اعترافات كنسية في مسجد المثقفين
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
عبدالرزاق الجبران
فاجتمعنا لمعان، وافترقنا لمعان.
محي الدين ابن عربي
كل شيء مزيف.
سورين كيركجارد
ان كعبتنا عامرة باصنامنا
وان الكفر ليضحك من اسلامنا
واعظنا الى بيت الصنم ناظر
ومفتينا بالفتوى يتاجر.
محمد اقبال
الى خانة في دمشق، مازالت تضفر زاوية كلماتي فيها، علّها تتحول الى إيوان ينظر لي بها وطني وديني وحبي، حينما اغدوا بقايا كلمات... خانة، مذ اربعة عشر عاما تربض لاحزاب، تلفت اخر شعاراتها على مشارف المواخير.
اليك ابا فاطمة في خانتك، ارجوا انها لم تخنك بعد.. فالاحزاب تهوى الخيانة دائما... كما الدين يهوى التزييف.
ان يزيف دين وطنك، غيره ان يزيف وطن دينك.
ان يزيف كتابك، غيره ان يزيف معلمك.
ان لاتجد فراشا، غيره ان لاتجد أرضا..
ان لاتجد صلاتك، غيره ان لاتجد ربك.
ان يسقط من المرأة حجابها، غيره ان يُحجب عنها ربها.
# # #
فاجتمعنا لمعان، وافترقنا لمعان.
هذه الكلمة لابن عربي تطاردني في وجودي في ديني في ذاتي في الهي. يطاردني نصه مع اني طارد افكاره ومطرودها في نفس الحين.
بالتاكيد لااريد فكرة ابن عربي في نصه، اريد نصه لفكرتي..طالما ان منهجي هو التطويق للجميل في التافه سيما مع النص في الموروث، بحيث يحل خطفه وانقاذه من ابن عربي وغيره، كما يحل تماما عندي امام الله تطويق المرأة الجميلة وانتزاعها من زوج تافه سفيه دون خلع او طلاق، بسلطة وشرعية الجمال ذاته كصفة من صفات الله..وحجتي ومبرري الاكبر في ذلك- في خطوة اكثر مدى من الفقه وجوديا- هو أنهما (الزوجين) ضد وحدة الوجود او الكل الكوني، وان اجتماعهما قسري، وان عقدت لهما عمامة باسم الله، فالله لم يمنح اسمه لاحد.. وانهما لايحققان أي معنى للحياة في ثنائيتهما، بل هما خلاف المعنى...
هذا الامر ينطبق تماما مع رجالات جاءت معهم كلمات في صدفة جمالية اهدلت لهم النص، ولكن فكرته تقتله او تشوهه. لذا يفصل بينهما(النص والفكرة) بطلاق تحكمه شريعة جمالية. تشي به فكرة موت المؤلف او وراثة النص../هناك نصوص كثيرة يحبذ لها معنى غير معناها، بل هي بذاتها تجلب معنى بعيدا عن المعنى الاساس، ليس مجال توضيح فكرتها هنا مع ضرورتها في التكامل المعرفي والجمالي..المهم انها فكرة مطروحة من كثير من المثقفين في الغرب منذ عقود ليست قليلة
فاجتمعنا لمعان..وافترقنا لمعان..
مع الانسان الاول في فطرته كتلقائية في الوجود. نوع ارتباطه وانفصاله عن الاشياء هو قدر المعنى فيها..لكن هذا الانسان تزوت فطرته على ارصفة التاريخ. رغم هذا تبقى العلاقة مع الاشياء تجرها عربة المعنى في المفارقة والمعانقة كسنة اجتماعية وجودية مطلقة ليخرج عنها الانسان الشاذ عن كلمة انسان فقط وان كثر.. وان طريقة تواجدهما في الشيء هو حجم تواجد المعنى فيها. مع ان المعنى لاياخذ حجما، لبعده الكيفي، كونه يتجذر مع المجال القيمي لا المادي.
ومن خرج عن ذلك (الاشياء والمعنى) في فكرة المعانقة والمفارقة، مر بالتاريخ على غير دربه، وعلى القرآن بغير كلماته، وعلى الله بغير صفاته، وعلى النبي بغير وحيه، وعلى البطل بغير دمه، وعلى الحبيب بغير عشقه.. وهو خروج كان الاسلاميين افضح تاريخا فيه.
هكذا مسار الجدلية بين الاشياء والمعنى في ذات الانسان على طول التاريخ.
