حين يشطب خضير طاهر على الهوية الوطنية العراقية..!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يطلق بعض الكتاب – مأخوذين بحمية وحماسة عاطفية غالبا – احكاما بالغة الخطورة، لاتستند الى شىء من التحليل العلمي ولا تدعمها اسانيد تؤيد احكامها المطلقة، التي لاتجرؤ على اطلاقها مراكز البحث العلمي المتخصصة وفرق باحثيها،بل ان بعض الكتاب لايتورع عن الشطب على حقائق تاريخية كبرى، بلمسة " رقيقة" على ازرار لوحة مفاتيح الكمبيوتر بعد ان صار القلم والورق ضربا من المجاز، كل ذلك في سبيل تعزيز فكرة تداعب مخيلة الكاتب وهو يرتدي رداء الباحث العلمي في الاجتماع او السياسة او الاقتصاد أو علم النفس،أو كلها معا، ولايتورع كتاب من هذا النمط عن لي الحقائق واللجوء الى التدليس وصولا الى تأكيد " الحقائق" الكبرى التي يسعون الى إطلاقها أو الترويج لها لتكريس الهدف الذي سيأتيك – ايها القارىء- لاحقا، ويحضرني هنا الكتاب الذي ألفه عضو سابق في القيادة" القومية" لحزب البعث عن تأريخ العنف في العراق والذي كرسه كاملا في محاولة للبرهنة على ان الشخصية العراقية في حالتها الاعتيادية انما هي شخصية عصابية لاتعرف غير العنف سبيلا، وانها مؤسسة على القتل والدمار ولاتعيش سويتها الا بالاستمتاع بسفك الدماء والتلذذ بمرآها، لا اريد هنا ان اناقش ذلك الكتاب بضحالته وهشاشة افكاره وطروحاته ومنهجه في وضع الافكار وتطويع المعلومات "وحتى تزويرها وخبنها وترتيبها لتسند " الافكار والاستنتاجات" المزعومة المتهالكة، فهو جزء من محاولات كثيرة تتعلق بالشأن العراقي وكلها تصب في مجرى محاولة تشويه الشخصية العراقية بحجة التحليل النقدي والمراجعة العلمية والمكاشفة الموضوعية. ومن هذه المحاولات نطالع ماكتبه السيد خضير طاهر في " ايلاف" بتاريخ 30 اكتوبر تحت عنوان " هزيمة الوطنية العراقية" وهو مقال يمكن فهم نواياه ومبررات كتابته حينما نصل الى فقرته الاخيرة التي يقول فيها السيد طاهر:
"إن المنطق، ومصالح العراق العليا تفرض على جميع الشرفاء، وليس الغوغاء، المطالبة بوضع العراق تحت الوصاية الامريكية المباشرة لمدة طويلة، وتعطيل قانون ادارة الدولة الموقت، فالوصاية الامريكية على العراق هي فرصة ذهبية كبرى لتجاوز مأزق فشل المجتمع العراقي في قيادة نفسه، والمحافظة على وحدته، وتوجيه بوصلته صوب المسار الصحيح."
وإذ نتساءل مرغمين عن "هوية الغوغاء" الذين يستثنيهم الكاتب من خطابه المطالب بالانصياع لفكرة " الوصاية الاميركية المباشرة" نجد ان الكاتب الذي يشير الى "جميع الشرفاء"..! انما يلغي الشعب العراقي الذي لايؤمن بوجوده أصلا، ومن ثم يشطب بـ "لمسة رقيقة" اخرى على هؤلاء الشرفاء في اجترار لمنطق الدكتاتورية في تقسيم المواطنين الى شرفاء و"...."!!. بعد ان لم يدّخر احدا من الاحزاب والحركات السياسية ورجال السياسة والدين دون ان يتهمه بانتاج" أوهام وجود تاريخ وطني للمجتمع العراقي الحديث" فهو بعد ان يصب جام غضبه على الجميع، ينسى انه لم يبق احدا خارج دائرة الاتهام والالغاء ليمكن له ان يوجه ايه خطابه التنويري هذا، فالنخب فاسدة مدعية، والجموع غوغاء لاهوية لها..والاحزاب عميلة وخائنة، حيث الحزب الشيوعي العراقي خائن وعميل واعضاؤه كانوا – طوال حياتهم-عملاء للمخابرات الروسية وولاؤهم كان للاتحاد السوفيتي وليس للعراق، ومن استشهد في أقبية القمع والطغيان، قتل دفاعا عن الشيوعية لا العراق..! والتيار القومي كان –طول حياته- عميلا للمخابرات المصرية او السورية، وكذلك الامر مع الحركة الكردية التي تناصب العراق العداء، وكذلك فان التيار الشيعي عميل المخابرات الايرانية، وأما التيار السني فهو عميل للمخابرات السورية وايتام صدام..! من تبقى إذا؟... لاأحد!
