قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تُظهر البحوث العلمية الصادرة عن مراكز دراسات رصينة او جامعات مرموقة، بين الحين والاخر، مجموعة من الحقائق الجديدة التي تتعلق بتداعيات واثار الاستعمال المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري على نحو يؤدي بنا الى مواجهة حقيقة تجبرنا على ضرورة مراجعة كيفية استخدام لهذه المواقع واعادة النظر في الوقت المستغرق معها يوميا.

ثلاثة خصائص اجمعت الدراسات،في الاشهر الاخيرة،على انها امست جزءا من سلوك العديد من الذين يفرطون في استخدام مواقع التواصل، والتي تتجسد في القلق والاكتئاب والوحدة التي تخترق صميم الذات البشرية بسبب هذا الانغماس المبالغ فيه في العوالم الافتراضية.

مجموعة "ميديا كومن سينس" غير الربحية اوضحت ان المراهقين يقضون مابين من ( 6 - 9 ) ساعات في اليوم،وهم يستخدمون الهاتف الذكي،وان 72% منهم يشعرون ان الشركات تتلاعب بهم من اجل بقاءهم اكثر فترة ممكنة على مواقع التواصل، في حين ان الجمعية الامريكية للأطفال حذرت من الاستخدام المفرط لمواقع التواصل مؤكدة انه يؤدي للاكتئاب وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال التي نشرت تقريرا كاملا حول الموضوع .

وقد بيّن مركز بيو للأبحاث ان 95% من المراهقين يستخدمون حاليا الهاتف الذكي، وانه اجرى بحثا شمل عدة لقاءات مع 100 مراهقة اميركية بين عمر ال ( 12 - 19 ) ووجد بان 36% منهن يشعرن بقلق شديد في كل يوم.

بحث مهم اخر من جامعة ميشيغان أشار الى انه ومنذ عام 2007،فان فترات قضاء الفتيات في التسوق قد قلت وكذلك اللقاءات مع الاصدقاء، بل ان الفتيات اصبحن يفضلن البقاء في البيت ليلة السبت وحدهن وهن يشاهدن نيتفلكس ويتصفحن مواقع التواصل على الخروج مع الأصدقاء .

وفي الجهة المقابلة تتعدد الموضوعات وتتنوع القضايا التي يمكن التطرق لها فيما يتعلق بتداعيات انقطاع شبكة الانترنيت عن الانسان في الوقت الحالي، ورجوعه، بل الادق ارتداده، لعصر ماقبل الانترنيت ( حياة الاوف لاين )، والتي قد عاشها المواطن العراقي وكثير من شعوب المنطقة في فترات مختلفة في السنوات الاخيرة حينما تم قطع الانترنيت عنه لأسباب ليس هنا محل الخوض بتفاصيلها.

ومع اهتمام العديد من الباحثين وشغفهم بالتنظير لكل ما يتعلق بالتداعيات السياسية والامنية والاقتصادية والتكنولوجية والمالية لعملية حجب الانترنيت، فان هنالك وجه آخر يتم نسيانه، او ربما تناسيه والتغاضي عنه، ولا ننعطف للتأمل في مدلوله، وهو الجانب المخفي في القضية، الذي لايتم التطرق له بسبب غياب الوعي العميق والادراك الواضح لأهميته ومغزاه.

الجانب المستتر والشائك في هذا الموضوع، سينكشف للقارئ وسترتسم خريطته وتتحدد تخومه حينما ينبري الانسان محاولا التفكير في الاجابة على الاسئلة التالية:

ماهو الوقت الذي يسرقه الانترنيت من حياة الانسان في يومه الاعتيادي؟

كم هي عدد الساعات الاسبوعية التي يقضيها المستخدم وهو يستخدم تطبيقات فيسبوك وتويتر والانستغرام واليوتيوب وتيك توك؟

ماهي عدد الدقائق التي تضيع كل يوم بينما الانسان يتنقل بين مجموعات الواتساب والفايبر وقنوات التيلغرام؟

هذه الاسئلة التلقائية العفوية ستلفت انتباهنا لحجم الوقت الذي نستغرقه ونحن نغرق في بحر تطبيقات الهاتف الذي تُغرينا من اجل الضغط عليها واكتشاف خباياها ثم الانتقال لغيرها بعد فترة معينة من الملل،وهكذا ينتهي بك المطاف وانت قد قتلت عدة ساعات من يومك بدون ان تشعر .

حالة عدم الاحساس بالوقت وعدم الشعور بالدقائق والساعات التي نعيشها مع شبكة الانترنيت هي احدى اهم تجليات ومظاهر الانغماس في تطبيقات الهاتف وبرامجه وهو الذي يؤدي بالتالي الى ضياع الكثير من الوقت الذي يشكل، بمجموعه، حياة الانسان وجوهر وجوده ، وبالتالي فان الذي يضيع ويخسره الانسان هو حياته الذي يعيشها على هذا الكوكب لمرة واحدة فقط.

تشعب البرامج وكثرة التطبيقات وتنوع الالعاب الموجودة في الهاتف الذكي الذي يعتبر في متناول الانسان وقريب منه وسهل استعماله ولايحتاج لاي جهد او مكان خاص مثل الحاسبة المكتبية او المحمولة، ادى الى استحواذ هذه البرامج والالعاب والتطبيقات على نشاط الانسان وسلوكه بل وحتى تفكيره وسيطرتها عليه بشكل كامل لدرجة اصبح اسيرها على نحو دقيق .