سواء كان الشيء دينا او حزبا او وطنا او حبيبا او درسا..او الها او وحيا او كتابا..
الاصالة في الوجود ومع الحياة تمنح نفسها للمعنى قبل أي مفردة يمكن الدخول عليها.
وجود الانسان مع الاشياء كيفما كان هو وجود معنى..وفي هذا اس (هوسرل) في فكرة القصدية مع منهج الضاهريات/الفيمينولوجية، حتى ان الحقيقة لديه هي العلاقة بين معنى ما وقصده.
بل ان تعدد الرسل والانبياء قائم على تعديل وتجديد المعنى كل فترة، وهو وجه المجدد كل مئة عام رمزيا..كما ان الفلسفة لايمكن ان تاخذ جدارة اسمها الا بتعريفها؛ انها فن وهمُّ انتاج المعنى في الوجود. وهو عينه مع الاجتهاد في الفقه. وضياعه في حومة المعنى سادرا في تيهه وتعجرفه دون أي معنى،لايستحق معها للاسف الا السخرية في غربته عن الدين ومعنى الوجود.. انه يسلب من الاشياء معناها قبل ان يبحث لها عن معنى..
عموم المجددين والثائرين والمتمردين اصلاحيا هم ممن عاشوا ازمة معنى في وجودهم العقيدي للاباء..وهذا يشمل الانسان حتى في تمرده على الحياة في الانتحار المبداءي او اقلها بالتخلي عن أي مماهاة مع الحياة ورفضها انعزالا،وهو عينه منطق؛ بني على الدنيا بعدك العفا.
يمكن التعامل مع كثير ممن تتمردوا على المؤسسة الدينية. بعضهم بالتحول الى اتجاه مناوئ وبعضهم الى اتجاه يساري فيه في خصوص هذه الازمة..
الصنف الاول يعود ذنبه للمؤسسة الدينية عينها باستلابها لكل معنى في الدين..مع توفر المعنى في اتجاه اخر علماني وضعي. صحيح انه مناوئ للدين، ولكنه اكثر جدية في الحياة ويحمل مبررات وجوده، أي يتوفر على المعنى في بعض وجوده.. لما لا ياأخي ابا فاطمة ان لايكون هذا معذورا، حينما يجد ان شكسبير الاديب دون الفيلسوف بعرفهم اقرب الى الاشياء في معناها من اكبر مرجع او امام فقهي.. ماذا يفعل هذا حينما يئن من قلق الدين الممسوخ وعدم منحه أي وجود في عزته وعيشه، بل يسلبه اياهما.. ماذا يفعل حينما يجد انهم يكذبون ويسرقون وذلك الغربي الماجن على عكس ذلك رغم انه دون دين. او ليس الدين غير المعنى..
مع الاتجاه اليساري؛ يتشكل الخط الاصلاحي- المعروف بكل اشكاله، المهم انه ديني وان تفرقت مدارسه؛ اذ لايمكن أن تجمع الافغاني ومحمد عبده والطهطاوي واقبال ووحسن البناوسيد قطب وباقر الصدر ولبو الاعلى المودودي والخميني وشريعتي ومطهري تحت عباءة واحدة..لكنهم بكل الاحوال يساريون بجدارة -
في ازمة المعنى والنتاج الوجودي للدين الموروث وسط النتاجات الاخرى والواقع المقارن بينها، في بعد المعنى بالذات، لذا لم تكن الانتقائيات والتوفيقيات معهما الا حاجة للمعنى مع المدارس الاخرى، حتى وان كانت مضادة.
ينطبق الامر تماما مع رجلات الاصلاح مع باقي الاديان مع وضوحها المسيحي، في الانقلابات الدينية، بل وبعض العلمانية على الكنيسة.
هولاء لايفترقون عن الدين بما هو دين، بل يفترقون عن شيء حمل اسمه، بحثا عن دين اخر واخر(توضح المسالة تماما مسرحية علي شريعتي سربداران).
اذن الافتراق مع الدين ياخذ عدة جهات او اسباب. كلها تنتهي الى ازمة المعنى في فقدانه.
الاول: فقدانه- روحه السماوية ودلالاته،مدخله في الكل الكوني، بعده الوجودي _ فقدانا بريئا يعود الى الجهل لاغير والتخلف المنهجي..اي عموم قضية الوعي في التاريخ..فكثير من حسني النية جروا في ذلك عربتهم وبعضهم بدفاع مستميت.. مثالهم التاريخي البارز الخوارج، توجه ذلك كلمة الامام علي فيهم؛ (لاتحاربوا الخوارج من بعدي.. من طلب الحق فاخطاءه ليس كمن طلب الباطل فاصابه).
