قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

جمال الدول ووهجها وتألقها ورقيّها، لا يأتي بالبناء الخرساني المتراكم بقسوة، والعمارات الشاهقة، وتخضير وتجميل المدن فقط، وإنما في خلق انساق لحياة من يسكنها؛ الشعور بالأمن والعدل والرحمة والتسامح، ووجود تنمية ترفع من مقام الإنسان، وتنتصر له في مواجهة تحديات الزمن.

الدول ليست مدرسة لتعليم أبناءها النشيد الوطني ورفع الأعلام صباحا في المدارس، ولا ضيعة لحاكم يجلس على كرسي الثراء، ويوزع المكارم بذل على شعبه. الدول التي لا تنتصر لمواطنيها لا تستحق الحياة، لأن التعاسة ستكون القانون الأول لقتل الكرامة والوطنية في النفوس.

هناك دول غارقة بالنفط والثروات، مازال أهلها يعيشون في بيوت الصرائف والعشوائيات، وينامون على مستنقعات الفقر والفساد والأمية. وهناك دول لا تُهزم في صراعها مع التنمية والابتكار وصنع المستحيل، لأنها تمتلك إرادة التغيير، وحكامها يعشقون شعوبهم. فقد نهضت بعضها من الفقر والمستنقعات والبعوض إلى اقوى اقتصادات العالم. اتحدث عن سنغافورة الجزيرة الصغيرة و(لي كوان يو) صانع نهضتها.

والبعض الآخر، خرج من الصحراء الجرداء إلى دولة التنويع الاقتصادي، والاقتصاد التنافسي والمعرفي، والإبداع والابتكار والتجارة والموانئ والمطارات والرفاه والجامعات العالمية، والصدارة العالمية في مجال التنافسية، والخدمات الذكية، والبنية التحتية للاتصالات، والتفوق بمؤشر السعادة العالمي، وتوفير الآمان. أتحدث هنا على دولة الإمارات العربية المتحدة.

عندما وصلت الإمارات عام 2002 للعمل في جامعاتها، رأيت ملامح أولى لبداية النهضة. ما زالت الصحراء تأخذ مساحة أوسع من الأرض، رغم إن ما شاهدته يفوق جمالاً ونظافة من مدن عربية كثيرة. ومع ذلك كانت إرادة التغيير قائمة في أجندات الحاكم الإمارتي بقوة. كانت قاطرة التغيير يقودها شيخ الحكمة زايد بحكمته الريفية تتسارع نحو الأهداف؛ صناعة التنمية، وبناء الإنسان معا.

أتذكر، على سبيل المثال لا الحصر، أن الإماراتي لم يكن حاضراً في المؤسسات الإعلامية إلا ما ندر، وبعد مغادرتي الدولة عام 2021 أمتلئت هذه المؤسسات بقيادات إعلامية إماراتية من الصف الأول والثاني حضورا وتألقاً، والكثير منهم طلبتي. وهكذا هي حال المؤسسات الأخرى.

بالمقابل بدأت الصحراء تتقلص لتتحول من مجرد رمل إلى ذهب يلمع يباع بملايين الدولارات. فأُنشات الأبراج الشاهقة، والفلل والشقق التي تباع بأسعار أغلى من أي دولة في العالم، وأُسست شركات عالمية، وموانئ عملاقة، ومطارات مذهلة في خدماتها، وسياحة نموذجية تنافس دول عريقة. بلد عجيب يحول أعاصير رماله إلى فسحة سياحية للتأمل، وأرضه الجرداء إلى بورصة عالمية، ورماله إلى مال وامل. بلد لا يمل من مواجهه التحديات، واستغلال الفرص.

يخطأ من يقول إن الإمارات هي أبراج ملونة بالزجاج والارتفاعات، هي قصة معجزة: ولدت في صحراء ليس فيها سوى النفط، وبشر مهنتهم الصيد والزراعة، وبيوتهم من الطين. لم تمر سوى أعوام قليلة إلا وقد ولدت دولة جديدة تتألق حضوراً دولياً، وتصبح علامة فارقة في الابتكار والتنافسية والإبداع. وهي ضمن قائمة 20 الكبار عالميا في 12 مؤشرا تنافسيا، ومن ضمنها الدخل القومي الإجمالي للفرد، والسابعة في معدل القوة الشرائية للفرد.

يعيش الإماراتي بحبوبة الحياة والسفر، وجوازه الأول عالمياً، وسيد العالم في السعادة والرفاه والآمان، ومعاملاته تجرى وفق منطق الرقمنة، وتصل هويته الوطنية بواسطة طائرة مسيرة إذا كان في القرى والأرياف والجبال، وحساباته المصرفية لا تقبل الأعداد التنازلية، يسافر إلى كل الدنيا لكن عينه على وطنه.

بلد يضج بالابتكارات والحلول والاجتهادات والرؤى، والمهرجانات والملتقيات العلمية والثقافية. لا يهدأ له بال في تنمية البشر وابتكار الجديد. لم يتوقف في معرفة أسرار الأرض والسماء. ليس له نهاية للتوقف، فهو خارج نطاق تفكير الحاكم الإماراتي الذي يصنع رؤى مُدهشة للحياة لا تعرف المستحيل، حيث يستبق المستقبل ويستشرفه.

باختصار، الإمارات أبراج شاهقة لتوطين الاقتصاد التنافسي المعرفي المبني على الابتكار، والبيئة المستدامة، والبنية التحتية المتكاملة، والنظام الصحي بمعايير عالمية، والنظام التعليمي رفيع المستوى، والمجتمع الآمن، والقضاء العادل، والمجتمع المتلاحم المحافظ على هويته.

عندما غادرتها، بعد إن عشت فيها 20 عاماً، لم أحلم بالحصول على الإقامة الذهبية، ولم أحصل عليها، لأنني كنت أشعر أنها بلدي الثاني الذي تبادلنا العطاء في التجربة والمحبة. لذلك كنت أشعر بحزن عندما أرى الإقامة في جوازي، لأنني لم أفكر إلا بأنني مواطناً منها يمتلئ بالوفاء.

خرجت من الإمارات فبل عام وودعتها بمحبة، وودعتني بالسفر إلى المريخ والقمر لتتجول في الكون لتكشف أسراره. أمرض عندما لا أراها سنوياً لأنني أعشق الجلوس على ضفاف بحرها، والتمتع ببرها وصحاريها على ضوء القمر.

كنت سعيداً في العيش مع أهلها الأكارم وطيبتهم الريفية البسيطة، ومسروراً بأن الدولة وفرت لي الرفاه والأمان والسعادة، ولم تسألني يوماً عن خصوصيات الأفكار والحياة. كنا معاً نسافر في رحلة العطاء والابتكار كبشر. قدمت لي وللآخرين أجمل عطاء وهو؛ العيش بسلام وتسامح وآمان وكرامة.

الإمارات قصة وطن مُبتكر للحياة الجديدة، تتقدم بالعلم والحكمة. لا تشغلها ثرثرة السياسة المتعفنة بالتفكير النمطي، وصراخ العقول المؤجرة. وطن يكفيه أنه محلق في فضاء المجد والتميّز والابتكار. وأنه مالئ الدنيا وشاغل الناس في كل العالم.


[email protected]