قبل ثلاث عشرة سنة اُبْتُعِثْتُ سنةً كاملة لتعلُّم اللغة الإنجليزية في (برايتون) جنوبي بريطانيا.. جزء من تلك المدة كنتُ فيها عازبًا، وأغلبها كانت العائلة برفقتي.. وكنتُ أرتاد مسجد المدينة الجامع الذي لا يبعد عن الشاطئ الشهير الذي يحوي قسمًا خاصّا بالشاذين جنسيّا.. يحتفلون فيه سنويًا!

تلك المفارقة الغريبة كانت تمدُّني بشعور بقيمةٍ أكبرَ للصلاة في ذلك المسجد - يتوفر معه مسجدٌ آخرُ في تلك المدينة ويُمنعان من استخدام الميكروفونات الخارجية - لا أشعر به في مدينة الرياض التي يعجُّ حيُّنا فيها وحدَه بمساجدَ كثيرةٍ يتنافس فيها-في تلك الفترة- فتيانُ الصحوة الأشاوس على رفع أصواتهم وإزعاج الغادي والرائح، وخصوصًا في شهر رمضان الكريم!

التديُّن نزعة فطرية، وغريزة راسخة؛ فالإنسان مجبول على العبادة؛ فإن لم يعبد الله عبد غيرَه! والتدين شعور داخلي ينبت تلقائيًا؛ نتيجةَ عواملَ عديدةٍ، ولا يمكن لجهاتٍ رقابية أن تفرضه؛ فضلا عن شغبٍ فرديٍّ غيرِ محسوب، يقحم نفسه في مجال الاحتساب؛ فالعلاقة بين المخلوق وخالقه علاقة مفتوحة، لا تحتاج وسطاء؛ خلافًا لمزاعم أولئك وممارساتهم الشائنة القبيحة المنفِّرة! التدين يهدف لتحرير العقل من حدود الماديات وقيودها الحادّة؛ ليأخذ به إلى مجال الغيب الواسع الفسيح، وما يجلبه من استقرار نفسي وطمأنينة، وسعادة قلبية وروحية، تبعده عن هواجس القلق والاكتئاب والحيرة والوساوس، والخوف من المجهول... وإذا كانت هذه هي أهداف التدين التي يسعى لتحقيقها على مستوى الفرد فإن أهداف التدين تمتدُّ للمجتمعات الإنسانية؛ إذ يرتجي التدينُ أن يقيم روابطَ وثيقةً بين البشر، تقوم على تجاوز علاقات الدم واللون واللغة والوطن، ويمتدُّ ذلك ليوفر مساحة واسعة من التسامح في التعامل مع المختلف دِيْنَاً..

إمام المسجد كان باكستانيًا وسيمًا قارئًا متقِنًا للقرآن وإن كان في لغة الخطابة أقلَّ فصاحةً؛ للكنةٍ لازمة لغير الناطقين الأصليين بالعربيّة وكان الإمام ينتقي موضوعات خُطَبِه بطريقة جميلة يشعر معها المتلقي باحترافية تراعي الزمان والمكان.. وكنتُ أشيد بذلك كلما سألني عن رأيي مُغفِلاً بعض الملحوظات البسيطة؛ لأنّ المقام لم يكن مناسبًا لها، ولأنّه لم يكن ملحَّا في طلبها..
ذات مرةٍ كنتُ داخلاً المسجد بعد إفطار رمضان الذي يتبرّع فيه المحسنون لتلك الجالية العربيّة والمسلمة -أغلبها سعوديون - وعند دخولي لمستُ وسمعتُ أطرافَ حديثٍ حوى تصادمًا واختلافًا بين شابٍّ سعودي ملتحٍ والإمام.. ويبدو أنّ الاختلاف كان في جزئية يراها ممثلُنا مفروضةً مع أنّها مسألة مذهبيّة!

