أصداء

القومية العربية.. تاريخاً، وواقعاً، ومستقبلاً

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

موضوع متشابك، والحديث فيه يطول، ففيه كُتبت كتب، وحوله ثار الجدل، بالأمس كما هو اليوم. والملاحظ أن ما كُتب في الماضي القريب وما يُكتب اليوم عن حقيقة علاقة مصر - أو غيرها من أقطار أخرى في شرقنا "الفسيفسائي" - والقومية العربية، قد كُتب من منطلقات إيديولوجية سياسية حديثة، قامت على قناعة أملتها ظروف تاريخية، ولم تكن - في الواقع - أكثر من أداة تعبئة جماهيرية لشحذ الهمم، تحقيقاً لأهداف وطنية مشروعة أو سعياً لوحدة عربية سياسية، دون توفر شروطها الموضوعية ومتطلباتها الواقعية المادية.
وقبل أن أفصل وأفسر ما ذكرت، أرى أنه من الضروري العودة بالتاريخ للكشف عن بداية ظهور أيديولوجية "القومية العربية"، بمفهومها الحديث، فالحقيقة العلمية تعلن بوضوح أن فكرة "القومية العربية" لم تقم - في الواقع - أصلاً إلا في شكلها الثقافي، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكان ذلك على أيدي مسيحي الشام، في مواجهة الخلافة العثمانية التي أذلت شعوب الشرق وطوائفه على تنوع انتماءاتها العرقية والثقافية والدينية. ( أنظر: د. محمد كامل ضاهر، الصراع بين التيارين الديني والعلماني في الفكر العربي الحديث، دار البيروني، بيروت: 1994، ص 212- 213).
ونأتي الآن إلي فترة أوج توظيف إيديولوجية "القومية العربية" في تاريخنا الحديث، والتي بدأت فعلا بتكتل بعض الدول العربية – دون استعداد كامل - لمواجهة إسرائيل عند نشأتها عام 1948، وكانت المأساة. ثم تلا تلك "اللحظة" التاريخية اتساع رقعة المد "الإيديولوجي التعبوي العربي" خلال فترة حكم جمال عبد الناصر، على الرغم من العداوة التي سادت بين نظامه وأنظمة عربية "شـقيقة"! وكانت أن توالت الهزائم والنكسات.
وسؤالي للمثقفين والسياسيين الذين يتباكون اليوم على القومية العربية الممتدة من "الخليج إلي المحيط": "هل كانت تلك الأوضاع تترجم بحق عن وجود قومية عربية حية ومؤثرة؟!"
الحقيقة، والواقع المعاش، كما أشرت في البداية، أن تلك "القومية" لم تكن قائمة – في عصرنا الحديث – إلا على خطاب إيديولوجي اعتمد إثارة الجماهير وشحذ هممهم، بينما كانت الأنظمة الحاكمة وشعوب تلك المنطقة منعزلة عن بعضها البعض، ومتخلفة في كل نواحي الحياة المجتمعية والسياسية والاقتصادية. لذلك لم تكن مفاجأة أن نرى دولا أخرى – خارج نطاقنا الجغرافي والثقافي – تتقدم بخطى سريعة نحو الاستقرار والرفاهة والتوحد الإقليمي، بينما كانت "الأمة العربية" المزعومة تحلق في سماء التمنيات وتواصل اجترار أمجاد أمة غابرة، كانت قد خرجت يوما ما من نطاقها الجغرافي (في الجزيرة العربية) لتبني إمبراطورية عسكرية ولت وانتهى وجودها ليصبح اليوم مجرد تاريخ.
أضف إلي ذلك حقيقة هامة أخرى، بل هو واقع تمتد جذوره في تلك المنطقة العربية (ثقافيا)، ويتمثل في تعدد القوميات والثقافات والأديان والمذاهب. وهو واقع لم يتمكن منظري ومؤيدي القومية العربية من التعامل معه بشكل إنساني ديمقراطي يتناسب من العصر؛ أي من خلال الاعتراف به كمكون حضاري ينتمي إلي نفس الأسرتين "الحامي - سامية". إنما على العكس حاولوا طمسه، بل – وفي حالات كثيرة – محوه بكل الوسائل بما فيها الإبادة، سواء من خلال الحروب العسكرية أو الثقافية. الأمر الذي كلفنا مئات المليارات على مغامراتنا الفاشلة في اليمن ( أوائل الستينات من القرن الماضي)، وفي جنوب السودان ( لأكثر من عشرين عاما)، وفي لبنان (في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين)، وفي الخليج (في الثمانينات والتسعينات من ذات القرن)، وفي العراق ضد الأكراد ( في الثمانينات من القرن الماضي أيضا)، وفي شمال أفريقيا ضد البربر، في السنوات الأخيرة من القرن الماضي وحتى اليوم، بالإضافة إلى ما حدث للأقباط في مصر، خلال ما يقرب من نصف قرن.
