قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

سبق وان ذكرنا ذلك في اكثر من موضع بأن الإعلام الجديد، على عكس ما هو معهود في الإعلام التقليدي، يشكل تحديات كبيرة وجمة للمجتمعات التقليدية، التي لم تدخل الى طور الحداثة الفكرية والعقلنة والتعاطي الحضاري مع المنجزات التكنولوجية والماديية للإنسان.

هذه الإشكالية، بنيوية بالدرجة الأساس، مرتبطة بالتفاوت الحضاري بين المجتمعات المنتجة لهذه الوسائل والوسائط وبين المجتمعات المستهلكة لها، ولا يمكن معالجة هذه الهوة إلا من خلال الوقوع في تحديات مجتمعية وسياسية وثقافية جمة وصراعات حتمية تنتج عنها بين قوى وفئات إجتماعية مختلفة، وعليه نجد ان المسألة أعقد بكثير من ان نقاربها بمقاربة إعلامية بحتة، أو من خلال وجهة نظر علمية أُحادية في حقل علمي ما، ما يجعلني أن أكون دوماً من دعاة تفسير الظواهر الإجتماعية والسياسية المتأزمة، لاسيما في عالمنا ومنطقتنا تحديداً، بأكثر من مقاربة علمية، وذلك وفق الأخذ بفرضيات مثمرة لدى كل باحث يبحث وبقدرٍ من الجدية، في أي إشكالية مجتمعية.

الإعلام الجديد، كما هو معلوم، ليس خاضعاً للرقابة القانونية في مجتمعاتنا الشرق أوسطية إلا في الدول البوليسية والإستبدادية منا، ولم تُسَن له قوانين خاصة بكيفية تعاطي المتعاملين معه إن كانوا أفراداً وجماعات، أو قوى وجمعيات، فقد أصبح من أسهل الوسائل للتواصل الإجتماعي والتأثير السياسي والتجاري والتسويقي في معظم النشاطات الإجتماعية للبشر. وصار إقليم كُردستان، هو الآخر، في قلب هذه التجربة، وبالتالي تلاحظ ان لجوء الأحزاب السياسية في الإقليم للإعلام الجديد ومنصات ومواقع التواصل الإجتماعي أمر متوقع بل بديهي للغاية، لأن هذه الأخيرة باتت من أكثر الوسائل التواصلية تأثيراً على الناس وأسهلها إتصالاً بهم وبالتالي أشدها تلاعباً بعقول المتلقين والتحكم بأفكارهم وآراهم من دون أي رقابة ذاتية أو قانونية تَحد من خطورة هذه الحرية المطلقة في النشر والدعاية السياسية والتحريضات والتشويهات اللافتة للحقائق والوقائع.
وهناك سبب آخر، يتعلق بقدرة الأحزاب السياسية في الإقليم على تعبئة مؤيديها وتوجيههم وأدلجتهم في بؤرة هذا الصراع المحتدم ضد الخصوم، ومرد ذلك إمتلاك الأحزاب لإمكانيات مالية ضخمة يتم إستثماره جزء منها بشكل مبرمج وتوزيعه على أفراد وأعضاء متعصبة في صفوفهم مُكَلَفون بتأجيج الحروب النفسية والتراشقات الإعلامية والصراعات التي يقرر الحزب خوضها مع أحزاب أخرى أو شخصيات بارزة فيها للنيل منهم ولسمعتهم من دون أدنى خشية من الملاحقة القانونية.

والأمر واضح المعالم والصورة، فالصراع في هذا الميدان بات صراعاً مألوفاً ومتاحاً للجميع!، إذ يلجأ الطرف المستهدف فيه، هو الآخر، لنفس المنابر في مواقع التواصل الإجتماعي وكافة وسائل الإعلام الجديد ذاتها للرد على الخصم ومقارعته وتشويه صيته والتأثير على الرأي العام بشأنه، مما يؤدي الى تحويل هذه المواقع الى ساحات حروب إفتراضية وكلامية وسجالات مفتوحة لا حدود لها، وبالتالي زرع الأحقاد والفتن بين الطبقات الإجتماعية والسياسية، الأمر الذي يسبب في إبتعاد بعض من الناس، خاصة الطبقة المتعلمة -كما نلمس ذلك في الإقليم- عن إستخدام بعض من هذه المواقع، لاسيما الفيسبوك، وفتح الحساب أو الصفحات في مواقع أخرى أقل تأثراً بهذه الآفة الفكرية والسياسية.

نعم ان تأثير الإعلام الجديد اليوم، بات أشد وأخطر على الجمهور المتلقي من الإعلام التقليدي، وصار مساؤه أكثر من محاسنه، لأن ثمة إعتبارات وقوانين مدنية ومهنية ودستورية خاصة بتنظيم عمل الإعلام التقليدي في العالم وحتى في إقليم كُردستان تعاقب أي شخص أو جماعة أو حزب تقع في جريمة النشر، لا سيما القذف والتشهير والأضرار المعنوي بالآخرين، وقد يصل بعض من هذه القوانين الى حد السجن رغم أن المادة (35) من قانون الصحافة في إقليم كُردستان يبدي تساهلاً كبيراً لصالح الإعلاميين من خلال عدم درج أي مادة جزائية في القانون تصل الى حد سجن الصحفي أو الإعلامي أو أي صحيفة وقنوات إعلامية أثناء أداء المهام، وتعويض ذلك بعقوبة التغريم ليس إلا، أما في الإعلام الجديد فلا ترى شيئاً من هذا القبيل. وبهذا المعنى، نستنتج بأن ثمة رادع قانوني فعلاً في مجال الإعلام التقليدي لا يسمح أن يكون الحال كما هو سائد في الإعلام الجديد في تجربة إقليم كُردستان، وقد غُرِم حتى الآن الكثير من الصحفيين أو القنوات الإعلامية والصحف جراء وقوعهم في جرائم نشر مختلفة، مما دفع الكثير من أهل المهنة أن يلتزموا أكثر بقواعد العمل والضوابط المهنية والأخلاقية وأخذ المواد القانونية الجزائية في مجال الإعلام بعين الإعتبار، أما الأمر مع الإعلام الجديد مختلف تماماً، إذ يكفي اليوم أن يكون لكل فرد يمتلك خط نت واحد فقط وخط جوال حتى يفتح بمنتهى السهولة حساب أو أكثر، صفحة أو أزيد، للمشاركة في أي نشاط إعلامي شخصي أو موجه من قِبل جماعات سياسية، وهذه هي المشكلة!.
وبحسب معلماتي، ليس ثمة حتى اليوم أي معالجة أو طرح قانوني يخفف من حدة مخاطر إستغلال الأفراد والأحزاب السياسية في الإقليم لشبكات التواصل الإجتماعي والحد من جعل هذه الأخيرة ميداناً شرساً لتمزيق وحدة الصف السياسي وتعميق الخلافات بين القوى السياسية.

*باحث وطالب الدكتوراه في مجال الإعلام- كُردستان العراق