في الوقت ذاته خطوط حمر. ولذلك، توجد قنوات للرسائل المتبادلة تجنّباً للمواجهة الكبرى".

مأزق تركيا في ليبيا هي في أنها لن تتمكّن من إنجاز الانتصار العسكري مهما تظاهرت ومهما فعلت. قُدراتها محدودة جداً لأنها لن تستطيع زيادة حجم تواجدها العسكري في ليبيا. فهي أيضاً خائفة من حرب مباشرة مع روسيا. ثم ان ليبيا ليست في حديقتها الخلفية، كما سوريا، ولذلك ان مغامرة تركيا في ليبيا البعيدة عنها جغرافياً مغامرة خطيرة.

ثم ان الولايات المتحدة الأميركية لن تتدخّل عسكرياً في ليبيا مهما بعثت الى تركيا الكلام المعسول لدعمها في وجه روسيا. فأميركا منشغلة بمشاكلها وبانتخاباتها الرئاسية في تشرين الثاني (نوفمبر) ولذلك ترى موسكو أن نافذة فرصتها المُتاحة في ليبيا هي من الآن حتى نهاية أيلول (سبتمبر).

الاستراتيجية الروسية كما نقلتها مصادر مطّلعة عليها هي التالي: انطلاقاً من أن ليبيا باتت اليوم أكثر أهمية لموسكو من سوريا بصورة ما، ان الهدف الاستراتيجي والمصالح الروسية السياسية والاقتصادية والعسكرية تكمن الآن في ليبيا. وعليه، ان القرار هو على الدعم العسكري للّواء المتقاعد خليفة حفتر، قائد "الجيش الوطني الليبي" المُعارض لحكومة "الوفاق" التي يرأسها فايز السرّاج الذي تدعمه تركيا. هذا أمر معروف.

الجديد هو ان موسكو تُمهل اليوم حفتر الى شهر أيلول (سبتمبر) لإثبات جدارته العسكرية ويسيطر على طرابلس العاصمة. معركة سرت مهمّة، لكنها في الدرجة الثانية من الأهمية في الحسابات الروسية. "نحن ندعم حفتر" قال مصدر روسي اشترط عدم ذكر اسمه "إنما لن نتمكّن من الانتظار الى الأبد".

القيادات الروسية العسكرية مستمرّة في دعم حفتر، إنما حسب قول أحدها "ان حفتر قدير، لكنه في حاجة الى التنظيم. فهو لا يمتلك حس المنطق العسكري، ويفتقد الرؤية للعمليات العسكرية". ثم "كفى من حروب سيارات الجيب Jeep wars" أضاف المصدر "فنحن لسنا في حاجة الى هتافات ورشاشات الشباب على متن السيارات العسكرية".

موسكو استنتجت ان السيطرة على طرابلس لا يمكن أن يتم وضعها رهن قدرات أو زئبقية الجنرال خليفة حفتر بمفرده، فقررت أن تفتّش عن شركاء يدعمون رؤيتها لليبيا يمكن لها ان تعاونهم في رؤيتهم هم لما تتطلّبه المسألة الليبية – شركاء في تمكين خليفة حفتر من كسب المعركة العسكرية، بالذات في العاصمة الليبية الأساس في الاستراتيجية الروسية. الشريك كان بديهيّاً: جمهورية مصر العربية.

وهكذا تقرّر توسيع التعاون العسكري الروسي – المصري في ملف ليبيا "لأن في العمل معاً، كلانا يربح"، قال مصدر روسي مطّلع، "لكننا ندرك تماماً أن الأمر ليس سهلاً، وهناك صعوبات كبيرة".

فالجيش المصري مستعد لمساعدة حفتر، وهناك خطط عسكرية جاهزة للتدخّل عسكرياً. لكن مأزق مصر هو أنها في تأهب للدخول في حرب من أجل ليبيا، لكنها ليست مستعدّة للدخول في حرب مع تركيا. وبالتالي ان أيادي مصر مقيّدة.

أيادي القاهرة مقيّدة أيضاً في بُعد علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية. فهي لا تريد أن تبدو وانها تدخل في شراكة مع روسيا على حساب المصالح الأميركية. فموسكو واضحة في الصفقة التي تعرضها على مصر وهي: ان نربح عسكرياً في ليبيا يُترجم عملياً بأن يتم اقتسام مستقبل ليبيا بين مصر وروسيا. هكذا شرح أحد المصادر الروسية المعادلة.

قال ان ما تريده روسيا هو ان تكون ليبيا "خالية من النفوذ الغربي، وبدون تواجد تركي"، وما تريده مصر هو ان "تكون ليبيا مستقرّة بلا عناصر القاعدة" وبدون نفوذ "الإخوان المسلمين"، في حديقتها الخلفية.

هذه معادلة صعبة على مصر: ان تدخل في شراكة مع روسيا في خُضمّ المعركة الأميركية – الروسية في ليبيا. هنا يدخل الدور الفرنسي ليكون عنصراً معاوناً لمصر لأن فرنسا عضو في حلف شمال الأطلسي وصديق للولايات المتحدة. أعضاء حلف "الناتو" منقسمين ازاء ملف ليبيا حيث ايطاليا تقود حملة دعم السرّاج وفرنسا تقود معارضة التدخل التركي في ليبيا وتدعم المبادرة المصرية. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال ان تركيا تلعب "لعبة خطيرة" في ليبيا وتوعّد "بأننا لن نتساهل Tolerate مع الدور الذي تلعبه تركيا في ليبيا".

مأزق فرنسا هو انها تبدو طرفاً في نوع من "صفقة" روسية – مصرية مع انها فعلياً تسلك مسار مصالحها النفطية والاستراتيجية في ليبيا. مشكلتها هي ان روسيا لا تخفي حماسها للحرب الليبية التي طبعت عليها حرب الانتقام مما فعله "الغرب" قبل عشر سنوات عندما استبعد روسيا عن ليبيا. فهي تقول الآن: عندما تنتهي الحرب في ليبيا، ان ليبيا لنا، وليست لكم. ماذا إذا أفشل حفتر الغايات الروسية. "ستكون تلك مشكلة كبيرة لنا لكنها ستكون أيضاً عبارة عن يمننة ليبيا في حرب أهلية مدمّرة أكثر".

نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني الأسبق السناتور ناصر جودة قال في الحلقة المستديرة الافتراضية الثامنة لقمة بيروت انستيتوت في أبو ظبي إن مسألة ليبيا بالنسبة لمصر هي "قضية مصيرية، لأن مصر تنظر الى الوضع بأنه مسألة تتعلّق بالأمن القومي كأولوية بالغة". أضاف ان "تركيا تتحوّل من الأدلبة الى اللبينة، وهذه ديناميكيات خطيرة جداً".

مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية الفرنسية، كريستوف فارنو، قال في الحلقة ذاتها "ان التصعيد الذي شهدناه في الأشهر القليلة الماضية لم يكن حصراً نتيجة خلافات الليبيين فيما بينهم، بل نتيجة التدخّل المتنامي للقوى الخارجية التي تأتي بالسلاح للدفع الى المواجهة". أما المساعد الخاص الأسبق لباراك أوباما للشرق الأوسط وشمال أفريقيا فيليب غوردون فإنه أشار الى التناقضات والانقسامات داخل إدارة ترامب، مستبعداً عنصر روسيا من المعادلة، وقال ان دونالد ترامب يبني السياسات على "الصفقات الشخصية"، كتلك بينه وبين أردوغان "ونتيجة ذلك، بصراحة، هي ان سياستنا تفتقد التماسك والترابط وهي غير مفهومة".