شاعت في صفوفنا الأدبية والفنية في عراق البلايا والرزايا والانحطاط الثقافي مؤخرا ظاهرة لم أجد أكثر منها نرجسية ومراءاة وتنميقا فارغا دون قاعدة ثقافية رصينة أو اعمال أدبية تثير الانتباه ويشار اليها بالبنان ، ألا وهي انتشار شهادات التقدير وخردة الدروع المصنوعة من المعادن البخسة ( مع تحفظي على تسمية الدرع وكأننا نخوض معركة قديمة تقليدية بائسة ) ويتم توزيعها بالجملة إلى هذا وذاك دون أية اعتبارات إبداعية .
وصارت كل مؤسسة تسمي نفسها أدبية أو فنية تطبع عشرات أو مئات الأوراق وتلصق أسماء تشوبها العلاقات الشخصية والصداقات الفردية والمجاملات وحتى المنافع الذاتية، مثل هذه الشخوص الخالية من الثراء الفكري تظهر أمامنا وتكون رغماً عنا، سواء رضينا أم لم نرضَ، وتحسب في عداد المبدعين المتفردين الذين لهم باع طويل في الشعر أو القصّ أو الرسم والنحت وغيرها من الأعمال الإبداعية .
هذه الظاهرة الغريبة أخذت تتسع بشكل خطير من قبل جهات نكرة معطلة لا تنتج اية ثقافة وليس لها وزن او تأثير يذكر الاّ الضحالة والهوان الفكري ، ويقيني انها تآمر واضح وصريح لا يخلو من الدناءة والبذاءة على المثقفين والادباء والشعراء الحقيقيين ، وكأن تلك المنظمات التي يمكن تسميتها بأنها جزء من المجتمع المدني نصّبت نفسها راعية للمبدعين وأخذت تشتري من دكاكين القرطاسية قراطيس بخسة الثمن ويكتبون في متنها ما يشاؤون لهذا الصديق أو ذاك الكاتب المبتدئ عبارات تنمّ عن تقديرات للجهود الابداعية ولأشخاص يعدون في مصاف النكرات وغير المعروفة آثارهم الأدبية والفنية، وكأنهم مسكوا قصب السبق وصاروا بغمضة عين وحيدي زمانهم في نتاجهم الأدبي او الفني .
والأغرب أن تصاحب هذه الاحتفاءات كاميرات (الآي باد) وتلفونات الهاتف المحمول الذكية لمصاحبة المحتفى به وزمرته المصفقة له ليظهر أمامنا بأنه الشاعر الكبير المعلّى والفنان الذي لا يضارع والألمعي ذي الأفق الواسع ولا نظير له في الخلق والإبداع والابتكار مما يذكرنا بما كان يوزعه الدكتاتور المقبور من أنواط شجاعة وشرائط على رهطه المطيع وحاشيته وعساكره وحُماته من الضباط وغير الضباط وذيول السلطة .
المضحك ان تلك الشهادات تباع برخص التراب في أسواق القرطاسية، ويزاد عليها قلائد من النحاس أو الزجاج التي يطلق عليها قلائد الإبداع ؛ إضافة إلى دروع مصنوعة من الخشب أو المعادن المسماة " التنك " الرخيصة الثمن والقيمة ، إنها تباع بالجملة ليشتريها القائمون على ترتيب احتفاءات ولقاءات فنية أو أدبية وتوزع وفق الأمزجة والرغائب الشخصية لمن لايعرف طرق الإبداع ومسالكه الوعرة من دون أي اعتبار للقيم الفنية او مظاهر التميّز في النتاج الفني .
أما كان من الأجدر أن تقوم تلك الجهات التي توزع الشهادات والدروع بشكل اعتباطي وغير مدروس بطباعة نتاجات الكتّاب والشعراء المبدعين المعوزين ماديا لو كانت جادة فعلا في نشر الثقافة الثرية الرصينة، أو عرض لوحات الفنانين في معارض أو غاليريهات الفنّ ليراها المعنيون الباحثون على الجمال الفني والأدبي بدلا من إغراقنا بصور لاتغني فقيرا إلى الوعي والتثقيف ولاتروي ضامئا إلى المعرفة وملء العقل بالرواء الفكري ؛ فليس بهذه الظواهر الغثّة تشاع الثقافة وترمم الأذهان وعيا وعلما وأدبا أيها الخائضون في مضمار ليس مضماركم والسالكون دروباً غير دروبكم .
بتّ أعجب وأقول كيف يجرؤ هؤلاء الذين عنيتهم على توزيع شهادات الدكتوراه الفخرية على من سفّ وابتذل في الفن والأدب ولا أغالي لو قلت انها من خزعبلات وأحابيل قليلي الحياء والأدب .
[email protected]