أيلول الدامي في العراق هروب نحو الجحيم
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
تحليل سياسي عن تزايد اعمال العنف في العراق
أيلول الدامي في العراق لم يكن كغيره من الأشهر العراقية الدامية، فالدماء خلاله سالت بغزارة على أيد حثالة من البشر دعمتهم كل قوى البغي في المنطقة، كان على إثرها أن تم لهم تنفيذ أكثر من 2300 عملية قذرة، معظمها في المناطق التي تعتبر آمنة لهؤلاء الجبناء. فهم أجبن من أن يخرجوا من جحورهم، ويريدون من العالم والعراقيين أن يصدقوا أن هذه الأفعال الغادرة على أنها مقاومة، فقد شوهوا اجمل اسم بتاريخ الشعوب بعد أن قتلوا أبناء جلدتهم من الأبرياء بسياراتهم المفخخة وعبواتهم الناسفة وقذائف الهاون والأربي جي وعمليات الخطف للمدنيين الأبرياء من عراقيين وأجانب يعملون في مختلف القطاعات، حتى تلك التي تهتم فقط بالأمومة والطفولة وتحسين اوضاع المستشفيات، ليساوموا ويخلقوا زوابعهم التي تلاحقها الفضائيات البعيدة تمام البعد عن البراءة والفضول لما عرف عنها من تورط مباشر بهذه الأعمال الجبانة، كل ذلك من أجل خلق زوبعة إعلامية لابد أن يكون ورائها هدف محدد.
المناطق الآمنة، عقيدة البعث منذ لتأسيس:
كانت دائما هناك حقيقة يتداولها الجميع، وهو ان هذه المناطق من العراق تعتبر ملاذا آمنا لعناصر البعث الخائبة، فهم يتخذون من الناس في هذه المناطق رهائن لديهم، وبذات الوقت دروعا بشرية تحميهم من أي هجوم، ويجبرون الناس جميعا تحد تهديد السلاح للقبول بهذا الوضع، ومن لا يقبل بذلك، أو من يخرج عن طوع هذه العناصر في مناطقهم اللآمنة سوف يكون عقابه شديدا، وقد لاحظ الجميع أشكالا من هذه العقوبات للابرياء هناك.
من خلال مراجعة العمليات الجبانة التي قامت بها هذه العناصر نجد أن أكثر من تسعة اعشارها تقع بتلك المنطقة، أوالمناطق التي كانت تعتبر تاريخيا مغلقة للبعثيين ومنها احياء في بغداد، واالتفسير المنطقي الوحيد لمثل هذه العمليات في هذا الوقت، هو أنها أعمالا انتقامية من هؤلاء الناس، حيث أن الكثير من هذه العمليات كانت تستهدف الذين انخرطوا في الحرس الوطني والشرطة والاستخبارات الجديدة، لذا فهم وعائلاتهم مستهدفين. ربما يلاحظ المرء ذلك ايضا بوضوح من خلال مراجعته لتلك العمليات التي قاموا بها في مناطقهم المغلقة في بغداد، ومنها شارع حيفا والرحمانية والمناطق المحيطة بها ومناطق الدورة جنوب بغداد وحي العامل والغزالية والعامرية، وكلها مناطق مغلقة للبعثيين منذ زمن بعيد وبقيت مغلقة لحد اللآن. لكن الجديد في الآمر هو أن هذه العناصر أصبحت تستعمل السيارات المفخخة أكثر من ذي قبل، حيث أن هذه النوع من العمليات بقيت تقريبا حكرا علة الانتحاريين من القاعدة والمتشددين الاسلاميين مثل جماعة الزرقاوي، وهكذا طور البعثيون وسائلهم فأدخلوا السيارات المفخخة كنوع من الانتقام من الناس االخارجين عن طوعهم، وهذا ما لاحظناه في أحياء بغداد التي ذكرناها آنفا والرمادي وعانة وحديثة واالموصل وحتى الفلوجة وكذا مناطق في محافظة ديالى في مناطق كانت تعتبر مغلقة لهم، وأكثر العمليات كانت تستهدف القوات المسلحة الجديدة و من يعتبرهم البعث متعاونين مع السلطة الجديدة بأي شكل ما الأشكال.
