في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية تم إدراج إجراءات عزل الرئيس ضد ثلاثة رؤساء، والأساس لنهج إجراءات العزل واضح. ففي الفصل الإضافي 25 في الدستور الأمريكي يرد بأن: " الرئيس ونائب الرئيس وجميع الموظفين المدنيين يلقون العزل إذا رُفعت ضدهم تهمة الخيانة والرشوة أو جرائم أخرى وتأكدت عليهم التهم". والبرلمان يتخذ القرار بغالبية بسيطة للبدء في الإجراءات، ولتوجيه التهمة تكون غالبية الثلثين في مجلس الشيوخ ضرورية، إذ أنها إجراءات مكونة من مستويين، يتعلق الأمر في الأول بالتهمة وبعدها بالعزل الفعلي. وإجراءات العزل التي بدأت في تاريخ الولايات المتحدة لم تُكلل بالنجاح لأسباب مختلفة.

أندرو جونسون
صعد "أندرو جونسون" إلى سدة الرئاسة عام 1865م بعد اغتيال الرئيس الأميركي "أبراهام لينكولن". كانت سياسات "جونسون" ما بعد الحرب الأهلية الأميركية قد مكنت الحكومات المحلية الجنوبية العنصرية من تنصيب زعماء معادين للفيدرالية وأنصار للنظام الكونفدرالي في مواقع حكومية، وتمرير قوانين تقلص من حقوق العبيد الذين قد تحرروا مؤخرا. وحين سعى الجمهوريون الذين هم من دعاة إلغاء الرق إلى محاربة القوانين باستخدام السلطة التشريعية، ظل الرئيس "أندرو جونسون" ينقض قراراتهم من وقت إلى آخر.
بعد إقصائه عددا من المسؤولين البارزين الذين حظوا بمصادقة مجلس الشيوخ على تعيينهم، قام خصومه الجمهوريون بإعداد قرار بعزله على أساس أنه انتهك "قانون شغل الوظائف"، وهو قانون بفضله تقرر منذ ذلك الوقت حتى إلغائه عام 1887م منع الرؤساء من إقصاء مسؤولين تم تعيينهم عبر الكونغرس من دون موافقة الأخير أولا. ويسود اعتقاد واسع بأن القانون الذي تمت المصادقة عليه عام 1867م كوسيلة لفرض ضوابط على سلطة "جونسون". وفي نهاية المطاف لم يحصل العزل، لأن عدد الأصوات الضرورية لتحقيق غالبية الثلثين لم تتحقق.

ريتشارد نيكسون وقضية ووترغيت Watergate Scandal(1974)

هو اسم لأكبر فضيحة سياسية في تاريخ الولايات المتحدة. كان عام 1968م عاما سيئا على الرئيس "ريتشارد نيكسون" حيث فاز بصعوبة شديدة على منافسه الديموقراطي "هيوبرت همفري"، بنسبة 43.5% إلى 42%، مما جعل موقف "نيكسون" أثناء معركة التجديد للرئاسة عام 1972م صعبا جدا. قرر "نيكسون" التجسس على مكاتب الحزب الديمقراطي المنافس في مبنى "ووترغيت"، وفي17 يونيو1972م ألقي القبض على خمسة أشخاص في العاصمة واشنطن بمقر الحزب الديمقراطي وهم ينصبون أجهزة تسجيل مموهة. كان البيت الأبيض قد سجل وقتها 64 مكالمة، فتفجرت أزمة سياسية هائلة وتوجهت أصابع الاتهام إلى الرئيس "نيكسون" .
دفعت التطورات اللاحقة والتصرفات الرئاسية الفاضحة ضد التحقيق مجلس النواب الأمريكي عام 1973م إلى البدء بإجراءات سحب الثقة من "نيكسون". حكمت المحكمة العليا في الولايات المتحدة بأن يسلم "نيكسون" تسجيلات البيت الأبيض لمحققي الحكومة، حيث كشفت هذه التسجيلات أن "نيكسون" شارك في المؤامرة الهادفة إلى إخفاء النشاطات التي حدثت بعد الاختراق، كما حاول استغلال الموظفين الرسميين الفدراليين لعرقلة التحقيق. بعد ذلك وافقت اللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب على بنود سحب الثقة ضد "نيكسون" بتهم عرقلة عمل العدالة وسوء استخدام السلطة وازدراء الكونجرس.
مع انتشار خبر تورطه في عملية التغطية على تورطه وتبخر الدعم السياسي له بشكل كامل، استقال "نيكسون" من منصبه في التاسع من أغسطس عام 1974م. يعتقد الكثيرون أن مجلس النواب الأمريكي قرر سحب الثقة من "نيكسون" ثم ينتقل القرار إلى مجس الشيوخ الذي كان ليفعل المثل لو لم يسبقهم "نيكسون" بتقديم استقالته. بعد أسابيع قليلة من تولي نائبه "جيرالد فورد" الرئاسة، اصدر مرسوما بالعفو عنه.

بيل كلينتون وقضية مونيكا لوينسكي (1998)

بدأت إجراءات عزل الرئيس "بيل كلينتون" في 8 اكتوبر 1998م، والسبب هو أن "كلينتون" واجه اتهامات الحنث باليمين وتعطيل وتضليل العدالة في خضم قضية "مونيكا لوينسكي" المتدربة في الأبيض. وكانت شهادة "كلينتون" تحت تأدية اليمين بأنه لم تكن له علاقة مع المتدربة "مونيكا"، لكنه فيما بعد تراجع واعترف بأنه كانت له "علاقة غير لائقة" معها. تم رفض اتهام الحنث باليمين بـ 55 صوتا مقابل 45 صوتا، وكذلك تم رفض اتهام تعطيل وتضليل العدالة بـ 50 صوتا مقابل 50 صوتا. جميع النواب من الحزب الديمقراطي دعموا "كلينتون" لأنه من حزبهم، فلم يتم عزله. مع ذلك بقيت القضية نقطة سوداء في تاريخه السياسي.

على مر التاريخ واجه العديد من الرؤساء الأمريكيين مصاعب مع الكونجرس تطورت وبلغت حد سحب الثقة. وبينما نجا "ريتشارد نيكسون" بفضل استقالته المبكرة من هذا الإجراء، لم يتردد مجلس النواب في سحب الثقة من رئيسين أمريكيين، هما "بيل كلينتون" و "أندرو جونسون"، دون ان يتمكن من عزلهما بفضل تصويت مجلس الشيوخ الذي جاء لينقذ الموقف. وتصنف قضية "أندرو جونسون" كأشهر عملية سحب ثقة في تاريخ الولايات المتحدة، حيث كاد ان يعزل من منصبه سنة 1868م لولا فارق صوت واحد لمجلس الشيوخ انقذه من العزل.

آخر الكلام: فضيحة ووترجيت كادت ان تودي بحياة "ريتشارد نيكسون". للقراء الكرام ممن يرغبون الاطلاع على تفاصيلها وتأثيرها النفسي والبدني على "نيكسون" قراءة مذكراته: After the fall- The remarkable comeback of Richard Nixon.