قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

انطلاقا من عام 1933، شرع النازيون الذي كانوا قد حققوا آنذاك فوزا ساحقا في الانتخابات، في فرض لغة جديدة عبر خطابهم السياسي والاجتماعي والثقافي. وسرعان ما أصحبت اللغة التي صودرت ودُنّسَت من قبلهم أداة مرعبة لتدجين الشعب، واخضاعه لتوجهاتهم الايديولوجية والسياسية. وكان فيكتور كلامبري (1881-1960) من أوائل الذين انتبهوا إلى ذلك. لذلك سارع بتأليف كتاب حمل عنوان :"لغة الرايخ الثالث". وهو ثمرة استماعه اليومي إلى البرامج الاذاعية، وإلى خطب قادة الحزب النازي، وإلى الكلمات والعبارات التي يطلقها الناس في الشوارع، وفي الساحات، وفي الأسواق، وفي التظاهرات التي تنتظم في المدن، وفي القرى. وما لاحظه هو أن لغة النازيين رغم فقرها، تمكنت بسرعة من أن تصبح لغة الأغلبية. والذي يتجرأ على النطق بغيرها يجد نفسه مُعرّضا لعواقب وخيمة قد تصل إلى القتل والسحل.
ويرى كلامبرير أن الكلمات في لغة النازيين تصبح شبيهة ب "جرعات الزرنيخ الصغيرة" التي يتناولها الناس من دون وعي بمخاطرها. وهم يواصلون تناولها من دون أن يشعروا بأي ألم. وفي النهاية يكون ضررها جسيما. واللغة النازية تبدو شبيهة بمطرقة لامرئية تنزل على رؤوس الناس في كل لحظة، وفي كل ساعة، وفي كل يوم. وهي تلاحقهم حتى في خلواتهم وأحلامهم فلا مفرّ لهم منها أبدا. لذلك لم تعد اللغة النازية تتحكم في الأفكار، وفي القناعات السياسية والايديولوجية، بل أصبحت تتحكم أيضا في العواطف والمشاعر.

وقد لاحظ كلامبرير أن النازيين يكثرون من استعمال كلمة" الشعب". وهدفهم من ذلك هو التأكيد على أن مهمتهم الأساسية هي خدمة الشعب. غير أن الحقيقة تعكس غير ذلك. فالشعب بالنسبة لهم هو القطيع الذي لا بد أن يكون خاضعا لهم خضوعا تاما بحيث لا يمكنه أن يتمرد أو يشكك مُطْلَقا في نواياهم وفي أفكارهم وتوجهاتهم. وغالبا ما يلجأ النازيون إلى تحريف معنى الكلمات. فهم يستعملون كلمة "إخلاء" بمعنى ارسال مجموعة كبيرة من الناس إلى الإعدام. وأما كلمة "التشدد" التي لها معنى سلبي في اللغة الألمانية فتعني عند النازيين التمسك بالمبادئ والقيم التي كان هيتلر قد حددها في كتابه الشهير "كفاحي".

ولكي يثبتوا أن العرق الآري هو الأفضل، كان النازيون يعودون إلى التاريخ القديم ليعيدوا الحياة لكلمات ولمفردات تؤكد على ذلك. كما أنهم كانوا يعملون على أن تكون المشاعر هي المتحكمة في الأفراد وفي الجموع وليست الأفكار...

وكثير من الكلمات تستعمل اليوم في تونس لتضليل الناس، والكذب عليهم، وافاسد حياتهم...

فكلمة" ديمقراطية" التي تتنافس جميع الأحزاب التي فاق عددا المائتين في بلد تعداد سكنه 12 مليونا، غالبا ما تستعمل في غير محلها، ومن قبل من لا يؤمنون بها... يكفي أن يستمع الواحد منهم إلى رأي مخالف حتى يقفز من كرسيه ليعلن، ويشتم، ويكفّر صاحبها، ناسبا له عيوبا هو منها براء... وهذا ما تعكسه كل الجلسات البرلمانية التي تفضي يوميا إلى مشادات عنيفة، وتراشق بالكلمات النابية، وتبادل التهم، والى التهديد والوعيد من هذا الجانب أو ذاك... وكل هذا يؤكد أن كلمة "ديمقراطية" لا تعني شيئا لدى من زعموا ويزعمون أنهم جاؤوا لإنهاء عهود الظلم والاستبداد...

و"الديمقراطية" في تونس اليوم، تستعمل لتبرير الاحتجاجات العشوائية، وقطع الطرقات، والاضراب عن العمل في المجالات الحيوية، والدفاع عن المهربين، وعن المتطرفين الذين لا هدف لهم سوى تمزيق أوصال المجتمع، وزرع الفتنة، وتخريب الدولة ومؤسساتها، وتزوير التاريخ، والحط من قيمة كبار الزعماء الوطنيين...

و"حرية الرأي" تسود اليوم في تونس لتشريع البذاءة، وتعميم الجهل والرداءة، وافساد الأذواق، وفتح الأبواب في وسائل الاعلام، وفي وسائل الاتصال الاجتماعي أمام من هب ودب لكي يفعل ويقول ما يشاء وما يريد من دون حسيب ولا رقيب... وفي المجال الثقافي، يستغل البعض من منعدمي الموهبة سواء في المسرح، أم في السينما، أم في الموسيقى كلمة >حرية التعبير" ليقدموا للجمهور أعمالا هابطة أخلاقيا وفنيا... فإن سمعوا نقدا، أو لاحظوا اعتراضا هاجوا وماجوا، وطلعوا على المنابر ينددون ب" بعودة عهود الاستبداد وتكميم الأفواه"...

و"كلمة الانتقال الديمقراطي" التي تلوكها الأحزاب الجديدة في كل ساعة، وفي كل يوم، أفرغت من محتواها لتصبح مثل الصدفة الجوفاء... فإلى حد الآن لم يعاين التونسيون وجود مؤسسات قوية تفرض النظام، واحترام القوانين، وتحمي الدولة ومؤسساتها من التهاوي والسقوط مثلما هو الحال الآن... لذلك أصبحت كلمة "الانتقال الديمقراطي" تعني لهم تواصل الفوضى والاحتجاجات العشوائية بأشكال مرعبة، وكسب الوقت من قبل بعض الأحزاب للتغلغل في دواليب الدولة ومؤسساتها، واضعاف المؤسسة العسكرية والأمنية بهدف احكام سيطرتها على البلاد والعباد...

وكلمة" حزب" تحولت هي أيضا إلى كلمة مثيرة للسخرية والإمتعاظ إذ أن جل الأحزاب في تونس اليوم بلا قواعد شعبية صلبة، وبلا كوادر منظمة وقادرة على تسيير شؤون الدولة... بل أن هناك أحزابا هي عبارة عن مجموعات صغيرة لا هدف لها سوى البحث عن الثروة والسلطة...

وإذن إذا ما نحن أردنا أن نفهم جيدا خفايا المشهد السياسي في تونس راهنا، فإنه يتعين علينا العودة إلى بعض الكلمات التي هي عبارة عن مفاتيح تكشف لنا عتمة السردايب المعتمة، وتفسر لنا أسباب تعفن الأوضاع على جميع المستويات، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها...