من الضروري أن يكون للإنسان (أي إنسان) موقف من أي حدث أو واقعة، وهو حر وله الحق في أن يتخذ الموقف الذي يراه مناسبا له، وإذا كان هذا الإنسان مفكرا أو مثقفا فموقفه ورأيه يكتسبان أهمية مضاعفة، لأنه، كما يقال، يمثل "ضمير الأمة والمجتمع"، وهو يؤسس لقيم ومثل عليا في المجتمع، وطبيعة هذه القيم والمثل تعتمد على نزاهة ووعي هذ المفكر أو المثقف لدوره ومهمته، فإما أن ينشر ويرسخ قيم الحرية والعدالة والإنصاف والصدق في القول والعمل، والتطور في مختلف مجالات الحياة، أو العكس حين يكون هذا الضمير معروضا للإيجار ولمن يدفع أكثر، سواء في المجال السياسي او الفكري والثقافي.
ومن أخطر أشكال ثقافة الارتزاق السائدة حاليا في عالمنا العربي "الارتزاق باسم الدفاع عن الوطن"، وهذا النوع من الارتزاق يتم بالكتابة ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، فنرى عددا من الكتاب والصحفيين والعاملين بالصحافة والإعلام يطفون على سطح الصحف وشاشات التلفزة المدفوعة الأجر للتحريض والشحن الطائفي والعرقي وخلق البلبلة، مقابل مال تمنحه حكومات أو جهات أو نافذين. ومن المعروف أن رؤساء دول وكيانات سياسية كانوا وما يزالون يمنحون المال لعدد من الإعلاميين والصحفيين والكتاب لترويج سياساتهم وتلميع صورهم وصناعة رمزيتهم، وحشد الجماهير الغفيرة لإظهار مدى شعبيتهم المزيفة للرأي العام العالمي. كما نرى عددا من المعلقين، خصوصا على شاشات التلفزة، مولعين بمعجم التحريض والتخوين، وهم يلوكون كلمات مكررة ومملة ومشحونة بالغرائزية تحت دعوى التحليل السياسي ليقبضوا الأموال مقابل تجهيل وتضليل الرأي العام وتدمير نسيج المجتمع.
يعد موضوع ارتزاق المفكر والمثقف في الوقت الحاضر الأكثر أهمية، إلاّ أنه مسكوت عنه، ويراد محوه من ذاكرة الإنسان العربي وسجلات الثقافة العربية. ومن الواضح أن هذا الموقف نابع من اتفاق وتواطؤ ثقافي عام وغير معلن. لذلك نرى في الحالات الاستثنائية، التي يطل فيها هذا الموضوع برأسه، ويظهر بصورة فاضحة وبطريقة الردح، ويصعب حينها التستر عليه، يسارع البعض لوصفه بكونه حالات فردية، ويتعمد البعض الآخر تجاهله وتجنب إثارته، وغالبا ما يجري تمريره وتسويغه بمبررات بائسة، أو الرد بعنف صريح بمجرد إثارته، بقصد الردع وإرهاب من تسول له نفسه الخوض فيه.
أما بالنسبة لواقع المفكرين والمثقفين في مجتمعاتنا العربية وعلاقتهم بالسلطة، فإن مكانتهم وأدوارهم تراجعت كثيرا بتراجع وتفكك الثقافة الوطنية الجامعة، حيث أن الحالة الثقافية في الوقت الحالي تراجعت إلى ثقافة مجتمعات ما قبل الدولة، من قبيلة وعشيرة وطائفة. كما تم تسطيح مفهوم المفكر والمثقف، حيث تمددت السياسة وطغت على الثقافة، وألحقتها بها أو همشتها، كما ارتمى رجال الدين وفقهاء السلاطين والجماعات الإسلاموية على المجالين الفكري والثقافي لدرجة مصادرتهما، وحلول الفقيه والداعية والخطيب محل المفكر والمثقف. ارتزاق المفكر والمثقف يمتد عميقا في التراث والثقافة العربية، ونشير هنا إلى ما ورد في الجزء الرابع من المُؤلّف القيّم للدكتور جواد علي "تاريخ العرب قبل الإسلام"، تحت عنوان "التكسب بالشعر"، حيث وردت فيه أسماء شعراء كبار مثل النابغة الذبياني والأعشى وغيرهما، لتدل على أن الارتزاق بالشعر والثقافة ضارب في القدم ومتواصل إلى اليوم وغدا.
في الحين الذي يقتضي فيه منطق السياسة ضرورة اعادة الاعتبار لأسس النضال الصادق و النبيل المبني عن اسس التضحية والصدق والعطاء النضالي الدائم، فإن منطق الارتزاق السياسي يقتضي من صاحبه أن يكون شخصا انتهازيا ووصوليا، الغاية عنده تبرر الوسيلة، شخص يتقن فن الدهاء والمراوغة، بارع في بيع الأوهام للناس، يعرف من أين تأكل الكتف.

يبقى التطرق إلى مسألة ارتزاق المفكر والمثقف بموضوعية، بعيدا عن الردح والشخصنة والخلافات الشخصية، بحاجة إلى وقفة شجاعة وجرأة من قبل المفكرين والمثقفين الحقيقيين، خاصة أولئك الطامحين إلى ترسيخ فكر وثقافة بديلين يقومان على مبادئ وقيم الحرية والعدالة وكرامة الإنسان. أمّا موقف النعامة ودس المفكر والمثقف لرأسيهما في الرمال، ليس أكثر من هروب إلى الأمام، وإصرار على استمرار المراوحة في المكان خارج التاريخ، وكل الكلمات البليغة والمنمقة، ولغة التهديد والتخوين، تظل عاجزة عن تغيير الحقيقة. لكن الثابت أن هذا الملف سيفتح، وسيكشف المستور من مواقف الارتزاق البائسة علنا، وما هي إلاّ مسألة وقت.
أقوال مأثورة:
• إن المثقف الذي لا يتحسس آلام شعبه لا يستحق لقب المثقف. "أنطونيو غرامشي".
• لا شيء اسوأ من هذه العصابات من أنصاف المثقفين. إنّ نصف ثقافة تدمّر الفطرة والغريزة من دون أن تستبدلها بضمير. كل أرستقراطي الفكر هؤلاء الذين يصرّون على أنهم لا يفكرون مثل القطيع. "نعوم تشومسكي".