مفاهيم خاطئة في قضايا التعليم
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
مواطنون ومسؤولون يعرضون أحيانا مفاهيم غير دقيقة عن قضايا التعليم، تُظهر الجهل بواقع مهنة التعليم فكرا وممارسة، اولها:
فئة تتخيل أو تفترض ان القصور سببه المعلم كشخص، وبالتالي توجه دعوات الاصلاح والملاحظات النقدية للمعلم بصيغة المفرد فيقال مثلا: على المعلم ان يوجه وينمي ويربي ويعمل كذا وكذا، ولا يدري هؤلاء ان دور المعلم في نظامنا التعليمي جر العربة، وهو مغمض العينين تماما، فليوجَه النقد لمن بيدهم الأمر في وزارة التربية 0
ثانيا: التفسير السطحي للتغيرات في مهنة التعليم ؛ فمنهم من يشير الى تراجع هيبة المعلم ومكانته الاجتماعية بسبب منع الضرب، وكأن الضرب كان قانونا في الماضي، يعطي المعلم هيبة ومكانة، وفي الحقيقة ان قيمة وأهمية المعلم لم تكن سبب العقوبة البدنية واستخدام العصا، بل، على العكس من ذلك، ان ضرب التلاميذ يسيء للمعلم ويحط من قدره واعتباره الشخصي ومنزلته الاجتماعية، وشيوع ظاهرة الضرب سابقا كانت بسبب مفاهيم تربوية عامة كانت مقبولة اجتماعيا، فالأب والأم والعم والخال وكل أفراد الأسرة كانوا يمارسون ضرب الأطفال وحتى النساء كوسيلة تربوية وطريقة عملية لحل المشكلات، أما الآن فلم تعد العقوبة البدنية من الأساليب التربوية في الأسرة، وهذا تطور اجتماعي محمود 0 بل ان المدارس ونظمها أصبحت حاليا دون مستوى تقدم المجتمع، فتبدو أساليب المدارس قسرية اكراهية لفظا وممارسة، بينما الأسرة اكثر تسامحا وحرية واقرب الى الحداثة من المدرسة 0 والقيمة الاعتبارية للمعلم كان لها أسباب موضوعية لم تعد الآن كما كانت: اولها انه لم يكن يلتحق بمهنة التعليم الا الأذكياء النجباء الذين كانوا يتجاوزون كل ظروف الحياة الصعبة آنذاك من اجل متابعة تعليمهم الذي كان يحملهم مشاق لا يطيقها الا النوابغ والعصاميون وأقرانهم 0
أما حاليا، وقد وفرت الدولة الأردنية مدرسة في كل حارة، وجامعة أو اكثر في كل محافظة، فلم يعد التعليم يتطلب قدرات فطرية مميزة، وأصبح سهلا ميسورا، بل أصبح متاحا للجميع وهذا أمر جيد للمجتمع وتقدمه، لكن فرز المهن لم يعد في صالح مهنة التعليم، التي كان من المفروض ان تحافظ على فرصتها في توظيف المُميزين في صفوفها، ولان المهن تعددت وتوسعت أفقيا وعموديا، فالمنطق فرض ان يتوجه أفضل الطلبة الى أفضل المهن وأكثرها مردودا، وهذا قانون عام في كل زمان ومكان ولا يمكن للأمنيات ان توقف عمله وتلغي تأثيره، ولهذا لم تعد مهنة التعليم منافسة لغيرها من المهن، بل وخرجت من السوق نهائيا، وأصبح زبائنها هم الوسط أو ما دون الوسط، وكل محاولات التدريب والتأهيل أثناء الخدمة لن تجدي نفعا ما دامت المادة الخام اقل من المتوسط 0
ثم ان واجبات المعلم داخل المدرسة ابعد ما تكون عن الصفة الأكاديمية العلمية بسبب عدم تصنيف الوظائف، وكذلك بسبب تكليف المعلمين بأعمال غير لائقة كحراسة الأبواب والساحات وتجميع القمامة 00 الخ 0 وظروف العمل الاعتبارية أسوأ ما تكون، حيث يُحشر خمسون معلما أو اكثر في غرفة واحدة وقوفا بلا مقاعد وكأنهم في محطة باصات، ويعمل المعلمون بعد الدوام في مهن وأعمال واختصاصات تتناقض مع مهنتهم، ونحن إذ نحترم جميع المهن والأعمال، لكنه من غير اللائق خلط المهن، فالمعلم الذي يمضي بقية يومه في " دكيكينته " الصغيرة في الحارة لا يُنظر له كمعلم متميز صاحب علم ومعرفة، فالتاجر يتميز بأمانته وصدقه، والمعلم بعلمه، والطبيب بمهارته، والمهندس بجمال صنعته، ولا يمكن لأحد ان يتميز باختصاص الآخر 0 فالمعلم الذي يصبح زبوناً دائما في سوق الحلال ( بيع الأغنام ) أو في سوق " الحرامية " في سقف السيل، لا يمكن ان يحظى باحترام المعلم، ولا يمكن ان يكون مقنعا كمعلم، والأصل ان نوفر لكل مهنة استقلالها واعتبارها، وبالتالي فان زيادة الرواتب بالكسور العشرية أو تقريع الطلبة بالسوط كما هو حاصل حاليا لا يمكن ان تغير في الواقع شيئا 0