مهما ادعت دولة اسرائيل بحكوماتها المتعاقبة من تاييد ومناصرة للكرد بصورة عامة ولكرد العراق خاصة فهي كاذبة وخادعة، والادلة كثيرة للبرهان على ذلك، منها عدم لعب اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة في الستينات اي دور لتحقيق الهدف الوطني والقومي للكرد في تلك الفترة، ومنها ايضا افشال ثورة الحركة الكردية في منتصف السبعينات بتخطيط امريكي غير مباشر وذلك لدفع البلدان العربية وخاصة مصر الى اجراء مفاضات السلام مع اسرائيل، ومنها ايضا عدم دفع الكرد الى اعلان الاستقلال وقيام الدولة الكردية سنتي واحد وتسعين والفين وثلاثة، ومنها كذلك عند اجراء الاستفتاء باقليم كردستان حيث تملصت حكومة اسرائيل وقفلت ابوابها امام النوايا السياسية الانفصالية لمسعود برزاني، فاوقعت الاخير في دهليز مظلم مشابه لانتكاسة الثورة الكردية في السبعينات، حيث وقع البرزاني في فخ صاعق للدول الاقليمية خسر الاقليم من خلاله واحد وخمسين بالمئة من الاراضي.
واضافة الى ذلك، فان اسرائيل لعبت دورا عدائيا ضد الكرد، فقد لعب جهار المخابرات لتل ابيب دورا رئيسيا في القاء القبض على عبدالله اوجلان زعيم الحركة الكردية التحررية في تركيا، وذلك بطلب من حكومة انقرة ومن جهاز مخابراتها، ولولا الدور الاسرائيلي لما تمكنت تركيا من القاء القبض على الزعيم الكردي اوجلان، ولهذا فان الكرد عليهم ان لا يحسبوا ان اسرائيل دولة مساندة لهم ولحركاتهم التحررية ولتطلعاتهم الانسانية والوطنية والقومية، ولابد عليهم ان يحذروا منها كثيرا وخاصة من خططها الاقليمية.
وبالعكس من ذلك، فان ما بين فلسطين والكرد، وبين الشعبين العتيقين، الكثير من الصلات والعلاقات التاريخية والاجتماعية والسياسية، بالرغم انهما مازالا يناضلان من اجل الحربة والكرامة وتحقيق الاستقلال لضمان الحاضر والمستقبل، ولبيان العلاقات التاريخية نجد ان الحضرة الايوبية الكردية بقيادة السلطان صلاح الدين الايوبي، لعبت دورا اسلاميا وانسانيا لانقاذ ارض فلسطين والعالم الاسلامي والقدس الشريفة من الحملة الصليبية الافرتجية، ومازالت اجراس السلام تدق في حاضرة الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين، صغارا وكبارا، نساءا ورجالا، لالهامهم للصد عن الظلم الحاصل بحقهم في الماضي وفي الحاضر.
وقضية اجلاء حي شيخ الجراح (باسم طبيب السلطان صلاح الدين الايوبي) في القدس من قبل سلطات دولة اسرائيل، دليل على الاعتداء والاستيلاء الظالم بشتى وسائل الضغط لاخراج الاراضي من ايدي الفلسطينيين، وما لهيب الرفض الذي لاحق الحدث ما كان الا هديرا لصوت الحق ضد الجور المفروض بقوة الاحتلال، وما لاحق ذلك من الاحتجاجات ثم رد ورد فعل، واستخدام عنف عسكري شديد، كان بالاساس نتيجة طبيعية لثوران البركان الثائر على الاراضي الفلسطينية التي مازالت تبحث عن الحقوق المهضومة لشعبها المناضل الاصيل الذي يكافح من اجل تحقيق هويته الحقيقية. وتوازيا نجد ان الكرد في تركييا وايران وسوريا مثل الفلسطينيين حقوقهم مهضومة الى حد السحق، ولكن كرد العراق تحقق لهم كيان فيدرالي بادارة حكومية شبه مستقلة منذ سنة واحد وتسعين، وهي شبيهة بالسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بنواحي كثيرة.
ومن حيث الاستدلال بالعلاقات التاريخية بين فلسطين والكرد، فانها ليست وليدة اليوم، فهي كما تذهب اليها بعض المصادر تعود الى ايام فتح القدس الشريفة على يد سلطان المسلمين صلاح الدين الايوبي الكردي الاصل، حيث في ايامها توطدت علاقات وطيدة بين قوات كردية تابعة للقائد السلطان مع مسلمي ومسيحي ويهود فلسطين، وقد تمخضت بعض العلاقات بالقرابة والزواج، وتشير مصادر موثوقة ان اربعين بالمئة من العشائر الفلسطينية تعود بجذورها الى عوائل كردية في عهد السلطان الايوبي.