سمعتُ الإمام في نهاية الحديث يختم بقوله: "مادام مليت بطنك؛ فهذا هو المهمّ"!
تلك الرؤية كانت تدفعني للانقطاع طويلاً عن تناول فطور رمضان الجماعي في المسجد برغم النفحات الإيمانيّة التي كنتُ أشعر بها في تلك الجموع التي لا أحسّها عندما أفطر مع عائلتي الإنجليزيّة الذين كان مدفع عشائهم يرمي قبل الفطور بما يتجاوز الساعة..
إلحاح ذلك الشابّ دفعني للتنقيب عن هذه الوصاية التي يمارسها السعوديّون على الآخر المسلم!؟
ما دوافعها؟
وكيف تشكَّلت؟

هل هو وهم التميُّز، والشعور بضرورة ممارسة وصاية دينية على غير السعوديين؟!
التميُّز هذا على افتراض التسليم به جدلاً يدفعنا لمركزٍ يقوم على أنّنا بلاد الحرمين الشريفين.. وتلك قضيّة تحوي تناقضًا داخليًا وإن بدتْ متماسكة تجاه غير السعودي والتناقض يتمثّل في أنّ أهل مكة والمدينة أخفُّ وزنًا في الشأن الديني الداخلي؛ فالسلطة الدينية ظَفِرَ بها، أو بأغلب جوانبها النجديّون قضاءً وفتيًا مع أنّ التسلسل المنطقي والطبعي يلزمنا بتفضيل أهل هاتين المدينتين؛ لأنّنا نفخر بانتساب هاتين المدينتين لنا؛ فكيف استقامت تلك المنهجيّة غير المتماسكة!؟

في شأن ونظرة أوسع أرى أنّ الملك عبدالعزيز -رحمه الله- دشّن ووحّد هذه المملكة مترامية الأطراف، وراعى التنوع الثقافي فيها؛ بل حسبه مزية؛ رغم شغب التيّار الديني إبّان التوحيد، كما استطاع الملك فيصل -رحمه الله- أن يضع قيمة خارجية كبرى لمملكتنا في محيطنا العربي والإسلامي والعالمي، وهي قيمة منحت الفرد السعودي قيمة كبرى؛ لكنّنا -للأسف- بقينا نقتات على هذا المورث حتى تآكل، أو كاد؛ حتى انبرى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في عهد والده خادم الحرمين الشريفين للتصحيح، وإعادة ضبط مسار صرنا نلمسه، ونترقب اكتمال حلقاته..

آن لنا أن نتراجع عن هذا الانتفاش الفارغ الذي نمارسه على غيرنا من العرب والمسلمين، وآن لنا أن نعي أن المراجعة الداخلية باتت ضرورة، تخلِّصنا من مفردات سلبية انطبعت بنا أو كادت؛ حتى بتنا أمام حرج بالغ في تنقية تلك الصورة السلبية، التي تشكَّلت عن الفرد السعودي، ذلك الفرد الساذج في إغداق أمواله؛ مقابل منحه شيئًا من القدسية والخصوصية الدينية، القائم على فهم صحيح وحيد لمفردات النصوص الشرعية، وما تمليه، وتقود إليه من تدين...

البشر لا يحبون الوصاية، ولا يطيقون أن يحاكمهم آخرون في أفكارهم وممارساتهم، ومفردات حياتهم اليومية والدينية، وفي مفردات تراثنا ما يتيح لنا تأجيل تلك المواجهة، أو تشكيلها والتغلب عليها، والتعامل معها بلطف وحنكة ووعي، وإذا كان غيرنا من العرب والمسلمين قد قدّروا لنا وجود الحرمين الشريفين في بلادنا فلا يجوز لنا أن نبقى غافلين عن أن أفكارنا وممارساتنا باتت تستهلك ذلك الرصيد..

وتبقى تجارب الأمم والممالك والحضارات مربوطة بغيرها من التجارب، ومدى جدِّيتها وقدرتها على التداخل والتفاعل والإفادة من الآخر المختلف؛ أمّا الانكفاء على ذات منتشية منتفشة انتفاشًا فارغًا فيبقى إعاقة كبيرة تعترض سبيل النهوض والتقدم، ويبقى معيقا عن اللحاق بركب الأمم المتقدِّمة الفاعلة والناهضة..