هذه العمليات يمكن ان تعتبر كنوع من الهروب للأمام بدلا من التراجع عن الخطأ والانخراط في االعملية السياسية الجارية على قدم وساق في العراق. وكان هذا هو السر وراء ارتفاع العمليات الارهابية خلال أيلول الدامي الذي ذهب ضحيته آلاف العراقيين من الابرياء كنوع من الانتقام، ومن لم يقتل أو يصاب بأذى، فهو بلا شك متعاون أو مدعوم من قبل زعاماتهم دعما قويا لأغراض لا يعرفها إلا هؤلاء الجبناء.
الأحلام السورية:
وفي خطوة أخرى يمكن ان تعتبر خطوة واسعة جدا بهذا النوع من الهروب إلى الأمام، تنازل البعث العراقي عن آخر المحرمات بالنسبة له، وذلك بتوحيد الحزب مع حزب البعث السوري، وبالطبع تحت قيادة سورية بامتياز وإعطاء البعثيين العراقيين مواقع رمزية في هذا الاتحاد الخبيث. وبذات الوقت، أي بعد أن تم هذا الزواج المحرم، خطت الحكومة السورية خطوتها الأوسع نحو الجحيم أيضا، وأصدرت ما سمى ""بالدراسة السورية عن عمليات المقاومة في العراق"" تلك الدراسة التي وصفت بالمعمقة والدقيقة من قبل أبواق الدعاية العروبية بعد أن سربتها الحكومة نفسها للصحافة. إن هذه الدراسة المزعزمة تحمل معلومات كثيرة عما تسميه بالمقاومة في العراق، وتجعل منها على أنها نوع من تحدي المستحيل بالنسبة للأمريكان والعراقيين، وإن الوقوف بوجه هذه المقاومة كالوقوف أمام قوة جديدة لم تخلق بعد، فالمعروف أن القوة العظمى المتفردة في العالم حاليا هي الولايات المتحدة، وتليها بريطانيا، فما بالك والقوتين متحدتين مع أكثر من مئتي ألف عراقي من الدفاع المدني والشرطة تقف إلى جانبها؟ ويقف كل أبناء الشعب العراقي بصفها أيضا دونما مساومة أو دعوة من أحد، وذلك لإيمان العراقي أن أمنه أولا ومن ثم سيأتي الباقي رفاهة ومستقبلا زاهرا.
سوريا كانت قد دعمت الفلول الصدامية بكل أنواع الدعم، من دعم لوجستي وسياسي ومالي وبشري وفتحت حدودها، لتدخل كل زناة الأرض للعراق، واحتضنت البعثيين المهزومين من اليوم الأول متناسية عدائها مع صدام، من ناحية لكي تستأثر بأموال العراق التي نهبها أولاد الزنى، ومن ناحية ثانية، تضع لبنة في مخططها للنيل من العراق ومن ثم الاستحواذ عليه بالكامل، وفي خطوة متقدمة في هذا الاتجاه قبل بضعة أسابيع بعد أن دب اليأس بقادة البعث المهزومين في العراق، تمثلت بدمج الحزبين بحزب واحد لكي تهيئ بذلك الظروف الموضوعية للخطوة التالية وهي إقناع الأمريكان بأن الأمر أصبح مستحيلا عليها في العراق، وأن الوقت قد حان للعمل على حل سياسي، وهو أن تعيد البعث من جديد للعراق ولكن هذه المرة بقيادة سورية ووجود عسكري سوري لضبط الوضع في الداخل وعبر الحدود، أي لبنان جديد من ناحية االشرق بالنسبة لسوريا.
