قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بعد ثمانية عشر عاما من القهر والاستبداد، أصبحت "مناهضة النفاق" ضرورية لتأثيث البيت العراقي من جديد، لأن النفاق أصبح شريانا مهما في الحياة السياسة، حيث أصاب التعفن مفاصل الدولة أفرادا ومؤسسات، كما أصبحت ثقافة شعبية خطيرة، بعد أن خلقت الأحزاب منظومة سياسية منخورة بالدجل الغيبي، والأساطير الخرافية، والسرطانات الملوثة بالخداع والنفاق والضحك على الذقون.
من النوادر المضحكة المبكية في هذا الوطن، إن الكثير من سياسيه يعاني من مظلومية وراثية مكتسبة لا نعرف مصدرها وجذورها، لكننا نعرف إنها قسمت اليوم بالعدل بين الناس، فأصبح الجميع في خانة المظلومية بعد إن كانت حكرا على السياسيين. وهي نعمة ما بعدها نعمة، واختبار حقيقي للمؤمن في تقبل عذابات السياسي، وفنونه المختلفة في توطين الذل في النفوس، وتنكيد العيش (الجسد يساوي الألم الذي يساوي الموت) بحسب جان آمري. حيث يحول المعذب إلى موضوع، كائن بلا ذاتية ولا داخل.
اشعر بالحزن عندما أقول إن الوطن أصبح موطنا ملوثا بالنفاق، وبيئة انتهازية للاستفادة الأنانية من الظروف، ونقص النزاهة، واستغلال الفرص لقتل المبادئ الأخلاقية وتحويل النفاق إلى شر وإيلام الغير. فالنفاق شر أساسي من حيث انه إبداع في أذى الآخر وتضليله، وخداع سياسي للتمويه. لهذا السبب، نجد اليوم الكل يتبرأ من الفساد بينما خزائنهم مملوءة بالذهب الأصفر والأسود، وبعقود المشاريع وصرف العملات.
الكل يحب الوطن (ما ننطيها)، ويضحي ويستشهد من أجله، بينما لم يبقى من العزيز والغالي إلا حطام ممزق تعلوه الأحقاد والفتن، وخراب منظم مقسم إلى مربعات طائفية ودينية وقومية، وأمتان حسب مقولة قديمة جديدة (في كل أمه أمتان)، أمة تبحث في القمامات عن رغيف الخبز في بلد "طوفان النفط “، وأمة تنقب عن النفط للبيع والتهريب، وهي غارقة بالاحتياطات المالية الكبيرة، بينما الوطن يستجدي راتب الموظف، ومحتار بين موارد الموازنة، وقطع أرزاق الناس بالضرائب، وغلق منافذ العمل للشباب.
وللنفاق منافذ كثيرة، فالكل أيضا، يريد القضاء على السلاح المنفلت، بينما يؤسسون جيوشا خاصة لأحزابهم لإضعاف جيش الوطن. نفاق بالثلاثة، ورذيلة منكرة، وخداع ملفوف بالعلم الأخضر، وبالرياء والغش والتدليس.
فهو، إذا، نفاق "مربع" على طريقة السلام المربع المتداول في الفلكلور العربي، وذلك على سبيل المبالغة في الاحتفاء بعليّة القوم من الضيوف. فالنفاق أصبح منهجا حزبيا تربويا لدى الأحزاب. وعلى جذر النفاق ينبت الجذع والأغصان، والعناقيد السامة. لأن هذا النفاق هو ملح السياسة الذي ينبغي أن يبقى مفسدة للتواصل مع الآخرين. أمثالا من طراز قبّل الكلب من فمه لتأخذ حاجتك منه، أو اضرب وأهرب، وإذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب!
ومن حسن الحظ، إن اتهامات النفاق شائعة جدًا في السياسة العراقية لدرجة أن استخدامًا واحدًا لمصطلح "سياسي" هو شبه مرادف لكلمة "منافق". وفي الغالب، نفاق السياسيين لا يعتبر جدير بالثناء. لأنهم يصنعون تلالا من المبالغات السياسية للواقع تزيده أكثر قبحا وجهامة، وللحاكم أو زعيم الحزب صورة قاتمة لشخصيته يصل حد الضآلة والسخرية. كأننا نتذكر بيت النابغة الذبياني الذي مدح به النعمان ملك الحيرة: فأنك شمس والملوك كواكب /إذا طلعت لم يبد منهن كوكب.
