قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

قبل أن أبدأ الحديث عن لغات التنافس الجديدة بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان بعد عقود من التنافس في ساحات الحروب والقتال لعلي أوضّح عدة نقاط مهمة،
فقد يعتقد البعض أني أتهجم في مقالاتي على الرئيس أشرف غني أو الحكومة الأفغانية، لكن من يعرفني يعلم جيداً بأنني لا أهاجم الأشخاص ولا رموز الدول، وفخامة الرئيس أشرف غني هو رئيس الجمهورية ورمز الدولة في أفغانستان، وأكنّ له كل محبة وتقدير كرئيس، وكذلك على الصعيد الشخصي أعرفه جيداً وعملت سفيراً ومبعوثاً خاصاً له لدى الرياض، فهو شخصية محترمة ومثقفة وأكاديمية، ويُشكر على كل ما بذله من جهود كبيرة في خدمة أفغانستان على مدى خمس سنوات في فترة رئاسته الأولى، وقد حالفه التوفيق في الكثير من الأمور التي لم يسبق لرئيس أفغاني عملها من قبله، كما أنه أيضاً لم يوفّق في العديد من القضايا.
كما أن مقالاتي لا أقصد بها أحداً أو أسمي شخصاً من رموز الأحزاب السياسية وقادتها سواءً كانوا من المجاهدين أو الليبراليين أو الشيوعيين أو طالبان، فلكل رموزهم التقدير والاحترام.
لكن ما يهم أفغانستان والمنطقة الآن هو استتباب الأمن والاستقرار فيها، وهناك أشخاص يحاولون عرقلة عملية المصالحة، وهناك أيضاً من يبذل جهوداً في سبيل نجاح المفاوضات، لهذا سمّيت من يدعمون المصالحة بـ "الحَمَام" من باب أنهم دعاة سلام، وأما الذين يقفون ضد المصالحة فسميتهم بـ "الصقور" لأنهم يريدون استمرار الحرب لمصالحهم الشخصية.
واحتراماً للعامة وآرائهم وأفكارهم، فلن نسمي أي مسؤول باسمه، ولكن إن كان هناك نقدٌ فسيكون على العمل الذي قام به شخصٌ ما أو عدة أشخاص، حيث أن هذه الأعمال قد يكون سبباً في التفرقة بين الشعب ومولّداً للعنصرية، وقد يكون سبباً في التقليل من شأن الدولة، وفي كل الأحوال فإن النقد البنّاء هو من صالح الدولة وأجهزتها، وقد تكون سبباً في صدور قرارات تتدارك أخطاء بعض أجهزة الدولة.
فعلى سبيل المثال، بعد أن كتبت مقالتي السابقة والتي كانت بعنوان "مصداقية الحكومة الأفغانية على المحكّ"، وطالبتُ فيها بأن يتم التحقيق في عمليات قتل المدنيين من قِبَل القوات الحكومية وطالبان، حيث أصدرت السفارة البريطانية في كابل بياناً صحفياً، دعت فيه إلى التحقيق في الحوادث التي راح ضحيتها الكثير من المدنيين؛ فقد يكون مقالي السابق سبباً في ذلك، وقد لا يكون.

وأتطرق في مقالي هذا إلى آخر التطوّرات المهمة في أفغانستان، أولاها قرار الرئيس غني بتعيين مبعوثٍ خاصٍ إلى باكستان، وهذا انفتاح من الحكومة الأفغانية على باكستان، وقد تساعد في رأب الصدع بين الدولتين، وكذلك الدعوة التي تلقّاها رئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية الأفغانية الدكتور عبد الله عبد الله من وزير الخارجية الباكستاني محمود قريشي لزيارة بلاده، ومن ناحية أخرى، ما تطرّق إليه الرئيس غني خلال كلمته التي ألقاها في ولاية كابيسا، والذي قال فيها: "إن مسؤولية الدولة هي العمل على اندماج طالبان في الحكومة"، وهذه التصريحات تدل على الإحساس بالمسؤولية تجاه الدولة والشعب.
لكي تستطيع الدولة أن تنجح في عملية السلام، فيجب عليها أن تجعل المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية، إدارة مستقلة وذو سلطة تنفيذية، وتعمل كحكَمٍ ووسيط محايد بين الحكومة وطالبان، فليس من الضروري أن تكون قرارات المجلس متماشية مع سياسة الدولة، لأنه لو كان المجلس جزءاً من الدولة وكيانها، فلا فرق بينها وبين وزير الدولة لشؤون السلام.

ومن الجيد أن للدولة وزير لشؤون السلام، وأيضاً رئيس التفاوض لفريق الحكومة مع طالبان وهو مستشار الرئيس، معصوم ستانكزي، ففريق التفاوض يمثلون الدولة، ويكون بذلك الدكتور عبد الله وباقي أعضاء المجلس الأعلى للمصالحة من الزعماء والحكماء الأفغان المعروفون، ويعملون على رأب الصدع في البلاد، ويعملون على تقديم حلول بديلة في حال تعثّر المفاوضات.
ونأمل أن يتم منح الدكتور عبد الله وأعضاء مجلسه مساحة أكبر للعمل بأريحية، لإدارة ملف المصالحة وعدم تقييد وظائفها وتضييق حدودها، وعدم خلق صدامات بينها وبين فريق الحكومة.

