فرج فودة، أين أنت؟
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
عندي مرض التعلق ببعض الأماكن و الأشخاص إلي حد أحيانا أعجز عن السيطرة عليه، طبيعي جدا أن تجد في أدراجي و مكتبتي مئات القصاصات و التذكارات.. فهذه تذكرة دخول المتحف المصري الذي زرته و أنا في التاسعة و شعرت وقتها "إني فتحت عكا" و لي بهذه التذكرة الحق كل الحق أن أتفاخر علي أصدقائي "لأني شفت راس توت عنخ آمون".. و هذه "زلطة" من معبد الكرنك.. و هذه ورقة شجر من جزيرة النباتات.. و هذا قلم مكتوب عليه اسم فندق... إلي آخرة من قائمة الكراكيب التي لا تنتهي، و لو كانت لي طريقة لتعبئة أريج الهواء أو رائحة الأشخاص الذين أحبهم "في أزايز" لم أكن لأتوانى!!
زرت هيلتون طابا مرة واحدة من سنتين..
لم أقع في هواه من النظرة الأولي، لأنني ما أن دخلته حتى سمعت صوتا غريبا.. جُلت لأستكشف مصدر هذا الوَشّ، فوجدتها طويلة تمتد بارتفاع ثلاث أدوار و تسقط قطرات مائية علي سطح معدني فضحكت علي صوت تلك النافورة الذي يشبه صوت "السيفون اللي بيّملا".. و الدُش الذي علي الشاطئ له سلسلة معدنية تُسحب لأسفل في طريقة تشبه عمل "السيفون" أيضا.. و الذي كلما استخدمته أقف تحته ضاحكة منه مداعبة إياه.
إلا أن هذا الهيلتون الصغير المكير أخذني علي حين غرة، و وجدتني أحبه!! أنا التي كنت قد قررت أن أقلع عن تعلقاتي الطفولية وجدتني بلا أدني مقاومة.. أقفز من بركة إلي أخري.. و من البحر إلي الجاكوزي و من الجاكوزي إلي حمام السباحة ثم إلي البحر و من البحر إلي الدُش السيفون.. "لحد ما بُشت"!!
مرحت فيه و لعبت و تمددت أمام مياهه أقرأ "جين أير" للمرة الخامسة..
قلت فيه بحنين جارف و حب صادق متوهج "جميلة يا مصر.. جميلة"..
هؤلاء الأوغاد لم يقتلوا يهوداً.. بل قتلوا مصر الجميلة.. حتى الصورة التي نسافر سبع ساعات لنري مصر عليها طالتها دناءتهم.
لم يكفهم ما دمروه من النفوس المريضة و العقول المختلة لأبطالنا المغاوير، فذهبوا ليذبحوا عصفورا بريئا طالما أراد أن يزقزق في سماء غمنا و إحباطنا!!
تذكرت الرائع "فرج فودة" و قلت له "فينك تشوف الهمّ اللي إحنا فيها؟ الله يرحمك كنت بتدّن في مالطا، و إن كانت جبال تورا بورا فهمت يكون أشباه البشر دول فهموا.. مقالات مكتوبة من 14 سنة مازالت تعبر عن واقعنا اليوم.. مصيبة!!"..
و هذه مقتطفات من نص كلماته..
← "حسنا، أمامنا حادث إرهاب بشع، دماء ضحاياه ما تزال ساخنة، و أصابع الاتهام فيه تشير إلي قتلة يوسف السباعي و رجال الصاعقة في لارنكا، المواجهون للسياح العزل بكل الشجاعة و الجسارة، المطلقون للرشاشات و القنابل علي الشيوخ و النساء، المحررون لفلسطين عن طريق الإسماعيلية الصحراوي، المدمرون للاقتصاد الإسرائيلي عن طريق ضرب موسم السياحة المصري..
أمامنا حادث قتل أحد عشر (سائحا) إسرائيليا، بيد المغاوير الأبطال النشامى علي أرض مصر الآمنة..
القصد بشع و هو قتل الأبرياء العزل..
و الوسيلة بشعة و هي الرشاشات و القنابل اليدوية..
و اختيار مكان الجريمة أبشع لأنها تمت علي أرض مصر، المدافعة علي مدي تاريخها عن حقوق الشعب الفلسطيني..
هل هناك إرهاب مقبول و إرهاب مرفوض، و هل هناك إرهاب مستحب و إرهاب غير مستحب، و هل الجريمة تبرر الجريمة، و هل الإرهاب يبرر الإرهاب، و ما هو الحد الفاصل بين العنف البطولي و العنف الإرهابي؟
الإرهاب هو الإرهاب، خروج علي الشرعية بالعنف، و الخروج جريمة، و العنف جريمة، ولا يعفي من الجريمة حسن النية، أو روعة القصد، أو نبل الهدف، فالأسلوب وحده هو الفيصل.
من يريد أن يرد علي إسرائيل ينبغي أن يرد عليها داخل إسرائيل، و من يستخدم الرشاشات و القنبلة اليدوية، عليه أن يصوب إلي صدور المسلحين و ليس المدنيين العزل، و من يهرب من وجه جيش الدفاع الإسرائيلي داخل إسرائيل لكي يقتل مدنيين إسرائيليين علي أرض مصر ليس بطلا، بل هو جبان، شانه شأن مختطفي الطائرات و مدمري المطارات، و الذي يسعى إلي تحرير فلسطين عليه أن يبدأ سعيه من القدس و ليس من شبين القناطر، و الذي يفعل كل هذا هو المسئول الأول و ليس الولايات المتحدة و إسرائيل..
لا أدري إلي أي مصير تسير مصر و كيف يأمن الوطن أو المواطن في ظل المزايدات الرخيصة علي الإرهاب؟
المجتمع الذي يفرز الإرهاب علي أساس الهوى هو مجتمع لا مستقبل له.. و اعلموا أن الإرهاب طريق ذو اتجاهين. و أنه إذا كان علي هواكم هذه المرة فقد يأتي علي عكس هواكم في مرة قادمة.. و من يدري.."
كلمات لا أملك معها سوي أن أقول "ربنا يستر"..
من أين أتي هذا الاختلال الذي لا يميز بين الشيء و ضده؟ و متي أصبح المصريون بتلك الدموية التي تري "نصرا مبينا" في مصيبة ناقعة و بلوى سوداء؟؟
أي شيطان هذا الذي يسلب من الشخص إنسانيته ليحوله إلي ثور هائج و جرار كاسح لا يفكر ولا يمنطق الأمور؟؟
أصبح داخلنا خرابا ينعق فيه البوم، أي مسخ يا تري سينتجه هذا الخراب؟
ماريان جورج- مصر.