كذلك ينطبق المثال على بعض التيار الاصولي المعاصر، حتى مع بعض الطالبان..حتى ان احد المتنورين المعاصرين (الباحث الفلسطيني انور ابو طه) تحسر معي يوما على مثقفي التجديد الديني من شريحتنا انهم يخلون عن مميزات عبادية وقيمية يحملها الاصوليين الذين ننكرهم نحن المتنورين.
السبب الثاني وهو الاساس والمركزي في جهاد التنوير، يرتبط بمفهوم التزوير.. ولعبة اللغة والاسماء، سيما مع المقدس منها وطنيا كان او دينيا او فنيا، فبدل من ان يُقتل الاسلام شوِّه، وهو ازرى..اذ مع التشويه يقوم اتباعه انفسهم بقتله في نفوسهم وبايديهم، كما عبر علي شريعتي..
الاول؛ الجهل، خدش الدين في قيمته وحضارته.
بينما الثاني؛ التزوير، خدش في شرفه وكرامته... وهو اهم واكثر ارتباطا بالوجود الديني.
بكل الاحوال الاتجاهين اسرفا في حق المعنى.. بماجعل الكثير معذورا يصرخ امامنا؛ انه لاملح فيه ولامعنى. بالتاكيد لاخبز ولاحياة..انه يسلب خبزهم، وطنهم، حريتهم، عقلهم..انه يستحمرهم في كل وجودهم..لذا كان هذا النكوص الثقافي عن الاتجاه الديني حتى بدت النغمة القديمة في مقاربات التخلف مع الدين واضحة.
اخي ابا فاطمة؛ مشكلة الناس انهم يبحثون عن النبي والدين في المساجد والتاريخ، ويتركون صحراءه.
للمساجد وتاريخها بين الملوك والتجار محمد، غير محمد الصحراء بين جوع مكة وهم المدينة. فعيسى روما غيره عيسى فلسطين.. ودين عيسى في الناصره غيره دين النصارى في عيسى.
الصحراء وحدها تبقى للنبي لانها لاتدر الا رمالا وليلا ونجوما ووحيا..وليس له في ذلك شيء، المعنى اولا واخرا من يربض هناك... ولكنه يضيع في زحمة المدينة بكل موائدها وقصورها ونساءها..مهما كثرت المساجد.. المدينة دائما متهمة. وهذا ماجعل فكرة الانعزال الحيني ضرورة وجودية.
اخي ابا فاطمة.. مااجمل كلمة اخي نجح بها الاخوان وحسن البنا.. ولكنها شحيحة جدا بعد ان ذهب اغلب معناها مع ريحنا.
اخي؛ من الطريف في التاريخ المخزي للكنيسة - وتاريخنا اكثر خزيا - هو انه حينما اراد احد القساوسة ان يكسر هجمة كيركجارد على الكنيسة والمسيحية متهما اياهما خلاف المسيح.. اتجه الى خدعة في كلامه مع الناس بابعادهم عن التفكير في شخص المسيح وذاته عاريا دون تعاليم الكنسية، فوقع في خزي الخديعة بقوله الكلام معكوسا بكل وضوح. فقال: ان مسيحية كيركجارد تبحث عن المسيح في الصحراء بدلا من ان تبحث عنه في التاريخ والكنيسة.
ازائية جيدة من القس ورط نفسه بها؛ هناك نبي صحراء، وهنالك نبي كنيسة ومسجد وتاريخ.. ولكن التاريخ والكنيسة لايحملان الا عيسى النصارى..اما عيسى الناصرة فهذا في ربى الناصرة وفلسطين.
والامر تماما مع الاسلام المحمدي والاسلام التاريخي..الثاني يحمله التاريخ المزور والمساجد..والثاني تحمله الصحراء؛ فالعودة الى محمد غير العودة الى اصحابه/ويل لكم لانكم تبنون قبور الانبياء وآبائكم قتلوهم..كما قال المسيح.
