قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كنت جالساً في إحدى مقاهي القاهرة، أتابع على شاشة كبيرة نقلاً حياً لصدامات مباشرة بين عدد من الشباب المنتفضين وقوات الأمن في شوارع إحدى العواصم العربية، حين جاء عامل المقهى وبدأ برفع الأكواب من أمامي حاجباً عني رؤية الشاشة، ولأنني كنت مستغرقاً في متابعة ما يحدث طلبت منه بإشارة مستعجلة من يدي أن يبتعد قليلاً لأتمكن من المتابعة، ويبدو أنه شعر بالحرج فتنحى جانباً بابتسامة اعتذار لطيفة، وهو يراقبني ويراقب الشاشة معي أحيانا. وسرعان ما انتهى النقل المباشر فالتفت إليه؛ لأخفف عنه الحرج مبرراً تركيزي مع الخبر، بسوء الصورة المنقولة عبر عدسة هاتفه المتحرك، فوافقني قائلا: (أصبح سوء الصورة شرطاً أساسياً لجودة الخبر)، استوقفتني صحة العبارة التي قالها رغم تناقضها، واستوقفني أكثر أسلوبه في طرح رأيه بطريقة واضحة وبسيطة، وكأنها قاعدة عامة لديه. فنظرت إليه نظرة تومئ له بإكمال حديثه، فأكمل موضحاً: (الصورة غير الواضحة، وارتباك صاحب الهاتف النقال، والحركة السريعة، وأصوات الأقدام وهي تجري، وغير ذلك، كلها مواصفات تمنح الصورة المصداقية، وتشدّ المشاهد نحو التركيز، وتجعله يشعر ببعض ما يشعر به الموجودون في الصورة).

فئة الشباب في المنطقة العربية تُسجّل أعلى مستويات بطالة وأكثرها تزايداً في العالم بنسبة 23% في عام 2020 (الإسكوا)

لقد رغبت باستمرار الحديث معه بعدما توقعت أمراً كان في محله، وقلت له: (أنت يجب أن تعمل في المجال الإعلامي يا صديقي)، فأجابني بابتسامة محبطة هذه المرة: (أنا بانتظار الفرصة منذ أربع سنوات)، سألته عن دراسته فأخبرني أنه حاصل على الشهادة الجامعية في تخصص الإعلام، ومهتم بعلم النفس الإعلامي أيضا، وأنه بقي سنة كاملة بعد التخرج يبحث عن وظيفة في مجال تخصصه دون جدوى، فكان لا بد له من العمل في أي مجال آخر ليتدبر معيشته، ولما أبديت أسفي على هذا الحال للخريجين الجدد، أجابني بخفة دم: (الحمد لله على أية حال، كنّا نطمح لتقديم الأخبار على القنوات ورضينا بتقديم الساخن والبارد في المقاهي). حاولت الابتسام له لكني لم أجد لذلك سبيلاً.
أعادت لي هذه الحادثة شريط الذكريات لحادثة حصلت معي في بيروت عندما اضطررت لركوب سيارة أجرة، يقودها شاب في مقتبل العقد الثالث من العمر بدا عليه الغضب كسمة ملازمة لشخصيته، كان غاضباً من الراكب الذي أنزله للتو، وأيضا من سوء الطريق وشدة الازدحام، وهو يشترط أنه سيأخذ مني ثمن التوصيلة بالدولار حصراً، فقبلت بشرطه، فرغبت بالتعامل مع غضبه قليلاً، فعمدت إلى استفزازه قائلا: (بعد أن حددت نوع العملة، هل ستحدد لي أيضاً أين سأذهب؟)، تدارك الأمر معتذراً وسألني عن وجهتي، وما إن أجبته حتى بدأ يسرد لي دون توقف توصيفاً دقيقاً للوضع الاقتصادي، وتأثير الدولار والأزمات المالية والفرق بين الاقتصاد الإنتاجي والاقتصاد الريعي، وهو يكرر لي في كل دقيقة سبب استطراده في الشرح بلكنة لبنانية محببة: (باين عليك خواجه وبتفهم بالتجارة)، فرددت عليه: (وأنت يبدو عليك الأمر ذاته، فلماذا تعمل سائق أجرة؟). فضرب ضربتين بمقبضه على مقود السيارة، وتنهد تنهيدة عميقة وأخبرني أنه حاصل على شهادة الماجستير في الاقتصاد، وأن شركة الدراسات التي يعمل فيها أغلقت فرعها في لبنان بعد أن أفلست، ولم يجد بديلا سوى العمل خلف هذا المقود، فالناس هنا يتعاملون مع الاقتصاد كما يتعاملون مع السياسة والقانون، يدرسونه في الجامعات كعلم، ثم يعملون في الواقع بخلاف ما يدرسون.
ففي الوقت الذي كان فيه يُحدثني عن وضعه، كانت صورة البوعزيزي في تونس ترتسم في مخيلتي، انه الجامعي الذي لم يجد عملاً بشهادته، فتوجه للعمل كبائع جوال، فتمت إهانته ومصادرة مصدر رزقه، فردّ بإشعال النار بنفسه ليصبح أيقونة الشباب العربي، وأول من نبه الحكومات العربية إلى الاغتراب والاستيلاب والعجز والضياع والإحباط الذي يُحيق بشبابنا اليوم.

