لا سلام بدون دولة فلسطينية. فرضية بسيطة أن أسباب الصراع مع فلسطين الأرض والشعب وليس مع الدول العربية. والحقيقة التي ينبغي التأكيد عليها أن إسرائيل لم تحقق أمنها وبقائها رغم كل الدعم الاستراتيجى الذى تقدمه الولايات المتحده لها، ورغم معاهدات السلام الموقعة معها، ورغم تفوق قوتها العسكرية، وبدليل كم حرب قامت وكم انتفاضة اندلعت، وكم عدد الضحايا من المدنيين من الجانبين، وبدليل أنه حتى اللحظة ما زالت الصواريخ والبالونات الحارقة تخرج من غزه ردًا على الحصار المفروض، وما زالت كل مظاهر العنف والمواجهة بين الطرفين قائمة ومستمرة، بل في تزايد كبير.

إذًا، قضية أمن وبقاء إسرائيل ليست في معاهدات السلام مع الدول العربية، هذه المعاهدات يمكن أن تقيم علاقات شاملة، لكنها لن تمنع الفلسطينيين من مواصلة نضالهم ومقاومتهم بكل الإشكال لتحقيق الدولة الفلسطينية.

ولا يقتصر الأمر على حق الشعب الفلسطيني في مواصلة مقاومته، لأنه لم يوجد شعب في العالم رضى بالاحتلال والهيمنة والتفوق العنصرى، فالقانون الحتمي النضال حتى التحرر وإسرائيل ليست استثناء. فبعد مرور أكثر من سبعين عاما على قرار التقسيم الرقم 181 لعام 1947 ما زال خيار التقسيم قائمًا ولم يسقط بالتقادم الزمنى، بل إنه يتم التلويح به الآن كأحد اهم المقاربات لحل القضية الفلسطينية. وقد يذهب الكثيرون للقول إن حل الدولتين لم يعد قائما وغير قابل للحياة، وإن هناك العديد من التحديات والمعيقات التي تقف في طريق قيام الدولة الفلسطينية: القدس واللاجئين والمياه والأمن والحدود والمستوطنات.

وهذه وقائع لا يمكن تجاهلها لكن حلها قد يتم عبر حل الدولتين. ولئن فشلت كل المقاربات السلمية منذ أوسلو الذى كان سيكسر الجمود ويقود للحل السلمى القائم على الدولتين، لكن تنامى دور اليمين في إسرائيل وتوليه الحكم بعد اغتيال إسحق رابين في عام 1995 وهو لا يؤمن بفكرة الدولة الفلسطينية، ويعتنق فكرة الوطن البديل، كان من شأن سياساته الاستيطانية والرافضة للدولة الفلسطينية أن يزيد ويعمق من حال العنف والتشدد، وبالمقابل وصول حركة حماس وسيطرتها على غزه عام 2007 زاد من خيار أبدية وديمومة الصراع وزيادة اللجوء للحرب بدليل ثلاثة حروب على غزه من 2007 إلى 2014. والاحتمالات مفتوحه للمزيد.

إلا أن الجمود في العملية السلمية من ناحية، وتنامى خيارات الحرب لم يعد ممكنا او التعايش معه لا فلسطينيًا ولا إسرائيليًا. إذا كان إتفاق أوسلو وصل لمرحلة الموت السريري الأقرب للموت، فإن موضوع الدولة الفلسطينية يبقى حيًا وقائمًا، ولا يمكن لفكرة الدولة الفلسطينية أن تموت لسبب بسيط أن هناك شعب فلسطيني يزيد عدده عن الثلاثة عشر مليونًا وقابلًا للزياده بدرجة كبيره في السنوات القادمه، ناهيك أن الدولة الفلسطينية أصبحت حقيقه دولية بمكانتها كدولة مراقب في الأمم المتحده مما يعنى قلب كل معادلات الصراع.

وإن لم تقم دولة فلسطينية مستقلة، فإن إسرائيل مهدده من داخلها، ومهددة من محيطها. وكما قال أولمرت رئيس وزراء إسرائيل السابق: "إذا وصلت إسرائيل إلى درجة التصويت الحر الشبيه بما حصل في جنوب أفريقيا فإن دولة إسرائيل تكون قد إنتهت". يبقى حل الدولتين الممكن سياسيًا لعدم إمكانية أي حل آخر، فلا حل الدولة الواحده قابلًا للتطبيق لتصادمه مع هوية كل من الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وإما صراع دائم ومفتوح وهو حل غير مقبول، لا إقليميًا ولا دوليًا. لذا، ينظر إلى حل الدولتين ليس لأنه الأمثل، ولكنه الأكثر واقعيه وإمكانية لإنهاء الصراع. وفى مناقشة ما إذا كان حل الدولتين ميتًا أم حيًا، هنا الخلط بين إتفاق أوسلو وبين حل الدولتين فأوسلو مرحلة سياسية وانتقالية قد إنتهت بقيام المؤسسات السياسية الفلسطينية، وبقيام سلطات الدولة وهى تشكل نواة لأي دولة فلسطينية. وكما أشار إرنست بيفين، وزير الخارجية البريطانية في حديث له عام 1947: بعد أن أصبح واضحًا لنا أنه لا أمل أمامنا في حل تفاوضى بين الطرفين العربى الإسرائيلي، قررنا عرض القضية على ألأمم المتحدة، واستجابت الأمم المتحده باتخاذ قرارها الأممي المشهور لتقسيم فلسطين إلى دولة يهوديه ودولة عربية، ووضع خاص للقدس.

رفضها العرب وقبلت بها الحركة الصهيونية لحاجتها لمثل هذه الدولة. منذ ذلك الوقت، دخلت المنطقة في أكثر من حرب لتزيد دولة إسرائيل عما هو مقرر لها بأكثر من ثلاثين في المئة. فى عام 1988، أعلنت منظمة التحرير الإعلان عن الدولة الفلسطينية استنادًا على قرار التقسيم، والذى تم الاعتراف به ولأول مره وبشرعيته كأساس لحل الدولتين.

اليوم وبعد أكثر من معاهدة سلام مع إسرائيل، واعتراف منظمة التحرير بإسرائيل دولة، فإن صيغة أممية جديده لصيغة 1947 قد تكون ممكنة. ومما يساعد على ذلك وقف إسرائيل عملية الضم كما جاء في أعقاب الإعلان عن إتفاق السلام مع الإمارات، ويبقى حل الدولتين حيًا وقائمًا ولا بديل له، والمطلوب الآن مشروع مفصل للسلام استنادًا للمبادرة العربية التي بدأ تنفيذها الآن.

فلا قيام لدولة فلسطينية من دون أن تشعر إسرائيل أنها آمنه، كما أن إسرائيل لن تنعم بالأمن ما لم تقم الدولة الفلسطينية. هذا الخيار - الحل أصبح ممكنًا الآن بعد معاهدة السلام بين إسرائيل وأكثر من دولة عربيه وتوجه دول عربيه أخرى، ثمن هذا السلام أذا أريد له البقاء يكون بقيام الدولة الفلسطينية، وهذا بيد إسرائيل وليس بيد الدول العربية ولا فلسطين، لأن العرب يقدمون السلام اليوم والفلسطينيون قبلوا بالمبادرة العربية كأساس للسلام.

هذه مسؤولية إدارة الرئيس بايدن وأوروبا والدول العربية والعالم لفرض صيغة للسلام بقيام الدولة الفلسطينية تنهى معها الصراع، دولة تستند على الديموقراطية والتعايش والمدنية وتلبى الحاجات القومية للشعب الفلسطينى وبها تكتمل منظومة الدول في المنطقة.