اذ باالتاكيد محمد المساجد الان غيره محمد مكة والمدينة..بل الله محمد غيره الله المساجد وعلم الكلام والفلسفة والتاريخ والملوك واصحاب اللحى والاحزاب. ولهذا كان معذورا نيتشة اذا ماكان يتكلم في موت الله عن الله الكنيسة، فالفهوم كثر ؛كل خلق الله خاص به..اذا لايمكن ان تنكر المذاهب والاتجاهات تعدد روءها في الله نفسه..بل هي مسالة قديمة حتى قبل ازمة الصفات بين المعتزلة والاشاعرة.. بل يكفي اننا نختلف في الله؛ فيما يريد، وليس في ذاته فقط، فالاخير ليس باهمية الاول.
اذن نيتشه لم يجد معنى في مفهوم الله عندهم، فكان عليه ان يجده ميتا..هولم يقتل الله، هو وجده ميتا لديهم، هم من قتله.
تبقى مفردتا (الانسان والمعنى) هما اعظم مايمكن ان نجده في اسئلة الاشكاليات على طول التاريخ، كما انه لم تكن هناك محاولات للقمع المدرسي والمذهبي مع الكثير الا لانهم ارادوا فتح صفحة المعنى، ففي ذلك ذهاب مصالحهم الاقتصادية والسياسية والمذهبية وحتى الشخصية منها ماوراء الكواليس.
اليس الاجدر ان يستعير الانسان بعض مقولاته المركزية التاريخية مستبدلا وجهها. من البقاء للاقوى، للاصلح، للاجمل وهي اسمى، الى الاقوى معنى، الاصلح معنى، الاجمل معنى.. البقاء للاشياء بمعناها.. ولما لا؛(انا ذا معنى، اذن انا موجود).. وان كان هناك آخر فهو يصب في الجملة السالفة بشكل واخر..
انا اتحقق كانسان بقدر مااحمل من معنى، تصاعديا حتى محط النبوة..لذا النبي قد يجلس ويصاحب من هو الاسواء في وسط المتدينين، لانه يجده اوفر معنى منهم.. وفي هذا النبي انما يحقق العدل الالهي في الارض فحسب، وهو عدل بعيد عن نضام الحكم والحق. هو عدل الحقيقة والقيمة، عدل شخصي مع الاجدى.
احد المتدينين يروى عنه في الستينات انه كان يتمنى ان يلتحق باحد الشيوعيين في قريته متمردا على السلطة دون المؤسسة الديننة دراسيا- في خنوعها للحاكم طالما انه يترك لهم طقوسهم، وكان الدين ليس غير ذلك - عذره في ذلك انه يجد معنى وجوده وتحقق ذاته وتحقق الحقيقة ووفاءه لانبياءة وقادته مع ذلك الشيوعي اولى بكثير من المؤسسة الدينية وجيوبها..الافصح من ذلك يوما ان احدهم مع انه معمم؛ كان يلوم نفسه امامي لو انه التحق بالمعهد العالي للموسيقى،كونه يجد انه سيحقق معنى هناك، بل سيكون اكثر قربا الى الله من هناك.
# # #
فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعان.
لااعرف كيف لايفترق الانسان عن دين مسجده او كنيسته ليبني في داخله مسجده، حينما يجده قد افتقد لكل المعاني، في احكامه وافكاره وواقعه، في سلوك رجاله وتاريخهم..
كيف لايفترق الانسان عن حزب مزور دربه، يسرق به وطنه، ويبيعه في كرامته قبل نفطه.
كيف لاترك الحبيب حبيبه بمجرد ان تخلوا عيونه من كلماته و يده من نبضاته، وعرفه من عطره.. لقد زال المعنى الحب وقتها، حينها يلوي على ذكراه.
كيف لايترك الانسان وطنه حينما يجده مذلا لوجوده مانحا ترابه لغيره..
وهكذا مع مدرسته وقومه وصحيفته وزوجته وجيشه، مع كل الاشياء حتى المادية منها؛ اللوحة، اللحن، الفلم..
اخي ابا فاطمة..
آه.. كيف ادخل مع الاسلاميين وانا منهم في غير معنى، سيما من تماهى منهم من المثقفين وسط المؤسسة الدينية او الحزبية.. وكيف ادخل مع الدين وانه منه في غير معنى، سيما المضاد للدين، الذي لم يزل يحمل اسمه..وهي الطامة الكبرى في العلاقة بين الكلمات والاشياء على طول التاريخ/ازمة المفاهيم وسكرها/ الاحتماء باللغة.
.... كل شيء مزيف.. اغرقنا التاريخ، الوجود، في الزيف.