الوثيقة التي يسموها دراسة معمقة ودقيقة تتضمن خطة تقوم على أساس عقد مؤتمر دولي يضم دول الجوار تحت إشراف الأمم المتحدة، والمقصود بذلك وجود فرنسي ألماني وروسي وصيني بغياب الأمريكان والبريطانيين، أو في أحسن الأحوال وجود رمزي لهم، وبغير هذا الحل، سوف تكون نهاية العالم، وليس العراق فقط. أقل ما يمكن ان توصف به هذه الخطة هو السذاجة السياسية، فمجرد زوابع فارغة من تفجيرات وعمليات جبانة تستهدف المدنيين والأطفال، تريد منها سورية أن تكون عبارة عن مقدمة للوصفة السحرية التي تقدمها لعالم كي يقبل بها!!! هذه في الواقع ليست سذاجة وحسب، بل إيغالا بالجريمة التي لا يمكن أن ينساها العراقي، فإن هو اليوم في وسط المحنة وفي ضعف منه، لكن ذلك لن يدوم ذلك طويلا، وسوف يكون هناك يوم يشتد به ساعده، وسيكون هناك أيام للحساب عسيرة، سوف يبكي المجرمون بعدها ندما، ودما بدل الدموع، هذا إذا بقي لهم وقت للبكاء، فاللحم العراقي مر، بل العلقم، وهم اليوم يجربون أكل هذا اللحم غير آبهين بشيء.
الخطة المزعومة تحمل أيضا تحذيرا ضمنيا، مفاده أن الحرب ستستمر لسنوات طويلة!! هذا فيما إذا استمرت أمريكا وبريطانيا بالتعامل مع الوضع بالشكل الحالي، أي دون أن تعطي للسوريين الدور الرئيسي في حماية العراق من خلال ادخال قواتها العسكرية، وهذا يذكرنا بتلك الأيام التي كنت سوريا تعمل بها على الساحة اللبنانية ألعابها التي لم تعد خافية على أحد، فسوريا بقيت تعلن صراحة أن لا حل للقضية اللبنانية إلا عبر دمشق، ولمدة تزيد على عشرة سنوات، وبكل أسف، كان لها ما أرادت، ولكن بطريقة ملتوية، فحل الطائف، الذي يعتقد لحد الآن، إنه هو الذي أنهى القضية اللبنانية، هذا الحل لم يبقى قائما إلا لفترة قصيرة جدا، بعدها تم تفريغه من محتواه بالكامل ولم يبقى منه إلا الفقرات التي كانت تريدها سوريا، والسبب بسيط جدا، وهو أن حامي الحمى في لبنان، قد أصبح آن ذاك، هو الجيش السوري والمخابرات السورية، ولم يبقى من المليشيات من يعمل بحرية إلا حزب الله بعد أن أصبح سوريا وذلك بتغيير قيادته، وهكذا بقي القول الفصل بيد من يحمل السلاح والباقون يعملون ضمن توافقيات طائفية وسياسية معظمها ذات طابع مؤقت يمكن أن تطيح بها نسمة ريح، وبقي الاستعمار السوري جاثما على صدر لبنان حتى هذه الساعة، وحتى بعد صدور قرار الأمم المتحدة الأخير بخروج وجلاء الجيش السوري من الأراضي اللبنانية، لم تستطع الحكومة ولا أية حكومة أن تخرج السوريين من لبنان، فأول رسالة لمن وقفوا ضد القرار السوري كانت تفجير سيارة النائب والوزير اللبناني من كتلة جنبلاط المعارضة لتغيير الدستور، الذي كان يهدف تنفيذ الرغبة السورية بتمديد فترة الرئاسة لإميل لحود. إن هذا العرض السريع للمؤامرة السورية التي نجحت على لبنان، كان له أسبابه التي يستطيع القارئ تلمسها من خلال السياق، وما يظنه الساسة السوريين هو أن هذا النوع من التآمر سوف يكون مجديا مع الوضع في العراق، ولكن منذ البداية أقول لهم، لقد خاب ظنكم. العراق ليس لبنان وليس الحكومة الفلسطينية المهلهلة، وهناك سبب واحد وواضح لهم قبل غيرهم، وهو وحدة أبناء العراق مهما حاولوا أن يدقوا الأسافين بينهم، فهم أكثر وعيا من أن تطيح بوحدتهم العابا بهلوانية، فالعراقي قد أعطاهم الدرس بالكامل وعلمهم إن الخبث لا أرض له ولا يمكن أن يمر دون عقاب. فالخطة، أو الدراسة السورية المعمقة كما يدعون، تعلن عن ""مخاوف دمشق من احتمال تعرض العراق لثلاث كوارث كبيرة هي احتمال نشوب حرب أهلية، واحتمال تفككه، إضافة إلى احتمال تحوله منطلقا لعمليات إرهابية ضد دول الجوار، الأمر الذي يهدد بتفجير أزمة إقليمية ودولية كبيرة""، ولكن مع كل تلك المحاولات الدامية لم تنشب الحرب ولم يتفكك العراق وسوف لن يحدث ذلك ابدا.