لايكلف السيد طاهر نفسه عناء تحليل المأزق العراقي ونقد الظواهر السلبية في المجتمع العراقي والحياة السياسية ولايأبه كثيرا بالاسباب والظروف الموضوعية والذاتية ولا المصالح الكبرى والاعيبها فهو في سبيل تأكيد واثبات النتائج التي يضعها مسلمات لايمكن نقاشها يقفز على المقدمات، وهو في تشخيصه للمحنة العراقية لايقف – لاطويلا ولا قصيرا- عند الاسباب ولايمنح اهمية للظروف الموضوعية التي مرت بها القوى السياسية في العراق والعراق ذاته، بل يكتفي بتوزيع انواط الخيانة على الجميع ثم يلتفت الى الشعب ليطلق رصاصة الرحمة على الامة العراقية واصفا المواطنين بالغوغاء ومتملقا " الشرفاء" الذين لانعرفهم بعد ان لم يُبق ِ لنا شريفا واحدا يمكن لنا ان نشير اليه!!، غير ان مفهوم السيد طاهر واسع وفضفاض في ما يخصه بشأن الوطنية، فالدعوة الى التشبث بـ" وصاية أميركية مباشرة" ليست خيانة، بل انها كما يبدو نوع من الواقعية والتفكير البراغماتي الخلاق، والا فان من لايرى رأيه معرض للاتهام بالسذاجة والافتئات والعيش بمجاورة الوهم الوطني الجميل والكاذب..!
ان السيد طاهر في سبيل اثبات وتعزيز وجهة نظره يكتفي بالغاء اعظم مآثر الوطنية العراقية التي لايعترف بها دون ان يقدم لنا ما يعزز فكرته او يسندها علميا وحتى تاريخيا بالفكرة او التحليل او المعلومة، فهو يستسهل الشطب والالغاء على حركة مثل ثورة العشرين بدعوى انها في حقيقتها لم تكن سوى نزاع على المغانم بين رؤوساء العشائر وشيوخها، بلى ان هذه الحركة قد شابها الكثير من الاخطاء ولم تنج من تدخلات العناصر التي تسعى لتأمين مصالحها وامتيازاتها، لكن هذا لايسقط تضحيات ودوافع النخب السياسية والثقافية التي اسهمت فيها ولا يقلل من دورها وتأثيراتها في صياغة ملامح العراق السياسي باخفاقاته ونجاحاته..، انه يقفز من الاسباب الى بعض النتائج وهكذا يكون التحليل العلمي الدقيق، مثلما يحيل دماء الضحايا التي هدرت على مذبح حرية العراق الى " بولة بشط" كما يقول المثل العراقي!! وهكذا يشير الى ضحايا وثبة تشرين ووثبة كانون والانتفاضات الفلاحية وضحايا الفاشية البعثية في شباط1963 وصولا الى تضحيات العراقيين جميعا في مواجهة فاشية الاستبداد البعثي الغاشم ليحيلها الى مجرد "اعدامات " لخونة تجسسوا لمخابرات اجنبية ضد وطنهم وشعبهم الذي لايعترف به الكاتب ويطالب بوضعه تحت الوصاية الاميركية الرشيدة بوصفه " قطيعا قاصرا"؟؟!
لاادعو السيد خضير طاهر ان يتخلى عن روح البحث الموضوعية ولا عن المنهج النقدي في فحص وقراءة الظاهرة الاجتماعية او السياسية فهذا مايحتاجه العراقي وماينبغي ان يكون تقليدا اساسيا في تناول موضوعات حياتنا، لان تغييب هذا النهج العلمي الموضوعي قد اضاع علينا الكثير من فرص التقدم وهو الامر ذاته الذي انتج الدكتاتورية والاستبداد واغرق العراق في ظلام الاكاذيب والتواطؤ ضد الذات بدعاوى مختلفة دفع العراق ثمنها غاليا من دماء ابنائه ومن فرص تقدمه،،لكنني اقول له: انظر بروية ايها العراقي النبيل والشريف الى مافعلت بشعبك وما وصمته به.. انظر –بلا عواطف مائعة- الى منجز العراقي الحضاري والى هويته التي استوعبت جميع حملات الغزو البربري الى العراق وكيف دجنت الغزاة وصهرتهم في بوتقة الهوية العراقية التي تنكرها..!
http://www.elaph.com/AsdaElaph/2004/10/18780.htm