لا تستهينوا بقدرة الصوت وفضول الوصول للمعرفة من خلال التواصل الصوتي أبداً، فالكثير من المعالجات النفسية والتواصل مع العقل اللاوعي غالباً ما تكون عن طريق التأثير الصوتي.


دعونا نبدأ بمواضيع المساحات: معارض متخفي تحت عباءة وطنية، أخونج متلون يقدم محتوى اجتماعي مع الكثير من الزيف والرسائل المبطنة التي تخدم التنظيم، مساحات تنويرية تناقش الموروث والاعراف وتتساءل في نصوص الأديان، مساحات وطنيين يسعون لكشف أعداء الأوطان من أجل توعية المجتمع، مساحات تناقش المشهد السياسي في هذه المنطقة التي تتشكل ويعاد فيها موازين القوى والتأثير، ومساحات متخصصة في مجالات مال وأعمال ورياضة وإعلام شتى.

ثقافة الهوست تحدد مسار المساحة: «الهوست» هو أخطر وأهم من الموضوع نفسه… هو الصوت المؤثر الكبير، من قد يضع استراتيجية تمرير الرسالة مهما كانت إيجابية أم سلبية، وقد يدعو لأصدقاء ومتمكنين في بعض المواضيع من أجل تأصيل وتأكيد الإدعاء الذي وضعه، وقد يسهل نقل جهل «الهوست» للمستمع من خلال تكرار فتح المساحة بنفس العنوان وتنوع «الكوهوست»، لتتكون الصورة الذهنية والثقافية لدى المستخدم للمنصة، خصوصاً إن كان له متابعين بأرقام عالية وصاحب هوية بصرية حقيقية ومعرّفة. قد يكون «الهوست» حساب غير معرّف، ولكن هوية سمعية مميزة تضع المستمع في حالة ارتياح وثقة نفسية بسبب تكرر التجربة. السماح بمداخلة المستمعين تتم من خلال وضع محتوى أو تقديم تصوّر أو تشخيصاً لموضوع ما، ثم يتم التعليق عليه من خلال انتقاده بشراسة، أو برسائل مبطّنة تُشكك المستمع، أو تطبيق فكر النقد التحليلي المسالم، الذي يهدف فقط لتنويه مستمعي المساحة و«الهوست» بحسب قناعته وثقافته وخبرته، فقد يتم قبولها إن كان وعي «الهوست» وإمكانياته بجودة عالية، أو غالباً؛ برفضها ومقاطعة المتداخل، وتحويل هذا النقد إلى مداخلة «تافهة» وبذلك يكون «الهوست» قد انتحر فكرياً وخسر العقول المثقفة من حوله.

الكوهوست الإداري، وظيفة مهمة ومطلوبة: المنظم غالباً، الفلتر لكل من يطلب المايك والبحث في حساباتهم قبل إعطاؤهم الفرصة، لتجهيز استراتيجية الخروج عن محتوى النص أو لأي محاولة مرتقبة لإفشال أهداف المساحة مهما كانت، غالباً ما يجهز المحتوى المعروض، يرفع المادة في المساحة، يملك فن تنظيم المايكات وكتمها في الوقت المناسب. هذه أصبحت وظيفة مهمة للغاية غير مسجلة على لائحة الوظائف العامة، قناعة «الكوهوست» واتفاقه مع «الهوست» هو أمر محتوم، قد يختلفان قليلاً بقصد أو بغيره، وهذا يضفى حالة من رفع مستوى الثقة في المساحة، ليس بالضرورة مع المحتوى المطروح.

نتائج المساحات السلبية والإيجابية: هناك تخوف - من مؤسسات توعوية وأفراد تربويين مسؤولين، ومؤثرين مخلصين في هذا الفضاء وهذه الأداة المؤثرة للغاية - من خطورة نتائج المساحات المتطرفة، والتي تبعد المشكلة عن محتواها السياقي، وتحولها إلى دائرة «الشخصانية» ثم إدخالها في مكان ضيق يصعب لاحقاً عودتها لمكانها الطبيعي، وهذا السلوك الغير منهجي يضع تعتيماً على مشكلة بسيطة واصباغها بمسميات كبيرة وتحييدها عن الهدف الأساسي بما لا ينسجم مع ثقافة الدائرة الفكرية هذه وأهداف الدولة. التخوين في المساحات أصبح جزء من تجربة المساحات وسلاح ذو حدّين، والتنظير أصبح مضيعة للوقت بلا عمل ميداني حقيقي، والمناظرات المفيدة أصبحت حالة نادرة كاشفة للجهل ولا يقبلها الظلاميين ومن يقف على أرضية هشة، ونقصد ثقافة الهوست والكوهوست أو المتحدث الدائم لتلك المساحة، حافظين ما يقولونه ولا يفهمون عمق المادة وواقعية تطبيقها أو حتى أقرب أبعادها التحليلية.

مسؤولية المتحدث في تطوير ثقافته الذاتية وكثرة المعلومات المغلوطة وتسويق الإشاعة: المتحدث هو مسؤولية كبيرة، يضع تجربته، أو معلوماته، فمنهم من يعرض جهله المنمّق والمزخرف بمفردات لغوية معقدة في محتوى قد لا يفيد المستمع، والآخر المفيد من القلائل قد يوعّي المساحة وينقل جودة المعلومات المتداولة إلى أبعاد إيجابية تصب في أهداف «الهوست» و «الكوهوست».

خاتمة جاسم: المساحات مازالت في بداياتها، وتطورها على مستوى التنظيم والمحتوى قد يكون تطوّراً متصاعداً ولكن على وتيرة بطيئة، خصوصاً في حال عدم توافر القوانين اللازمة لدعمها تشريعياً وحمايتها لدول الإقليم المؤثر الكبير هذا، أو على المنصة نفسها - تويتر - فآلية تسويق المساحات مهمة جداً لانتشارها وتحقيق النتائج المرجوة، وتكاد تعتمد على عنصر واحد يعد الأهم، وهو عدد المتابعين «للهوست» و«الكوهوست»، ثم تخدمها أحياناً الصدفة الإيجابية التي تأتي بمؤثرين آخرين من خارج محيط الاستراتيجية التسويقية البدائية الموضوعة للنشر واستقطاب المستمعين.

ولن يفوتني أن أحيي منصة «اعتدال» السعودية القيّمة، والقائمين عليها، على تواجدها في هذا الفضاء الرقمي المهم، ووضع بصمة توعوية مثقفة في غاية الأهمية، محكمة راقية الطرح تنم عن وعي في مسارات المجتمع، وتأكيداً على ما تطرقت له هنا بأن هذه الأداة - المساحات التويترية - قد تكون السلاح الذي يوجه عياراته نحو المجتمع المتماسك، فمهمة كشف المتطرفين والمتشددين الدينيين و المؤدلجين هي مهمة وطنية، تقودها مؤسسات الدولة، ورأس الحربة فيها هو الإنسان الواعي.