الفلسطينيون بين تعنت الرئيس وأنياب حرم الرئيس
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
طغت أنباء الصراع بين السيدة سهى عرفات والقيادة الفلسطينية على عناوين الأخبار الصادرة خلال اليومين الأخيرين، لدرجة جعلت الاهتمام بصحة الرئيس عرفات في الدرجة الثانية، إن لم نقل الثالثة.
تفجر الصراع الذي بدأ خفياً بادىء الأمر حين أعلنت السيدة سهى عرفات عن معارضتها الصريحة والواضحة زيارة كبار المسؤولين الفلسطينيين (أبو مازن وأبو علاء ونبيل شعت) العاصمة الفرنسية للوقوف على حقيقة الوضع الصحي لأبو عمار، ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل فجرت زوجة الرئيس قنبلة حين اتهمت هؤلاء بأنهم "حفنة من المستورثين (...) يحاولون دفن أبو عمار وهو حي"، وتحدثت عن "مؤامرة" لتنحيته، مستنجدة "بالشرفاء والشعب الفلسطيني".
ما صدر عن سهى عرفات هو محصلة في الحقيقة للأزمة الكامنة بينها وبين الوفد المرافق لعرفات، والتي طفت على السطح بشكل مثير منذ دخول أبو عمار المستشفى الباريسي. قد يبدو الأمر طبيعيا لو صدرت هذه التصريحات عن زوجة كانت رفيقة درب زوجها في أحلك الظروف، خاصة بعد فرض الحصار على مقره في رام الله، ولم تتخلى عنه مُفضِّلة حياة الرغد والترف في باريس، في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الفلسطيني ضروبا من الفقر والقهر والحرمان.
يكفي أن نتذكَّر أن السيدة عرفات التي عُرفت بأنها من مرتادي الصالونات الباريسية الفخمة ومن الزبائن الأوفياء والسخيين للمحلات الباريسية الراقية لم تر زوجها لمدة ثلاث سنوات، تم تأتي الآن لتستنجد "بالشرفاء وبالشعب الفلسطيني" وتتحدث عن "مؤامرة". أي مؤامرة تعنين يا سيدة سهى؟ الأكيد أن العديد من المؤامرات تحاك حاليا سواء في باريس أو في الأراضي المحتلة أو في واشنطن أو تل أبيب أو حتى في بعض العواصم العربية، لكن حرم الرئيس آخر من يحق له أن يتحدث عن "مؤامرة".
لعل السيدة سهى عرفات تقصد بالمؤامرة ما تعتقد أن القيادات الفلسطينية التي تخطط لاحتلال كرسي عرفات، ستُقدِم عليه لحرمانها من المبالغ الخيالية التي كانت تُحوَّل إليها في باريس من أموال الفلسطينيين المقهورين على أمرهم والمخدوعين من قادتهم قبل أعدائهم. بحسب ما تداولته وسائل الإعلام العربية والعالمية، فإن السيدة عرفات كانت تتلقى شهريا مبلغا بآلاف الدولارات، 35 ألف دولار بحسب بعض الروايات و100 ألف دولار بحسب روايات ثانية و150 ألف دولار بحسب رواية ثالثة وربما أكثر من ذلك.
السيدة عرفات استنجدت "بالشرفاء وبالشعب الفلسطيني" ليحمونها ممن تعتقد أنهم سيحرمونها حياة الترف والرغد التي اعتادتها في باريس، وللآسف على حسابهم. استغلالها القانون الفرنسي لمنع أيٍ من زيارة زوجها كانت في الحقيقة مناورة لفرض الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني وعلى قياداته وتعليق مستقبله إلى حين تلقيها ضمانات كافية بشأن تسوية مالية مع خلفائه، تقضى بعدم إيقاف تدفق أموال الفلسطينيين إلى باريس حتى تضمن نمط حياتها "الراقي".
أما السيد عرفات فقد رهن مستقبل فلسطين بشخصه حين رفض رفضا قاطعا تعيين نائب له أو التطرق إلى مسألة خلافته- عكس الزعماء العرب الأخرين الذين يرسخون أقدام أبنائهم على كراسي الحكم وهم على قيد الحياة-، وكان يعلِّل هذا الرفض بترديده عبارة "إنهم يريدون أن يورثوني وأنا ما زلت حياً"، وحقيقة الأمر لم يكن الأمر يتعلق بالثوريت أكثر من ارتباطه بنظرية التآمر التي كانت تؤرق منام عرفات.
بكل عقلانية وبعيداً عن العواطف والأحاسيس، يجب أن نعترف أن درجة الترقب والضبابية مرشحة للمزيد داخل المشهد السياسي الفلسطيني بسبب غموض الحالة الصحية للرئيس الفلسطيني -هذا إذا لم يكن قد مات بعد- وعدم اتضاح أفق مرحلة ما بعد عرفات. غياب السيد الرئيس يطرح أكثر من سؤال وعلامة استفهام بحاجة إلى إجابات سريعة وشافية.
أول الاستفهامات تتعلق بالمسائل المالية، فعلينا أن لا ننسى أن عرفات كان محتكراً للسلطات المالية كلها، وأن الأرصدة المالية في الخارج مودعة في حسابات مصرفية باسمه، وهو ما يطرح سؤال من سيكون الورث الشرعي لهذه الثروة التي تُقدَّر –بحسب بعض المصادر- بملايين الدولارات؟ هل ستؤول إلى السيدة سهى عرفات؟ أم ستستردها السلطة الفلسطينية؟ وفي حال استردتها السلطة الفلسطينية، هل ستُسخَّر للشعب الفلسطيني ومصالحه، أم سيتقاسمها خلفاء عرفات في الخفاء وقبل أن تصل إلى الأراضي الفلسطينية؟
أما السؤال الثاني فيتمثل في معرفة المكان الذي سيُدفن فيه عرفات، هل سيدفن في القدس، أم لا؟ وفي حالة النفي، أين سيدفن؟ بخصوص هذا السؤال، من التهور استباق الأحداث والجزم بمكان دفن عرفات، فالكل يعلم أن شارون هو صاحب القرار والبث في هذه المسألة.
الغموض الثالث الذي يكتنف مرحلة ما بعد عرفات يكمن في معرفة من سيخلفه على رأس السلطة الفلسطينية، ولعل لهذا السبب لم تبادر القيادات الفلسطينية إلى إنهاء حياته قبل أن يتم تحديد الخليفة أو الخلفاء المقبلين. الحديث عن مرحلة ما بعد عرفات يقودنا إلى طرح سيل من الأسئلة التي لا تقل أهمية عن معرفة اسم من سيخلفه، أسئلة من قبيل: كيف سيحسم أمر الخلافة وعلى أي أساس؟ وما هي الشرعية التي سيستند إليها من يتنافسون على خلافة أبو عمار؟ وهل سيتم استفتاء الشعب الفلسطيني؟ وما هي حدود السلطات والصلاحيات التي ستُمنح لخليفة عرفات؟ وكيف ستتم عملية الانتقال؟ وما السبيل إلى تجنب احتمال الفوضى والإنفلات الأمني الذي قد يعصف بالمنطقة، بحكم التعقيد الذي يطبع البيت الفلسطيني؟ وهل سيتم إشراك الفصائل الفلسطينية كلها، أم سيتم الاكتفاء بالفصائل التي تحظى بمباركة الأب بوش والأب شارون؟
عبدالرزاق بنـــان فــــلالي
كـــاتب مـــغربي
الدوحة – قطر
banane_filali@hotmail.com