والجدير بالذكر، أن ما تكلفناه في تلك الحروب والمعارك، من مال وبشر، قد زاد بكثير عما تكلفناه في حروبنا مع إسرائيل، من ذات المنطلق "القومي العربي" الهش، ومن بعد ذلك من خلال المنطلق "الإسلامي الجهادي" البالي المناهض لروح العصر والعاجز عن مخاطبة العقل والانفتاح على المحيط الإنساني الذي نسي تماما شرعية الحروب الدينية، سواء كانت إسلامية أو صليبية.
فمثل هذه الاتجاهات، أصبحت اليوم "عنصرية"، فالحروب العادلة لا تحركها أديان أو قوميات، إنما تحركها حقوق إنسانية مستلبة، تدعمها القوة الذاتية وطلب الدعم الأدبي من الضمير الإنساني كله، بالاحتكام إلي ضمير محبي السلام والعدل، من كل الشعوب والأمم. وهو طريق لم نطرقه بعد بكفاءة ووضوح وإخلاص، الأمر الذي عزل قضايانا عن مجالها الإنساني بين أكثر شعوب العالم.
أمام كل ذلك، نقف لنتساءل: "أين القومية العربية من كل ذلك؟" وماذا نحن فاعلون بها، وماذا هي فاعلة بنا؟"
وإذا كنا نود أن نواصل تناول حقيقة ماهية "القومية العربية"، وأصولها - مثل أية قومية أخرى – على أساس علمي بحت، وبعيدا عن العاطفة، وُجب علينا أن نبين أولا أن المقابل الأنجليزي Nationalism يتكون من الكلمة Nation وتعني في العربية "أمـة" أو "قـومُ". وهو اصطلاح حديث ارتبط في نشأته بقيام "الدولة الحديثة" في أوروبـا، أي "دولـة-الأمة" Nation-State.
وهناك ثلاثة اتجاهات رئيسية تتناول شرح مفهوم "القومية" وماهيتها. ويركز الاتجاه الأول، والمعروف بالرومانسي، على خاصية غير قابلة للتغيير تختص بها "الأمة"، مثل اللغة. أما الاتجاهان الثاني والثالث، فيهتمان بالكشف عن الواقع الأساسي الذي تنبني عليه هذه القومية، وهو واقع يشمل مجموعة من الأسس الاقتصادية والثقافية والتاريخية الخاصة بتلك الأمة والمتماسكة دائما، على الرغم من تطورها المستمر.
وهكذا، بينما لا يشكل الاتجاه الأول نظرية في القومية، إنما هو مجرد تفسير يرتبط برموز قومية، بها يُعزى وجود الأمة إلى أزمنة أبدية أو خلقة إلهية، وهي بالتالي رؤية يغلب عليها الشعور العاطفي، يشكل الاتجاهين الآخرين نظريتان علميتان يبحثان في الأسس الواقعية لنشأة واستمرار القوميات، وهي أسس أخلاقية وهوية ثقافية قومية و مبادئ ونظم سياسية وأبعاد اقتصادية تؤدى كلها إلى توحد أفراد الأمة، وتمكنها من الاستمرار مع التطور، في حدود جغرافية ارتبطت بها عبر تاريخها.
ويؤكد الباحث مونسرات جيبرنو – وهو محق في ذلك – على أن أي تعريف أو تفسير للقومية خارج إطار الدولة-القومية، وفي غياب سيادة الشعب، وانعدام المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان المعروفة اليوم، بالإضافة إلي كل الأسس الأخرى التي ذكرناها آنفاً، هو تعريف لقومية مشوهة، وقد تكون عنصرية أو فاشستية. (Montserrat Guibernau، Nationalism: The Nation-State and Nationalism in the Twentieth Century، Polity Press، 1996).