وفي التاريخ الحديث تذكر المصادر ان قوات عراقية كردية بقيادة ضباط اكفاء من الكرد شاركت في حرب تحرير فلسطين سنة ثمانية واربعين، وقد حققت تقدما كبيرا في جبهة العمليات العسكرية، وذكر ان احد اسرار نجاح هذه القوة العسكرية العراقية في فلسطين، هو اعتماد قائد القوة العقيد المرحوم عمر على على كتابة خططه العسكرية الميدانية باللهجة الهورامية الكردية، في حين كان نصيب بقية القوات للدول العربية الفشل والاستسلام نتيجة الخيانة وكشف مخططاتهم العسكرية للقوات اليهودية.
وفي نهاية الستينات، بداية تأسيس جبهة الكفاح واعلان النضال المسلح لمنظمة التحرير الفلسطينية، انضم الى صفوف القوات الفدائية بعض الشباب من كرد العراق بصفة فدائيين وقد استشهدوا عند القيام بعملياتهم الفدائية، ويقال ايضا ان بعض الشباب الكردي من سوريا وتركيا اشتركوا في صفوف فدائيي فلسطين بالسنوات اللاحقة، ولكن ما يتعلق بفدائيي كرد العراق موثوق ومدون في سجلات الفصائل والمنظمات الفلسطينية، وللتاكيد على اثبات ذلك فقد قام القنصل الفلسطيني في اقليم كردستان بالسنة الماضية بتكريم عوائل شهداء الكرد بالعقود السابقة في فلسطين العزيزة.
وللدلالة على استمرار العلاقة القلسطينية الكردية، فان الكثير من قادة الكرد اعترفوا بعلاقات وثيقة بينهم وبين قادة الحركات الفلسطينية في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وكانت لهم ولاحزابهم ولمجموعاتهم المسلحة من قوات البيشمركة صلات وثيقة وعلاقات ثورية مع فصائل وقادة منظمة التحرير الفسطينية، ومنهم خاصة علاقات جلال الطالباني ومسعود برزاني وعبدالله اوجلان مع القائد المرحوم ياسر عرفات والرئيس الحالي محمود ابو العباس وشخصيات اخرى على مستوى القيادة.
وفي الاونة الاخيرة نجد ان ما جاء من اخبار عن قيام الرئيس التركي بتوطين خمسمئة عائلة فلسطينية في عفرين بكردستان سوريا، هو بلا شك عمل عنصري محسوب على الحكومة التركية، وعير محسوب على القضية الفلسطينية العادلة، فمقابل ذلك نجد ان القائد الفلسطيني خالد مشعل دعا تركيا وايران وسوريا الى حل القضية الكردية بالحوار السياسي، والرئيس الفلسطيني محمود عباس لا ينسى انه أول رئيس من العالم العربي قد زار اقليم كردستان قبل سنوات معبرا عن فخره واعتزازه بما حققه كرد العراق.
وللتأكيد فان ما يجري من اعمال عنف وعمليات عسكرية ضد اطفال فلسطين ونسائها ومدنييها ما هو الا عدوان على الانسان وكرامته، وهو سحق للحقوق الطبيعية للانسان، وما يجري من حرب بصواريخ متبادلة هي تفجير للمعاناة والماسي الانسانية، لهذا لابد من خطوة وقف النار بصورة عاجلة لانها بداية لوقف المأساة والمعاناة، وتمهيد لفتح الحوار لتحقيق خطوات السلام للشعبين الفلسطيني واليهودي، وثم السعي الجاد بمساندة المجتمع الدولي لتنفيذ خريطة قيام الدولتين لضمان حقوق الطرفين في الحاضر والمستقبل.
وبالختام نقول، ان فلسطين لكرد العراق اقرب من حبل الوريد، والكرد للقلسطينين اقرب من حبل، فنأمل ان يعم فلسطين السلام بصورة عاجلة، ونأمل ايضا ان تستمع حكومات انقرة وطهران ودمشق الى نداء السلام الصادر من السيد مشعل لحل القضية الكردية في بلدانهم بالحوار السياسي المستند الى احترام حقوق الانسان وتحقيق الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والمواطنة الصحيحة بجميع صفاتها الوطنية والمدنية.
والله من وراء القسد..

كاتب صحفي