هذا العراق بين يدي في كل صفحاته احاول ان اجرب واحدة منها لكلماتي.. ولكنها سوداء في احزابها وعمائمها ومثقفيها وتجارها ودكاكينها..
لم تصل الحياة في سوداويتها معي اكثر من اليوم.
اين هو المعنى، بل اين هي الاشياء اصلا..
اريد ان اصرخ باعلى صوتي :.. كل شيء مزيف. مزييييييييف..ولكن ليس لدي من الشوارع الا مدى الناس... لاتكفيني كلمة كيركجارد تلك.
قلق غريب يساورني من الحياة..ابحث عن معنى، قل لي.. وحق دمشق وعيون تربض تحت قوس المزَّة تنتظرني كانت شتاءا.. قل لي اين اجد معنى ولو في اطراف سيبريا، حتى لو اضطررت ان اعيد الف ليلة للسندباد في جزر الواق واق..ساذهب...طلبت قبل فترة من ميرزا البحراني ان ياخذني الى جزر المالديف باي صعلكة.. لكنه مشغول بصعلكته في المعاني ايضا.. فنسي معنى اخيه.
البارحة بعد انقطاع ارسل لي يقول: العزيز ابو جبران كيف انت واين هي اخبارك وديارك فقد ملت الارض اقدام الماشين عليها وفي كل خطوة منهم تغتصب ارض وقطعة جديدة
المدنية التي هجرتها يا اخي لم تعد تحتفي بابطالها فكل ما في الغيوم لم يعد مطر
ثمة اشياء هناك خلف رائحة الهيل والبرتقال كلها لم تعد تهتم بمن يأكلها
السماء اصبحت ارضا والارض اصبحت غورا ايها الطوفان اني قادر على مواجهتك بما ابقته لي السنون العجاف كي لا يعرف يوسف عند ابيه
ضاهرا مازال ايضا في ازمة معنى.. ولكن مشكلته دائما مع الملك.. اقول له اتركه يااخي..انه مسكين بالنسبة لهم..لايقبل...
اجل ؛ (معناك لايجنه الليل ولايسرح بالنهار).. كما قال النفّري..هذا حال اخيك في المعنى.
اليس حقي ان اعيش زحمة وجودي قلقا.. فاولئك المترفين لايمكن لهم ان يصلوا معناك.. كنت ارفض تسمية ياسبرز للخارجين عن مجال مايسميه بـ(الاندماج في التعالي).. تسمية الاراذل. بلى اولئك لن يفهمونا.. الحياة لديهم؛ فراش وطعام وحمام. وسنبقى منبوذين منهم.
وعينا ابا فاطمة اول الطريق ان الدين مزيف، شربنا آلامه، وقلنا لابأس؛ هو قدرنا التاريخي ومسؤوليتنا الوجودية، سنبحث عن الملائكة من جديد. الدين في داخلنا، هناك نبي دائما في داخلك، يمكن ان تجده من جديد، فقط احفر بايمان الفلاح. هذا من عدل الله.
ولكن المشكلة اليوم ابا فاطمة اننا مع وطن مزيف.. لم يبقى احد في الدرب.. الجميع في قصورهم، مواخيرهم، دكاكينهم.
اكتب لك من بغداد، التي تعبت لها اربعة عشر عاما هدرا من المنفى في خدمة احزابه، فلم تجد الا انك منفي من جديد.. وعينيك لو خدمت في حانة من حانات ليفربول لكنت الان اوفر حياة، انت وعائلتك.. اقلها لن تكون هناك صور اللحى قسرا على حائطك.. هناك الوان خلقها الله لك بكل الاحوال... لن تكون ذاتك قد مرت بكل ذلك الزور والكذب والرياء والتملق والسخرية من الدين وانبياءه، بل حتى الله... ان المعنى ليس في مساجدك دائما.
الحزب فينا مزيف،الشاعر فينا كذلك، العشق فينا مزيف، الفراش مزيف، المسجد، المزار.... الصلاة بغير الله، الحج دائما بغير مكة.
... يااخي كل شي مزيف.. كل ماتجره الكلمات.. الان فقط افهم فكرة وفلسفة: اعطني الناي وغني، لجبران.. ابتعد عن الانسان تجد الحقيقة.. الخراف اولى منا بالوجود، واوفى لله في خلقه.
اين المعنى... لااعلم يااخي احيانا اقول بروح كيركجارد هذا الذي اصبحت امت اليه بعلاقة نسب ماوراء الزمان والمكان والظهر والدم...
