كثيرة هي الإختبارات والمحطات الصعبة التي مرت بها جامعة الدول العربية في السنوات الأخيرة، حيث تباينت الآراء ووجهات النظر حول أسلوب تفاعلها ومعالجتها للأمور ونظرتها للقضايا والأزمات وسياساتها في التعامل مع الأحداث الإقليمية والدولية، ناهيك عن قدرتها على التطور والتفاعل مع ظروف ومقتضيات ومتغيرات العصر بما يُحصن دورها المؤسسي ويسهم في الدفاع عنها في مواجهة منتقديها، وهم كُثر ـ بعضهم بدافع الغيرة ولديه وجهات نظر مبررة، وبعضهم الآخر لديهم رؤى مغايرة قديمة / جديدة لسنا هنا بصدد طرحها أو مناقشتها.

في ضوء ماسبق، تبدو مسألة عودة سوريا للجامعة العربية محطة أساسية من المحطات المهمة لإختبار قدرة جامعة الدول العربية ـ مؤسسياً على الأقل ـ في مداواة الواقع العربي الراهن، بكل تفاصيله التي لا تخفى على أحد، فضلاً عن استعادة ولو جزء من دورها على صعيد العمل العربي المشترك.

ورغم قناعتي بأن الجامعة هي مرأة لواقع عربي مهترىء، ومؤسسة تعبر أحوال أعضائها، وان إرادتها ترتبط عضوياً بإرادة هؤلاء الأعضاء، فإنني استغرب عدم بذل جهد مؤسسي كاف لإعادة سوريا إلى حاضنتها العربية، بكل ما يعنيه ذلك من معان ودلالات ليست لا تصب في مصلحة سوريا، الدولة والشعب، فقط بل تصب أيضاً في مصلحة العمل الجماعي العربي المشترك، وفي مصلحة الجامعة ذاتها أيضاً.

الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قال مؤخراً إن "الأشهر المقبلة ستشهد محاولة في اتجاه مشاركة سوريا في القمة العربية المزمع عقدها بالجزائر مطلع نوفمبر 2022"، مضيفاً أن "مشاركة سوريا في القمة العربية عندما تتم سوف تكون من خلال توافق عربي كبير"، وهو تصريح يبدو أن كلماته اختيرت بعناية لغوية فائقة ودقة شديدة، كي لا يضع مسؤولي الجامعة في حرج دبلوماسي، الأمر الذي يبدو أنه تسبب في صدور التصريح بهذا الشكل غير المفهوم سياسياً على الأقل!

شخصياً، لم اتوصل إلى تعريف للمقصود بتعبير محاولة لإشراك سوريا في القمة العربية المقبلة، فرغم أن المقصود ربما كان ـ على الأرجح ـ هو أن جهوداً ستبذل في هذا الإتجاه من جانب الجامعة، فإن التردد أو الغموض في الإعلان عن المقصود صراحة ينطوي على إشارات عديدة ليست في مصلحة الجامعة والقائمين عليها.

إجمالاً، وبغض النظر عن فحوى التصريح ومراميه، تستحق سوريا أن نعلن صراحة الإنحياز لعودتها للجامعة العربية الحاضنة، ويستحق السوريون أن يدافع الجميع عن قضية دولتهم بشكل واضح وصريح بعد كل ما دفعوه من أثمان وتكاليف بغض النظر عما اُرتكب من أخطاء ومن الذي إرتكبها، ويستحق العرب كذلك أن يعلن مسؤولو جامعتهم العربية أنهم يبذلون جهداً لتسريع وتيرة عودة دولة رئيسية إلى منظومة الجامعة.

في ضوء المواقف المعلنة للدول العربية، يمكن تفهم موقف مسؤولي الجامعة العربية، ويمكن كذلك تبرير الحذر الزائد حيال تبني مسألة عودة سوريا للجامعة، ولكنني أتصور أن للجامعة دور أكبر من مجرد التنسيق بين مواقف الأعضاء، أو الحذر من الإنحياز المعلن أو الضمني لعودة سوريا، ولا أقصد هنا إنخراط الجامعة ـ كمؤسسة أو أفراد ـ في صدامات مع هذا الطرف أو ذاك من رافضي عودة سوريا، ولا حتى الذين يرتهنون هذه العودة بشروط يرونها ضرورية، وهذا حقهم وتلك رؤيتهم للأمور، ولكنني اعتقد أن الظروف والمتغيرات الإقليمية والدولية قد خلقت مناخاً وبيئة جديدة أسهمت في إعادة النظر في كثير من العلاقات البينية داخل الإقليم، ومن البديهي للغاية أن تكون سوريا في قلب أي عملية لإعادة الحسابات وترتيب الأوراق إقليميًا، حيث كان يفترض أن يكون ذلك مدخلاً مناسباً لمناقشة الأمر والإنتهاء منه، لاسيما أن عمليات إعادة ترتيب الأوراق إقليميًا قد جرت بالفعل منذ أشهر وتوجت بتوافقات وتفاهمات رائعة لمصلحة شعوب ومصالح دول المنطقة جميعها.

منطقة الشرق الأوسط في مجملها تشهد "هندسة" جديدة للعلاقات بين الدول، وهذا، برأيي، أمر إيجابي وجيد للغاية، ولكن بقاء سوريا خارج هذه المنظومة الجديدة من العلاقات يمثل ثغرة تحد من فاعلية أي نتائج مرجوة للأمن والإستقرار الإقليمي، لاسيما أن العلاقات السورية قد عادت إلى طبيعتها مع نحو 14 عاصمة عربية، بحسب تأكيد فيصل المقداد وزير الخارجية السوري، الذي أكد في تصريح سابق له عودة 14 سفارة عربية في دمشق للعمل، ما يشجع بقية العواصم العربية لإعادة تدارس موقفها مع الأخذ بالحسبان المياه التي جرت في البيئة الإستراتيجية الإقليمية والدولية، وقبل كل ذلك وبعده مصلحة الشعب السوري، ولاسيما بعد تراجع قضيته ضمن أولويات المجتمع الدولي منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية.
في 17 أبريل