وما يقوله المنافق التاريخي لحاكم اليوم، سبق إن قاله لحاكم الأمس، الذي ما إن ترك الحكم، ميتا أو مقتولا أو معزولا، حتى هجاه، أو تنصل منه. والذي يريد إن يؤلف كتابا أو أطروحة أكاديمية لنفاق السياسي العراقي، فأنه لا يحتاج سوى مقارنة بين ما قاله الرفيق القديم بقائده "الضرورة " وبين الدعوجي الديني الجديد، وقائده المحدث" مولانا وسيدنا"، وبين حزبه القديم " المناضل" وحزبه الجديد " المجاهد". وهكذا الكثير من المتواليات التي يندى لها الجبين. كأنها صورة حقيقية لوصف الرسول الكريم محمد (ص) للمنافق: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ .
ووفقًا للفيلسوف السياسي البريطاني (ديفيد رونسيمان)، فإن خداع المنافق له أكثر من وجه: ادعاءات بالمعرفة التي يفتقر إليها المرء، وادعاء الاتساق الذي لا يستطيع المرء تحمله، والادعاء بالولاء الذي لا يمتلكه، والادعاء بهوية لا يحملها المرء. وحسب تعريف قاموس أوكسفورد الإنجليزي، هو: “افتراض المظهر الزائف للفضيلة أو الخير، مع إخفاء الشخصية الحقيقية أو الميول، خاصة. فيما يتعلق بالحياة الدينية أو المعتقدات؛ ومن ثم بالمعنى العام، الإخفاء، التظاهر، الزيف".
وهناك تفسيرات عديدة، فالنفاق يتجسد أحيانا في التظاهر بالإخلاص الديني أو إخفاء الرذيلة وراء قناع الفضيلة كما يحدث في واقعنا العراقي الحاضر. فالنفاق هنا شرعي لأنه يحقق مصالح الدين وبقاءه، ولدفع الضرر عن الفرد والمجتمع، حتى ولو من باب المزاح!
وهناك "الخداع الذاتي المرجعي" كما يسمية (إيفا كيتاي)، و"محاولة الظهور بدافع غير الدافع الحقيقي" لـ (جيلبرت رايل). و"التعارض أو التباين" بين مواقف الشخص، عند (دان تورنر). بينما يرى بيلا زابادوس ودانيال ستاتمان بأن خداع الذات هو السمة المميزة لـ "حديقة متنوعة من النفاق". بالمقابل دافع نيكولو مكيافيلي عن النفاق باعتباره أداة لا غنى عنها في عالم السياسة، وقد يكون النفاق في السياسة ضرورة أخلاقية. كما أعلن برنارد ماندفيل في كتابه (حكاية النحل) أنه "من المستحيل أن نكون كائنات اجتماعية دون نفاق". والشخص الذي لا يتسامح مع النفاق هو ضد المنافق.
والتفسيرات النفسية والاجتماعية كثيرة للنفاق، أساسها ينطلق من مبدأ التناقض في المواقف أو السلوكيات. فقد فسره البعض على أساس دور التنافر في تفسير نفور الأفراد من التفكير والسلوك المنافقين. حيث يتم تحفيز الأفراد على تجنب المواقف المنافقة من أجل إحباط حالة التنافر السلبي. بينما يراه البعض بمثابة ازدواجية الشخصية أو انفصام الشخصية، حيث للمنافق شخصيتين، واحدة تتحدث بها، وأخرى تتصرف بها حسب ما يمليه الواقع.
بالمختصر، لا يهمني ما قيل عن الشعب العراقي بأنه بلد (النفاق والشقاق)، فالروايات متناقضة أو متعصبة، هدفها كي تبقى تحوم لعنة فوق رؤوس العراقيين إلى الأبد، لكن الثابت إن النفاق ليس طبيعة في العراقيين وإنما هو تشوه سلوكي تاريخي ناتج عن الاستبداد والخوف من السلطة.
أما ظاهرة نفاق السياسيين العراقيين اليوم، فهي ممارسة نابعة من مرض القلوب، وطقوس فكرة الغيبيات، ومناهج الفتاوى والاجتهادات الباطنية التي خلقت لنا المنافق السياسي الحسود، والحاقد، والمغرور بالدنيا، والوحش الذي لا يشبع من المال والسلطة والجاه، والمتربص بالعلماء ورجال الفكر والثقافة، والكيد لهم، والحقد عليهم. منافق متزلف يلبس ثوب الوطنية أو ثوب التدين كذبا وبهتانا وزورا، تراه يصلي ويسرق مال الشعب، ويكذب بصدق ويتزين به.
اقترب موسم الانتخابات، وسنجد أشكالا وألوانا من العجائب والغرائب من النفاق، والكثير من الفصول السوداء التي تنثر خبثها، وسنرى النفاق يفيض بين العمائم واللحى ورجال السياسة لقتل أحلام الناس. وصدق أبو العلا المعري القائل قبل وفاته، بعد إن عانى الكثير من المنافقين في حياته (استضعفوك فقتلوك فأكلوك)!