ومهما كان عمر الانسان " المستخدم " ... ومهما كانت اهتماماته او ثقافته او تحصيله العلمي او عمله فسوف يجد في الهاتف ما يشغله وما هو محور اهتمامه بل ربما حتى ادوات لتنفيذ واجباته او القيام بإعماله بغض النظر عن نوع العمل او مستوى سريته " وهي حالة اخرى قد نتطرق لها بالتفصيل في مقالة أخرى " لان الهاتف وتطبيقاته قد اصبحت اداة لعمل ملايين الناس ممن اصبح الهاتف الذكي جزء من عملهم الوظيفي او وسيلة لتسويق افكارهم والترويج لمنتجاتهم او كأداة بيد الناشطين والمدونين لطرح وجهات نظرهم، ولذا فهذه النماذج لاعلاقة لها بالمبالغة في استعماله او سوء الاستخدام .

الانسان وهو يأسر نفسه طواعية حينا ومرغما حينا اخر، لتطبيقات وبرامج الهواتف الذكية، يُمسي كائنا افتراضيا او رقميا يعيش وفقا لسياقات واشتراطات جديدة يقتضيها العصر الحالي الذي منح الكائن المستخدم نمطا جديد من الافكار والرؤى والعلاقات والاهتمامات لتشكل بدورها صيغة جديدة وشكل حديث لوجوده في هذا العالم!

وجود الانترنيت على مدار الساعة في هواتفنا الغاطسة بعشرات تطبيقات مواقع التواصل والتراسل الفوري والالعاب جعل انشغالنا بها والاتصال مع الاخرين والتواصل معهم ومعرفة اخبارهم عن طريقها ذا اهمية مقدمة على الاتصال بذاتنا ومعرفة دواخلنا وادراك اخر اخبار اعماقنا التي امست غريبة عنا ونجهل مانريده وما نرغبه بل وحتى مانخطط له بالمستقبل .

فالانسان مع هذه التطبيقات يركز على الفعل واستخدام التطبيقات وقضاء وقت كبير معها اكثر من التأمل في ذاته ومراجعة افكاره والجلوس مع نفسه قليلا، وهي سمة جديدة للعصر الرقمي الذي افقد الانسان سكينته واستقراره النفسي وتماهيه مع ذاته .

وبسبب هذا، او من اجل هذا ...ازدهرت مشاعر العزلة وانتعش الاحساس بالوحدة وانفصام الذات عن الاخرين في عصر تطبيقات التراسل ومواقع التواصل التي تستطيع من خلالها التواصل مع الاخرين ومعرفة اخباره في مدة وجيزة،ومع ذلك يزداد المستخدم عزلة ووحدة لم يألفها في عصر ماقبل الانترنيت، وهذه احدى اهم المفارقات الكبرى والتناقضات الخطيرة في العصر الحالي .

وبرغم ان مشاعر الوحدة هي المتصدرة للأحاسيس التي يعانيا الانسان حاليا، الا ان ثمة سمة اخرى قد يشعر بها الكثير من المستخدمين في لحظة ما وهي حالة العبث او الضجر العميق، اذ انه يمر بلحظات يشعر فيها بعبث مايفعل ! او لاجدوى غرقه في الهاتف بعد ان انهى جولاته في تصفح مواقع التواصل ومجموعات الواتساب التي اشترك بها من باب الفضول وحب الاستطلاع او من اجل انقياده للسلوك الجمعي للكثير ممن يشترك في عدة مجاميع والتي تستغرق منه وقتا لكي يتصفحها.

اللافت في الموضوع ان الانسان قد يقرأ، في مجموعة ما، مئة تعليق او اكثر ولايجد الا تعليقا واحد مفيدا في حين ان هنالك وقتا كبيرا قد قضى في تصفح هذه التعليقات، ومن غير شك لا يستحق هذا الوقت الذي انقضى لتصفح 100 تعليق في مجموعة من اجل الحصول على تعليق واحد مفيد، وربما لا ابالغ ان قلت بان الانسان قد يتصفح لعدة ساعات مواقع التواصل ولايجد شيئا يستحق دقيقة من وقته.

واذا كنا نتحدث عن تعليق مفيد واحد بين ركام عشرات التعليقات، فاننا لم نتطرق للتعليقات السلبية والمنشورات التي تشع طاقة سلبية وتشاؤم وكذب وتضليل حول مختلف الاحداث والقضايا التي يمر بها العالم او البلد، والتي تصيبنا بعدواها نفسيا بدون ان نشعر او نعترف منطقيا ان ما اصابنا من مزاج سيء يعود الى تصفح هذه المجموعات او مواقع التواصل التي يؤكد علماء النفس بان كثرة متابعة الاخبار فيها تؤدي الى اثار سلبية على الانسان.

تأسيسا على ماتقدم ... اقول باختصار: بالرغم من عدم الشك بأهمية الانترنيت في حياة كل انسان مهما كان عمله او عمره او اهتمامه الا ان الشيء المؤكد ان الاستغراق في هذا العالم الافتراضي وسيطرة الهاتف الذكي على حياة الانسان قد امتص ذاته وسلب شخصيته وقتل كينونته واستلب ممكناتها واضاع علاقاتها واستهلك سنوات عمرها التي تشتت بين مجموعات الواتساب وقنوات التيلغرام ومواقع التواصل من فيسبوك وتويتر وانستغرام ...

انه الاغتراب الجديد ...

استلاب عن ذاتنا ... وشخصيتنا ... ودواخلنا ....

ولذا من واجبنا بعد كل ما يجري من سحق للذات، وتسطيح لها، ونسيانها ... ان نختتم مقالتنا بهذا السؤال الوجودي الاخلاقي العميق:

ماذا سيكون مصير " عالم الانسان الداخلي " بعد ان سيطرت على " عالمه الخارجي " وهيمنت عليه العوالم الافتراضية وفضاءاتها الرقمية؟