في ضوء هذا التعريف العلمي الكامل لكلمة "قومية" يصعب الحديث اليوم عن "القومية العربية" تحديداً، وهذا ما أكده الدكتور/ محمد جابر الأنصاري، عميد كليه الدراسات العليا بجامعة الخليج العربي، حين قال:
" … أن الأمة العربية أمة موحدة في معنوياتها – على صعيد القيم والشعور والثقافة – لكنها أمة مجزأة في مادياتها – على صعيد القاعدة التواصلية الجغرافية، الاقتصادية، المؤسسية، والبنى المجتمعية (السوسيولوجية) والتكوينات المترسبة بتكلس شديد – حتى الآن – من عصور التاريخ.. القريبة والبعيدة. وإذا كان من أول شروط الحياة القومية الموحدة لأية أمة وجود دورة تفاعل حقيقي (حياتي – اقتصادي – معيشي – تنظيمي مشترك)، فإن هذه الدورة على صعيد الماديات الأساسية بين الوحدات العربية المتعددة غير مكتملة وغير ناضجة و يعتريها قصور شديد، بل تكاد تكون غير قائمة في جوانب عديدة من حياة العرب الواقعية، قياساً بواقع أي مجتمع قومي لأمة واحدة في العصر الحديث." (د. محمد جابر الأنصاري وآخرون، النزاعات الأهلية العربية: العوامل الداخلية والخارجية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1997، ص 17-18).
من هنا نقول: دعونا من أوهام الماضي، لنواجه الواقع بالإصلاح، استعدادا لبناء مستقبل أفضل، مؤسس على التعاون والتعاضد والتعايش المشترك في عصر التنوع، وقبول الآخر، سواء داخل كل قطر من أقطار شـرقنا المسخن بالجراح والمتخم بالتحديات، أو بيننا وبين بقية العالم من حولنا.
دعونا نتطلع إلي أوروبا الجديدة، وهي أقرب إلينا جغرافيا، وإلى حد ما حضاريا، بعد أن خاضت شعوبها حربين عالميتين. أين هي الآن، وأين نحن؟
يقول لنا الدكتور/ محمد جابر الأنصاري، في دراسته التي نقلنا عنها سابقاً:
"… ومع الفوارق التاريخية والراهنة، بين أوروبا والوطن العربي، فإن النهج الذي انتهجته التعدديات الوطنية والقومية الأوروبية على المدى الطويل نحو الفضاء الأوروبي المشترك (ثم الموحد) يبقى من النماذج الجديرة بالدراسة والتأمل المقارن – عربيا – حيث تجاوز العصر الصيغ والأساليب التاريخية المنقضية في التوحيد القومي، كالأسلوب البسماركي وغيره، والذي صار يؤدي إلى عكس المطلوب منه." (المرجع السابق، ص 20-21).
ولكي أكون أكثر وضوحاً فيما يتعلق بضرورة الخروج من وهم "القومية العربية" التاريخي، ومن حالة التشرزم العربي المعاشة اليوم، للانطلاق إلي مستقبل وطني واعد لكل قطر عربي أو غير عربي في شرقنا، لا أجد، وللمرة الثالثة، أفضل مما كتب الدكتور/ محمد جابر الأنصاري:
"لقد حانت ساعة مواجهة الحقيقة الوطنية (في كل قطر) واستجلائها وبنائها، ثم البناء عليها من أجل الغد (القومي) العربي المشترك. وليس ثمة طريق آخر.. لا عبر كابول (للجهاد الإسلامي) ولا عبر الكويت (للتوحيد القومي)". (نفس المرجع، ص 42).
من هنا.. ومن أجل ذلك أقول، إن حلم الوحدة العربية سيبقى حلما، كما أن القومية العربية ستبقى خيالا، إلى أن تقوم الوحدة الوطنية داخل كل قطر أولا، وذلك بتفعيل مبدأ المواطنة، وبعدها يمكن التفكير فى الوحدة العربية. وحقا أن "فاقد الشيء لا يعطيه".

(*) رئيس المنظمة الكندية المصرية لحقوق الإنسان، بمونتريال/ كندا.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف