لا يكاد تذكر السياسة الخارجية التي ينتهجها الرئيس بايدن إلا وتتم الاشارة إلى سياسات وتوجهات الرئيس الأسبق باراك أوباما، حتى أن بعض التقارير تشير إلى أن الأخير ليس بعيداً عن صياغة توجهات البيت الابيض في المرحلة الراهنة، ويشيرون إلى أوباما باعتباره رئيساً من وراء الكواليس أو رئيس ظل!

الحقيقة أن هذه المسألة قد لا تبعث على تبرم أو ضيق مسؤولي إدارة الرئيس بايدن، ولكنها بالتأكيد تثير مخاوف وقلق أطراف أخرى عديدة، شرقاً وغرباً، لأن السياسات الأمريكية خلال فترتي ولاية الرئيس أوباما ارتكبت أخطاء كارثية لا تزال آثارها قائمة حتى الآن، وفي مقدمتها الاتفاق النووي الذي تم توقيعه بين مجموعة "5+1" وإيران، والمعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة.

والحقيقة أن "ظل" الرئيس الأسبق أوباما يحيط بالإدارة الأمريكية الحالية، سواء لأن أعمدة رئيسية لهذه الإدارة كانوا ضمن فريق عمل البيت الابيض خلال سنوات حكم أوباما، بل إن الرئيس الحالي قد عمل لمدة ثماني سنوات نائباً له، أو لأن هناك ما يوحي للجميع بأن الادارة الأمريكية الحالية تعيد استنساخ سياسات أوباما أو تتبع نهجاً مطابقاً لها لاسيما في بعض الموضوعات والقضايا مثل مثل الملف النووي الايراني.

مثل هذه الهواجس أو التخمينات ليست بعيدة عن تفكير الرئيس بايدن نفسه بدليل انه حرص منذ فوزه بانتخابات نوفمبر الماضي على تأكيد أن ولايته الرئاسية "لن تكون ولاية ثالثة" للرئيس الأسبق أوباما، وبرر ذلك بالقول "إننا في عالم مختلف تماماً عما كان في عهد أوباما"، وأضاف أن الرئيس السابق ترامب غيّر المشهد من "أمريكا بمفردها" إلى "أمريكا أولاً"، ولكن على أرض الواقع فإن السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض جين بساكي قد أكدت منذ فترة أن الرئيس بايدن يتشاور بانتظام مع سلفه باراك أوباما، ويتحدث معه بشأن مختلف القضايا، وقالت بساكي :"إن بايدن وأوباما أبقيا على الاتصال بينهما بشكل منتظم"، لكنها لم تحدد بالضبط عدد المرات التي يتحدث فيها الرئيسان مع بعضهما البعض، وتوقعت أن يستمر هذا التشاور خلال فترة رئاسة بايدن.

الرئيس الأسبق أوباما من جانبه كان قد ذكر في مقابلة تلفزيونية أن الرئيس أوباما "لا يحتاج إلى نصائحي"، مشيراً إلى أنه سيساعده بأي طريقة ممكنة، وللموضوعية فإن استعانة الرؤساء بأسلافهم تقليد قديم، ربما لا يستثنى منه سوى ترامب، فالرؤساء الأمريكيون عادة مايستفيدون من خبرات الرؤساء السابقين سواء في التعامل مع بعض القضايا والأزمات الصعبة كما حدث حين لعب الرئيس الأسبق جيمي كارتر أدواراً دبلوماسية مهمة في بعض القضايا، وكذلك دور ايزنهار في تقديم النصح للرئيس الأسبق جون كينيدي إبان أزمة الصواريخ الكوبية.

والحقيقة أنه لا يمكن إنكار وجود علاقة عمل قوية بين أوباما وبايدن، فقد عملا معاً طيلة ولايتين رئاسيتين أي ثماني سنوات، رئيساً ونائباً، خلال الفترة من 2009 حتى 2017، وبالتالي من الطبيعي أن تصفهما السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض بالأصدقاء، على الرغم من "اختلافهما في المزاج وفي مناهج صنع السياسة" بحسب قولها، وهو وصف لا يتجاوز الواقع، فأوباما نفسه قال في عام 2017 إنهما يرتبطان بعلاقة "أخوة رومانسية"، بينما أهداه بايدن "سوار صداقة" في عام 2019.

معضلة بايدن الحقيقة تكمن في التعامل مع الملف النووي الايراني تحديداً، فهو يريد منذ البداية ألا تكون سياسته تجاه هذه القضية مجرد اتجاه معاكس لترامب، ولكنه لا يريدها بالتأكيد أيضاً امتداد لسياسات أوباما، ولكن كل الشواهد تؤكد أنها لن تكون سوى استمرار لهذه السياسة لسبب بسيط أن كل الفاعلين الرئيسيين فيها حالياً هم أبطالها الأولين، وبالتالي ليس باستطاعتهم تجاوز مواقفهم السابقة أو الاعتراف ـ بشكل صريح أو ضمني ـ بقصورها وفشلها في تحقيق أهدافها، علاوة على أن الشواهد تقول أن إدارة الرئيس بايدن قد وقعت فريسة للتلاعب والمناورات الايرانية، التي أظهرتها بشكل متلهف على الحوار والتفاوض في مواجهة تشدد لافت لممثلي نظام الملالي في فيينا!

يقول بايدن أنه جاء في عالم مختلف عن عالم أوباما وترامب، ولكنه يتعامل بالأدوات والفكر ذاته من دون مراعاة التغيرات الجيواستراتيجية التي طرأت على عالمه كما أقر بنفسه، ولذا فإنه يترك مجالاً واسعاً للحيرة والتساؤلات والغموض والتكهنات حول نواياه ليس فقط تجاه نظام الملالي، ولكن أيضاً تجاه حلفاء وشركاء الولايات المتحدة التاريخيين في الشرق الأوسط، والنتيجة المتوقعة لذلك كله هو صعوبة تحقيق الهدف الأساسي المعلن للرئيس أوباما، وهو استعادة هيبة الولايات المتحدة ونفوذها العالمي.

الحقيقة أن هناك مؤشر أكثر أهمية بالنسبة لي ـكمراقب خليجي ـ لقياس حجم التغيرات والفوارق بين بايدن وأوباما، وفي مقدمتها موقف البيت الأبيض من حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، وهنا تحديداً نلحظ حجم التشابه ـ ولا أقول التطابق ـ الكبير في السياسات والتوجهات، فهناك توجه لخفض التزامات الولايات المتحدة تجاه شركائها الخليجيين، وهناك خلاف دفين وعميق مع اسرائيل، وهو خلاف تحاول إدارة بايدن باعتباره برود في العلاقات مع رئيس الوزراء ينيامين نتنياهو وليس مع اسرائيل، والحقيقة أن وجهات نظر كبار القادة الاسرائيليين بشأن عودة الولايات المتحدة للاتفاق النووي الايراني تتماهى تماماً مع ما يقوله نتنياهو، مايذكرنا بالفجوة التي نشأت في العلاقات الاسرائيلية الأمريكية إبان العام الأخير من ولاية أوباما.

وفي الأخير، فإن بايدن لا يشعر بعقدة ما حيال ارتباطه بالرئيس الأسبق أوباما ونهجه وسياساته، فلم يكن بايدن بعيداً عن رسم تلك السياسات، ولم يكن مجرد منفذ لها، بل كان شريكاً رئيسياً في صنعها وصياغة ملامحها من موقعه كنائب للرئيس طيلة ثماني سنوات، ولذا فإن العقدة الحقيقية هنا هي تلك التي يمكن أن تنشأ بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين في الشرق الأوسط طيلة سنوات ولاية بايدن.