البوعزيزي صار رمزًا للتعبير عن الأوضاع السيئة التي يعيشها الشباب العربي

بين المفارقة الأولى: تقديم القهوة بدل تقديم الأخبار، والمفارقة الثانية: شركة دراسات اقتصادية لكنها تخسر! يُختصر الواقع السوداوي للتعليم في منطقتنا المنكوبة بالأزمات التي تملك جزءاً لا يستهان به من ثروات العالم. لكن شعوبها لا تملك الأدوات التي تجعلها تستفيد من هذه الثروات، ولا تتقن المهارات التي تمكنها من دخول حلبة التنافس العالمي في المضي نحو التطور؟!
وفي سياق الحديث عن قضية التعليم كان الإعلامي محمود الورواري قد استضافني مؤخراً على شاشة (العربية الحدث) في حوار حول مشكلات الشباب ومعاناتهم من البطالة، ودار النقاش حول الجدل القائم حول أن خريجي الجامعات من الشباب العرب يفتقرون إلى المؤهلات والخبرات التي تمكنهم من دخول أسواق العمل، وبالتالي تحرمهم من التوظيف في المجالات التي ترتبط بصلب اختصاصاتهم الجامعية. ورغم أن أصابع الاتهام تُوجه في الغالب نحو السوق الذي لا يمنح الشباب فرصة اكتساب المهارات، ولا يقيم وزناً للشهادات الجامعية دون الخبرة المكتسبة من وظائف سابقة تصل في حدها الأدنى إلى السنتين، وقد تُطلب خبرات سابقة تتجاوز العشر سنوات في بعض الوظائف.
أقول رغم هذا الاتهام، ينبغي علينا أولاً أن ندرك طبيعة السوق وقيمه ومعاييره، فالسوق بطبيعته ليس جمعية خيرية أو فضاء للتطوع، بل هو منظومة تقوم على حسابات الربح والخسارة واغتنام الفرص وتعظيم دور الإنتاجية وروح المبادرة. ولا يعني كلامي هذا أن المسؤولية في نقص المؤهلات والخبرات تقع على عاتق الشباب الخريجين، بل على الجامعات التي يفترض أنها تعمل على تأهيل هؤلاء الشباب وإعدادهم لدخول سوق العمل.

ولمقاربة حلول هذه المشكلة دعوت في هذا اللقاء الحواري وعبر هذه القناة إلى إشراك السوق مع الجامعة في عملية تأهيل الخريجين، واستعرت لتوصيف ذلك عبارة مجازية دعوت فيها إلى إزالة أسوار الجامعات التي أصبحت حاجزا منيعاً بين فضاء المعرفة النظرية، وواقع المجتمع وظروفه وإمكاناته وحاجاته.
وبذلك يمكن وبحسب وجهة نظري، كسر تلك الحلقة المفرغة بين مؤسسة التعليم وسوق العمل، فالجامعات تمنح خريجيها المعرفة النظرية، بينما يطلب السوق من الداخلين إليه المهارات العملية التطبيقية، لكن عندما تصبح المهارة العملية جزءا رئيسا من معايير التعليم الجامعي، ويصبح إتقانها شرطاً أساسياً للتخرج، فإن السوق سوف يسارع إلى استقطاب الخريجين، وتقديم أفضل الفرص لهم، بل ربما سيقدم للطلاب في سنواتهم الأخيرة من الدراسة، فرص عمل مؤجلة وعقود توظيف مستقبلية يبدأ العمل بها بمجرد تخرجهم.
غير أن تحقيق الشراكة المثالية بين الجامعة والسوق، لا يتحقق بالرغبات الوردية ولا بالأمنيات الطيبة، بل عبر قرارات مهمة وشجاعة تتخذها الجامعات، لتشارك سوق العمل بتقديم رؤيتها الخاصة للاحتياجات المطلوبة، والاختصاصات التي ينبغي توسيع عدد المستفيدين منها، والأهم من ذلك أن يكون لمؤسسات السوق تواجدها الفعلي داخل الحرم الجامعي، عبر تقديم المخابر وتنظيم المعارض والمؤتمرات، ومواكبة آخر النتائج العلمية والنظريات لإدراجها في التطبيقات العملية، بالإضافة إلى استقبال الطلاب الجامعيين، خاصة من هم في سنة التخرج، للعمل كدورات تدريبية دون مقابل في المؤسسات التي يُتوقع التحاقهم بها بعد التخرج، فيحصلوا شيئا من الخبرة المطلوبة، ويضعوا أقدامهم على أولى درجات التأهيل الوظيفي، وقد لاحظت أن الغرب لما كرّس هذه الطريقة، كان أغلب المتدربين قبل التخرج يلتحقون بالوظائف التي عملوا بها خلال تدريباتهم العملية أثناء دراستهم الجامعية.

لقد آن الأوان بأن نهتم كثيرا بالتعليم لأنه الطريقة الوحيدة التي يمكنها أن تنجينا من الفوضى واستغلال حاجة شبابنا المحبطين؛ بسبب غياب الأمن الوظيفي الذي سببه نمط التعليم التقليدي .
من هنا أطالب جميع القائمين على الشأن التعليمي في منطقتنا، بأن يأخذوا بعين الاعتبار إصلاح وتطوير المنظومة التعليمية، بحيث تؤهل شباب الوطن العربي ليصبحوا قادرين على تلبية متطلبات سوق العمل والالتحاق بالفرص التي يتيحها، وليحققوا أعلى المستويات الفكرية والعلمية والمهنية.