باستطاعة الدكتور عبد الله وفريق الحكومة الحصول على إجماع دول المنطقة، وكذلك إجماع داخلي من كافة أطياف الشعب الأفغاني، ولنجاح عملية المصالحة يجب أن تكون جهود الحكومة وجهود المبعوث الأميركي زلمي خليل زاد متوازية، ولا تكون هناك اختلافات كبيرة في الأجندة بين المساريْن، حتى أن الحكومة باستطاعتها الحصول على الدعم الأميركي في كل ما تتطلبه عملية السلام.

أما في حال شعور الطرف الأميركي بأن الحكومة الأفغانية غير جادة في تنفيذ عملية المصالحة، أو ترغب بتأخير مدة التفاوض وتمديدها إلى خمس سنوات، وذلك حتى تنتهي فترة الحكومة الحالية، وقد يخلق بسببها مشكلات بين الحكومة الأفغانية وأميركا في تنفيذ خطة المصالحة.

ولتنجح عملية المصالحة، فعلى الدولة والرئيس أخذ خطوات جادة، وتغيير العقليات من الحرب إلى المصالحة، وتبديل مشاعر الكراهية إلى مشاعر تسامح، وقبول بعضهم البعض، وإننا على أمل أن يتم إيجاد قانون يعاقب كل من يعمل على خلق الكراهية بين القوميات، واعتبارها جريمة يجب معاقبة من يقوم بها، كما هو الحال في العديد من البلدان.

ومن الخطوات التنافسية بين الحكومة وطالبان في الآونة الأخيرة، هو اجتماع الرئيس بالمثقفين الأفغان وأخذ آرائهم فيما يتعلق بالمصالحة، وكذلك أعلن المتحدث باسم طالبان بأن أعضاء قسم التواصل بالمكتب السياسي للحركة، تواصلوا مع المثقفين الأفغان المقيمين خارج أفغانستان، والتباحث حول عملية السلام، ومستقبل الحكم والسياسة الأفغانية.

كما أن هذا الأسبوع كان مليئاً بالنشاطات من قبل وزارة الخارجية الأفغانية بقيادة الوزير حنيف أتمر، من خلال اتصالاته المتعددة بوزراء خارجية عدد من الدول، وأيضاً مؤتمرين إقليميين للحصول على دعم إقليمي لعملية المصالحة، وفي الوقت نفسه، عقد المكتب السياسي لطالبان اجتماعات عدة مع المبعوث الأميركي زلمي خليل زاد، والذي بحث في اللقاء الموضوعات الاقتصادية لما بعد المصالحة، ولقاء رئيس المكتب السياسي بالمبعوث الألماني إلى أفغانستان، ماركوس بوتزل، وتباحثا خلال اللقاء عملية الإفراج عن السجناء وخروج القوات الأجنبية من أفغانستان؛ باعتبار عملية الإفراج عن السجناء هي الخطوة الأهم في عملية المصالحة والشرط الأساسي لطالبان حتى تبدأ المفاوضات مع الحكومة، حيث هناك تضارب في المواقف بين الحكومة وطالبان بخصوص الإفراج عن 590 سجيناً من طالبان، والذين ترفض الحكومة الإفراج عنهم، وقد نرى ليونة في موقف طالبان وقبولها بتغيير القائمة بسجناء آخرين.
ومن جهة أخرى، أصبح النشاط الإعلامي لحركة طالبان واسعاً، حيث بدأ المكتب الإعلامي للحركة بنشر أخبار ومعلومات كافة لقاءات المكتب السياسي، ونشرها باللغة البشتونية والفارسية والإنجليزية، واللغة العربية أيضاً.

فهناك تنافس شديد بين الفريق الإعلامي للحكومة وطالبان، وكذلك تنافس قوي على الصعيد السياسي بينهما، والتنافس الشرس بين القوات الحكومية وطالبان في كافة الولايات الأفغانية.

فكلما يزداد اتصال طالبان بالشعب الأفغاني والعالم الخارجي من الدول، كلما تزيد مسؤوليتهم تجاه الشعب الأفغاني والمجتمع الدولي وعملية المصالحة.

فمن وجهة نظري، أن الحرب انتهت بين طالبان وأميركا بالنسبة للأميركيين، وهي مسألة وقت حتى تخرج كافة القوات الأميركية من أفغانستان حسب الاتفاق المبرم بين الجانبين، وما يدور الآن هو حرب بين الحكومة الأفغانية وطالبان، وما زالت أميركا والمجتمع الدولي تضع كل ثقلها السياسي في وقف الحرب في أفغانستان، في الوقت الذي تمارس فيه ضغوطاً دولية على الحكومة وطالبان للبدء بالمفاوضات بينهم في أسرع وقت ممكن.

نأمل ونرجو أن تتحكم اللغة السياسية وتزداد المنافسة بين الحكومة والمكتب السياسي لحركة طالبان وفريقيهما الإعلامي، وتتوقف منافستهما على الأرض وتتوقف الحرب عن قرع طبولها.