قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يتساءل الكثير من الناس عن سبب اختيار الذهن، في صناعته للحلم الليليّ، تفاصيلَ محدَّدةً دون سواها؟ خصوصاً إذا ما كانت هذه التفاصيل ثانويةً للغاية، وقليلة الأهمّية، في الوقت الذي ينطوي فيه اليوم، الذي اقتُبِسَت منه العناصر المُكوّنة للحلم، على أحداث أكثر أهميةً تستحقّ الظهور أكثر على مسرح الأحلام! مع الأخذ بالاعتبار سياسة الذهن في صناعة الأحلام، والقائمة على استقدامِ الأقرب من الأحداث الواقعة زمنيَّاً لموعد النوم والحلم.
والحقيقة أنَّ السبب وراء اختيار هذه التفاصيل دون سواها، يعود أولاً إلى خلوِّها من التأثير وإلى ابتذالها وعدم جاذبيتها!!
لكن لِـمَ يحصل ذلك يا تُرى؟! لِـمَ يقوم هذا المخرج، أي الجزء الذهنيّ المسؤول عن اختراع المنام، باختيار أردأ الممثّلين لتجسيد شخصيات مسلسله، علماً بأنَّ لديه من هم أكثر كفاءةً وقدرةً على التمثيل والإبداع؟!
الإجابة ببساطة تكمن في أنَّ هذه التفاصيل ليست سوى مُقدِّماتٍ وواجهاتٍ خادعة تخفي خلفها العناصر الأساسية والفعلية الداعمة لفكرة الأحلام ومشروعها، لا بل هي السبب الأساسيّ في إنتاج الأحلام، و"المموِّل" الرئيسيّ لهذه المشاريع. والمقصود هنا بالطبع الغرائز المقموعة والرغبات المرفوضة اجتماعيَّاً. وقد تكون أيضاً الرغبات الإيجابية التي لا قِبَلَ للأنا الواعية على التعامل معها، حتى ولو كان إخراجها أو تحريرها يُشكِّل مصلحةً فعليَّةً للشخصيَّة بأكملها.
إنَّ الغريزة الباحثة عن الظهور على سطح الشخصيَّة، والمُغيَّبة بسبب التحييد، تشبهُ إلى حدٍّ كبيرٍ اللاجئ السياسيّ المنفيّ، أو التاجر صاحب رأس المال الذي لا يُسمح له بالاستثمار في بلدٍ ما لسببٍ ما. لذلك يلجأُ هذا التاجر إلى الاستثمار في الخفاء، فيقوم بضخّ الأموال لأشخاصٍ يقومون بالاستثمار نيابةً عنه، لكن لمصلحته الخاصة! وهو يعمد إلى إيكالِ هذه المهمة إلى أشخاصٍ هامشيين وغير موهوبين، بغية عدم مزاحمته في المستقبل، كونهم محدودي الطموح.
وعلى غرار ذلك تفعل الغرائز والرغبات المحظورة عبر التحامها مع أحداثٍ تافهة، تتخفَّى وراءها متسللةً ليلاً وعلى غفلةٍ من الأنا. وذلك يتمُّ أثناء نوم الوعي، فتظهر على خشبة مسرح الشخصيَّة، وتصنع الحدث في الوقت المستقطع إن صحَّ التعبير.
وهذه طريقة من عديد الطرق والوسائل التي تلجأ إليها الرغبة المنفيَّة عن ساحة الشعور، لكي تُجبِر الأنا على الاستماع لمطالبها.

باحث سوري في علم النفس التحليلي.