اردد كلماته: (احيانا يكون من الصحة ان يضل الجرح مفتوحا).
لماذا هكذا يجر القدر عربته في شرايينا بين اصطبلات السياسة والدين والحب.
في الدين هنالك سخرية وقحة من الله..
في الحزب هنالك سخرية دنيئة من الوطن.
اعود قريبا في اوراقي اقراء نصوص مؤلمة في القلق وازمة الوجود مع ابو حيان التوحيدي والمعري وحتى الشاطبي وابن المقفع... جون كيتس، كافكا، كيركجارد، ادغار الان بو، ليولتستوي، جبران،.. علي شريعتي. سيما الاخير.. بعد ان شربت روحه بما كدت اقول القول معه بين جلال الدين الرومي وشمس : (صير الرومي طيني جوهرا).
لقد نقدوه حتى اصحابه حينما كتب: ( ولاول مرة في حياتي ارتجف..وجدت نفسي ضعيفا وتعيسا،الاترون تعاستي..؟لقد عانيت لسنوات حتى اصطنعت خدعا كثيرة لنفسي مااحسنها من خدع جميلة ونبيلة، خدع يحبذها الله، كما يحبذها الناس).. هذا ماكتبه علي شريعتي... ولابد ان يكتب ذلك ويكونه، والا لما اعتقدت به معلما، متألما.
مازلت اقراء من نصوصه، انا فيها وهي معي، وهو لي، وان لم اكن له دائما.. إقراء معي : (حلمت في النوم، كان الليل، وكانت الصحراء مظلمة ومقفرة، خرجت وحيدا فريدا من كهفي في بطن الجبل، واتجهت لوحدي نحو فرسي لكي اسلك طريقا صحراويا وعرا كان يمر عبر خواء الياس الشتائي البارد..ويصل الى سجن قلعة)... كان يدرك سنة طريقه جيدا حتى في احلامه؛ مسكينذلك الانسان بين صحراء وسجن وشتاء، ولو على مستوى الكلمات والاحلام.
اتعرف هولاء انفسهم منحوه هذه الكلمات في جرحه. فهو رجل وجود، ورجل نبوة، وابن كلمة، واخ عشق، هو صوف حلاجي، هو ناي جبراني، هو تراب حسيني، هو نفخة علوية..
الارض لاتفتح قلبي فتريحه ولاتفتح له بابا لينام.. مازلت اتلفت بين حرامي معمم وحاشية متملقة وسياسي دنيء وتابع سافل، وقواد في وطنه.
..اجل على الجرح ان يبقى مفتوحا.. فهو وحده من يجعلنا نتحسس سواه.. ظهري وجرحي وحدهما من يحملان وجودي.. ولن اجد غيرهما..
سافتح ياصديقي من اليوم ان بقيت كل الملفات التي يمكن ان يصل اليها جرحي.. فالعقل مذ كان لم ينفع الانسان كثيرا بقدر مااضره، بل هو من شارك الزور في التاريخ سواء مع الفلاسفة او مع نشالي السوق، الكل سواء... الانسان موجود في شعوره.. وكل الاشياء معه تنتهي الى الشعور عند نهاية المطاف.
جرح أبو ذر من أرخ له وصنع له وفتح له اول مدرسة التشيع، قبل ان تنتهي بهذه الزور وخواء المعنى ووقاحة الاسماء، بهذ الطبقية والارستقراطية الدينية والتخلف والاستبدادا والاستحمار..
جرح علي من فتح له كلماته المؤذنة في ماذنة التاريخ، وليس عصمته ولا نبوغه.
كل المصلحين والادباء والعباقرة والثوار والعشاق والفنانين.. كانوا بجراحهم لابعقولهم.. كما ان عين الفلسفة التي ظلمت بانها العقل يمكن ان تصنع من ضربات القلب، كما يقول نيتشه.. والا لفاق الفلاسفة الانبياء. اذ لم يكن احدا منهم فيلسوفا.
الجرح نوع من العشق يجعلك تحلق دون اجنحة كما يرى جلال الدين الرومي.
بهذا الجرح ساقول مع صاحبي كيركجارد ماقاله قديما: لقد تغير وجودي الداخي كله، فلم اعد مغلقا على نفسي؛ انكسر القيد ولابد ان اتكلم، لقد منحني الله القادر على كل شي النعمة.