أصداء

توازن الرعب غير توازن القوى!!

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

مراجعة البرامج والسياسات ليست دائما علامة ضعف!


لا يمكن قراءة المشهد السياسي الفلسطيني مع بداية العام الخامس للإنتفاضة الفلسطينية الثانية، إلا بالتذكير بالعلامات الفارقة بينها وبين الإنتفاضة الأولى التي إستمرت قرابة الثماني سنوات. أهم هذه الفوارق:
أولا: الإنتفاضة الأولى، كانت إنتفاضة شعب ضد الإحتلال الإسرائيلي، تشكلت لها عبر الممارسة النضالية الميدانية قيادة موحدة، كانت توجه كافة فعالياتها السلمية، بدون إطلاق أية رصاصة على قوات الإحتلال المدججة بكافة أنواع السلاح، مكتفية بسلاح سلمي إحتجاجي، هو الحجارة، ولتأكيد طابعها السلمي، أطلق عليها الإعلام الغربي المناصر لإسرائيل عادة، إسم ( إنتفاضة الحجارة)، وقد نجحت هذه الإنتفاضة في تقديم صورة الشعب الفلسطيني على أنه شعب مسالم يرزح تحت نير إحتلال وحشي، لابد من إنهائه، خاصة أن البرنامج السياسي الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، كان عقلانيا في مخاطبته للرأي العام العالمي، عندما أعلن المجلس الوطني الفلسطيني في دورته المنعقدة في الجزائر عام 1988، قيام دولة فلسطين على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، إنسجاما مع قرارات الأمم المتحدة التي إعتبرتها أراض محتلة. وقد كان من تأثيرات هذه الإنتفاضة وتصاعد التأييد العالمي لها، أن إعترفت دولة إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية، عبر إعتراف متبادل نتج عنه إتفاقية أوسلو عام 1993، التي أيا كانت التحفظات السلبية عليها وهي كثيرة، إلا أنها نجحت في وضع القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية، وأصبحت من القضايا ذات الأولوية رغم تراجعها في الإهتمام الدولي عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبرلعام 2001، كما أن هذه الإتفاقية نجحت في إعادة ما لايقل عن مائة وخمسين ألفا من الفلسطينيين من المنافي العربية والغربية إلى مناطق السلطة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية.
ثانيا: الإنتفاضة الثانية التي عرفت بإسم ( إنتفاضة الأقصى )، التي إندلعت عقب زيارة شارون للمسجد الأقصى في التاسع والعشرين من شهر أيلول لعام 2000، بدأت إنتفاضة سلمية في شهورها الثلاثة الأولى، ثم بدأت عبر تطورات معروفة عسكرتها، وتدريجيا إنخرطت في الفعاليات العسكرية العديد من التنظيمات الفلسطينية، بما حركة فتح، تنظيم السلطة الحاكمة عبر ماتم تشكيله بإسم ( كتائب شهداء الأقصى ). لا يستطيع المراقب الخارجي أو لايملك الحق في أن يلوم شعب من الشعوب على لجوئه لوسيلة نضالية دون غيرها، ولكن من الحكمة مراجعة الأساليب النضالية من حين إلى آخر، حسب تطورات العملية النضالية نفسها وإنعكاسات التطورات الدولية عليها....إلى ماذا تقودنا هذه المراجعة؟.