ولكي يخلطوا الأوراق من خلال اعطائهم هذا التقييم المتشائم أكد السوريون للأميركيين ""أن سوريا ليست لديها أية مصلحة في أن تحقق الحركات والقوى الإسلامية المتشددة المؤمنة بالعنف أية مكاسب في العراق إذ إن ذلك يمكن أن يشكل تهديداً للأمن القومي السوري"". وفي واقع الأمر أن لدى سوريا مصلحة كبيرة بدعم القوى الاسلامية في العراق، فهم لديهم مشاريعهم لمحاربة الامريكان والشعب العراقي في آن واحد، فالسلفيين والمتشددين الاسلاميين، كلاهما طائفي ويثير النعرات االطائفية ويبشر بحرب اهلية في العراق، وهذا بالتحديد ما تريده سوريا من هؤلاء الأوغاد، فهم سوف يدقون الأسفين بين الطائفتيين الرئيسيتين في العراق وهذا قد يؤدي فعلا لحرب أهلية، ومن ناحية ثانية فإن نشاطهم سوف يزيد من العمليات التي تعكس وضعا متفجرا في العراق وبالتالي سوف تستطيع سوريا أن تضع ذلك الاستنتاج الخبيث أمام الامريكان والجتمع الدولي لتبني مواقفها. فهذين السببين أقصى ما تريده سوريا من دعم التمرد وتصدير الارهاب للعراق، وليس كما يدعون أن لا مصلحة لهم بدعم الجماعات الاسلامية في العراق.
مربط الفرس (أو رباط الحجي):
بهذه المقدمات وجدت سوريا أن ما يحصل كاف جدا لتكشف عن أهم أهدافها في العراق، فالقيادة السورية قدمت إلى إدارة بوش اقتراحين لمعالجة المشكلة العراقية بوسائل سلمية غير القوة المسلحة، وعلى أساس أن الخيار العسكري لن يحل وحده هذه المشكلة، وإليكم الاقتراح السوري كما تصفه المصادر التي تحدثت عن الدراسة المزعومة بالشكل التالي، ""ابدى المسئولين السوريين استعدادا للعب دور سياسي مباشر في العراق، حيث أنهم أصلا يقيمون علاقات قوية مع زعماء عشائر وقيادات سياسية وأطراف وقوى عراقية مختلفة، ويستطيعون بالتالي لعب دور الوسيط ومساعدة الحكومة العراقية والأميركيين في التوصل إلى حلول سياسية للمشاكل القائمة حاليا، بحيث يكون مقبولا من مختلف الأطراف، على شرط أن يتم وضع العراق تحت مسئولية الأمم المتحدة فعليا، اي فرنسا وألمانيا وروسيا والصين، وبالتالي دول الجوارن وعلى رأسهم سوريا"".
إن ما تقدم ليس استنتاجا، عزيزي القارئ، فإنه كان خلاصة الدراسة المعمقة التي قدمتها الحكومة السورية للأمريكان، وهو فعلا ما اقترحته سوريا على الأمريكان!!!! ويقال أن الامريكان رفضوا الاقتراح.
للبعثيين العراقيين، أود أن أقول أن من يصل به الأمر للإنتقام من أهله وأبناء جلدته، فهو في أسوأ حالات الهزيمة وما هذه الاندفاعة الاخيرة إلا نوعا من الهروب نحو الجحيم الذي لا يرحم.
أما الموقف السوري، فهو سياسة اللعب بالنار، ظنا منهم أن العراق كلبنان، ولكن أنى لغبي ان يتعلم درسا.
hjawahri@mail.com