1. إن عسكرة الإنتفاضة خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية، حققت بجدارة( توازن الرعب ) مع جيش الإحتلال الإسرائيلي، ورغم أن الخسائر البشرية والمادية الفلسطينية عشرات أضعاف الخسائر الإسرائيلية، إلا أن الرعب الذي أحدثته الإنتفاضة في حياة المجتمع الإسرائيلي، لايقل مطلقا عن الرعب في داخل المجتمع الفلسطيني، فالرعب لايقاس بكميات الدماء والدموع المسالة، ولكنه حالة نفسية إجتماعية يعيشها المجتمع في صحوه ومنامه إن أستطاع أن ينام!!. إلا أن توازن الرعب غير توازن القوى المائل لصالح جيش الإحتلال بنسبة ضوئية، وإذا كان توازن الرعب قد تحقق في ثلاث سنوات، فضمن المعطيات الحالية فإن توازن القوى من غير المؤمل تحقيقه في عشرات السنين، وأكرر ضمن المعطيات الحالية. 2. كانت الأصوات التي طالبت بوقف عسكرة الإنتفاضة في عام 2001، أصوات محدودة للغاية، وأتذكر أنه في ديسمبر من عام 2001، عندما شاركت في برنامج (الإتجاه المعاكس) بقناة الجزيرة، وتبنيت صراحة وبوضوح رأي وقف عسكرة الإنتفاضة أمام محاوري أبو خالد العملة، كان مؤيدي رأيي قلة، وبشكل خجول خائف، ولكن بعد عامين تقريبا، أصبح رأي وقف عسكرة الإنتفاضة تيارا فكريا سياسيا في ساحة النضال الفلسطيني، وفي إحدى البيانات حول هذا الرأي وقع عليه حوالي مائة وخمسن مثقفا وسياسيا فلسطينيا، من بينهم وزراء في السلطة الفلسطينية و أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني. 3. إن المتغيرات الدولية بعد الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001، وما أعقبها كما سمّي الحرب على الإرهاب، جعل الفهم العالمي لعسكرة الإنتفاضة يشوبه غموض وخلط كبيرين ليسا لمصلحة النضال الفلسطيني، وأسهم في ذلك إطلاق تسميات كبيرة على أسلحة يدوية متواضعة للغاية، فالفلسطينيون والإسرائيليون يعرفون ميدانيا ونتائجيا ماهي صواريخ القسام، ولكنها أصبحت في القولبة الإعلامية العالمية، وكأنها صواريخ سكود أو توماهوك، وساعد في هذه القولبة الإعلامية، تكرار قوى في الجانب الفلسطيني لموضوع تطوير هذه الصواريخ، فأصبح لديها القسام 1، والقسام 2، والقسام 3...إلخ. 4. نتج عن ذلك وعن تطورات أخرى معروفة، غياب كامل للسلطة الفلسطينية في كافة الميادين السياسية والأمنية والإجتماعية، وأصبحت السلطة غائبة تماما عن الشارع الفلسطيني، الذي أصبح مسيطرا عليه من التنظيمات ومن شخصيات وراءها مراكز قوى، وقد ظهر غياب السلطة ميدانيا في الشهور الأخيرة عبر حالة الفوضى والحرق والخطف التي طالت مسؤولين أمنيين كبار، يفترض أنهم وقواتهم الأمنية من يحافظ على أمن الناس، ويحولون دون خطفهم، وقد تمركزت السلطة الفلسطينية وراء أفعال: نستنكر...ندين...نطالب...نرى....نتوقع.... 5. هذه الفوضى الأمنية، كان الأخطر منها فوضى الأداء السياسي، فقد أصبح من غير المفهوم دوليا وأيضا عربيا، أن هناك تنظيمات تمارس العمل المسلح، والسلطة تدين بشكل متواصل هذا العمل في بيان واحد جاهز لكل الإدانات، وهو (تدين السلطة الفلسطينية هذه العملية ضد المدنيين الإسرائيليين، وهي ضد العمليات التي تستهدف المدنيين الفلسطينيين)، متناسين أن هذا النوع من الشجب أفقد السلطة الكثير من مصداقيتها في الدوائر العالمية، لأن من هو ضد هذه العمليات ويعتبر نفسه سلطة رسمية حاكمة، مطالب حسب الأعراف الدولية أن يمنعها، وإن إستمر جيش الإحتلال في ممارسته نفسها، فإما أن يشتكيه للمحافل الدولية، أو يعلن عن أنه سوف يستعمل نفس أسلوب جيش الإحتلال، وهو العمل العسكري، وكان هذا من شأنه أن يجد تفهما أوسع في المحافل الدولية، بدلا من الإسلوب الحالي: تنظيمات تمارس العمل العسكري والسلطة الرسمية ندينه وتشجبه، إلى حد أن بعض الصحف أطلقت على وزير فلسطيني لقب ( وزير الشجب)، لأن الغالبية العظمى من تصريحاته للفضائيات: ( نشجب.......). إزاء المقارنة السابقة بين إنتفاضتين ونتائج كل منها، أصبح من المنطقي والنضالي، مراجعة التجربة النضالية الفلسطينية، والمراجعة ليست دوما علامة تراجع أو ضعف، لأنه لايوجد نضال في العالم هدفه الإستمرار في تقديم الضحايا والأسرى والمعوقين وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي، ولكن كل ذلك من أجل الوصول إلى هدف سياسي، وهو في الحالة الفلسطينية: زوال الإحتلال وقيام الدولة الفلسطينية. وحسب رؤيتي السياسية عبر المقارنة السابقة، لو سئلت: كيف ترى نتائج هذه المراجعة المطلوبة، لقلت:

إن الوضع الدولي الذي لا يسير لصالح النضال الفلسطيني الحالي، يتطلب قفزة نوعية، تقلب الطاولة السياسية وما عليها من أجندات، وذلك عبر إتفاق فلسطيني شامل، تنظيمات وسلطة، على وقف كامل للإنتفاضة المسلحة بكل أشكالها وفي كل المناطق، عبر تصريح علني واضح بكل اللغات وفي كل المحافل المحلية والعربية والدولية، لنعيد القضية إلى مجراها الحقيقي: شعب تحت الإحتلال، يقاوم بالطرق السلمية المشروعة دوليا، وعلى العالم وقواه الكبرى أن يتحمل مسؤوليته لتخليص هذا الشعب من الإحتلال وممارساته غير الإنسانية.....فهل نجرب هذه الوسيلة، بعد أن جرّبنا عسكرة الإنتفاضة السنوات الثلاثة الماضية، ورأينا وعشنا ئتائج ذلك ميدانيا؟.مع التأكيد أن هذه وجهة نظر للنقاش، لاتلزم أحدا، ولا تستدعي ماهو سائد من تخوين وتكفير، فصاحبها أيا كان إسمه، مجرد طارح لفكرة، ولا يملك القوة لتنفيذها رغم أنف الجميع....فكرة مطروحة للنقاش...هل نفكر؟. وهل نجرب لنرى النتائج، كما رأينا نتائج أفكار وممارسات أخرى؟؟!.
Ahmad64@hotmail.com

د. أحمد أبومطر، أوسلو

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف