أصداء

بعد الشتات أو الوجه الآخر لواقع الأجانب في الخليج

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك




عادت الكاتبة القطرية وداد عبداللطيف الكواري بمعية عبدالعزيز الجاسم والمخرج البحريني أحمد يعقوب المقلة إلى الشاشات الصغيرة من خلال إنتاج قطري عُرِضَ خلال شهر رمضان الفضيل على فضائيتي القطرية ودبي تحت عنوان "بعد الشتات". هذا العمل المتميز من حيث الطرح شكَّل الجزء الثالث لما يمكن الاصطلاح عليه بـ"ثلاثية الوجه الآخر للواقع القطري والخليجي" للمؤلفة وداد الكواري، بعد عمليها المتميزين والناجحين "حكم البشر" و"يوم آخر".
ذكَّرنا مسلسل "بعد الشتات" بالنجاحات العريضة التي حققها كل من "حكم البشر" و"يوم آخر"، إذ تمكَّن بدوره من استقطاب جماهير عريضة في دول الخليج والمشرق العربيين، والأهم من كل ذلك إبقاؤهم أوفياء لمتابعة فصوله على امتداد حلقاته الثلاثين، في الوقت الذي فشل فيه السواد الأعظم من الأعمال الدرامية المعروضة خلال شهر رمضان المنصرم –بغض النظر عن تصنيفها الجغرافي أو الفكري- من الظفر ولو بنسبة محدودة من المتابعة والاهتمام والوفاء.
تميز هذا العمل جاء محصلة منطقية لرغبة مؤلفته في تعرية المجتمع الخليجي أمام نفسه عبر تسليط الضوء بجرأة غير معهودة في الطرح الدرامي الخليجي على العيوب والمشاكل العديدة المستشرية داخل نسيجه الاجتماعي والتي تنخر كيانه وتنسف العديد من مقوماته البنيوية. حديثنا هنا عن المجتمع الخليجي وليس القطري بالضبط نابع من قناعتنا أن المؤلفة القطرية تنظر في أعمالها إلى المجتمع القطري كنموذج مصغر ومبسط عن المجتمع الخليجي الكبير.
إذا كان مسلسل "يوم آخر" قد فجر السنة الماضية جدلا واسعا داخل الشارع القطري خاصة، والخليجي عموما، بسبب سبقه وتفرّده في التطرق إلى مواضيع جد حساسة لم يجرؤ أحد على طرحها من قبل؛ فإن مسلسل "بعد الشتات" مر هذه السنة مرور الكرام دون إثارة أي جدل أو نقاش جدي داخل المجتمعين القطري والخليجي، ومرد ذلك إلى الإجماع الذي عبّر عنه الجميع بخصوص واقعية طرحه وصدقية مواضيعه التي تجاوزت حدود قطر لتشمل المنطقة الخليجية والمشرقية برمتها.
قبل أن نشرع في تحليل القضايا والمواضيع العديدة التي طرحها مسلسل "بعد الشتات"، لابد لنا أن نشير في البداية إلى أنه امتداد للخط الدرامي الذي رسمته وداد الكواري في عملها السابق "يوم آخر"، ونعني هنا ظاهرة التمييز العنصري بين البيض والسود داخل المجتمع الخليجي، والتي كان للمؤلفة قصب السبق في التطرق إليها وبجرأة غير معهودة على الساحة الخليجية.
موضوع التمييز كان حاضراً أيضاً بقوة في مسلسل "بعد الشتات"، بل يمكن القول إنه شكَّل العصب المحرِّك لكل الأحداث والتطورات الدرامية المتلاحقة، وذلك من خلال طرح الكاتبة بنظرة تعمّق واعية ثنائية المواطن والمقيم داخل المجتمعات الخليجية، عبر تناولها إشكالية زواج القطرية من رجل أجنبي –عربي ومسلم بالطبع- وما يترتب عليه من معاناة ومشاكل، بالإضافة إلى قضية "البدون" التي أضحت علامة مميزة للمجتمعات الخليجية.
الهمُّ النقدي للمؤلفة ورغبتها في تصوير الواقع الخليجي بأمانة وتجرد كان جلياً منذ الحلقة الأولى من مسلسل "بعد الشتات"، الذي كشف لنا وجهاً آخر عن الواقع الخليجي، وجه يخالف ما دأبت على تداوله العديد من الأدبيات الآتية من هذه الرقعة من جغرافيتنا العربية والتي تنحو إلى تجميل ملامحه وإخفاء عيوبه وتشوهاته حتى لا تصدم المتلقي، لتبقيه غارقا في وهمه بأن هذه المجتمعات بلغت حدود الكمال الاجتماعي والاقتصادي.
وداد الكواري أتحفتنا هذه السنة بطرح العديد من المواضيع والقضايا التي يمكن ترتيبها تبعاً لأهميتها في البناء الدرامي على الشكل الآتي:
 ثنائية المواطن والمقيم داخل المجتمع الخليجي أو بتعبير آخر واقع الأجانب داخل هذه المجتمعات: تناولت المؤلفة هذا الموضوع في أول سابقة جريئة من نوعها في العمل الدرامي الخليجي من خلال محورين اثنين على القدر نفسه من الأهمية بحكم تداخلهما وتشابكهما في تشكيل النسيج الاجتماعي لدول الخليج، وهما:
•إشكالية "البدون" أو حاملي الجنسية الإيرانية الذين ولدوا وترعرعوا في كنف المجتمعات الخليجية ومدى أحقيتهم في الانتساب إلى هذه المجتمعات، وبالتالي الحصول على جنسيتها وجواز سفرها. وداد الكواري جسدت واقع هذه الفئة العريضة نسبياً داخل المجتمعات الخليجية في شخصية فهد. وهنا حري بنا أن نشير إلى أن طرح وداد الكواري قضية "البدون"، التي شغلت دول الخليج لأكثر من ثلاثة عقود، اقتصرت على عرض المشاكل الاقتصادية والمعيشية لهذه الفئة دون التعمّق في الجوانب الشخصية والنفسية وأسئلة الهوية التي تؤرقهم لإحساسهم بنبذ المجتمع الخليجي الذي ولدوا وترعرعوا في أحضانه ورفضه لهم، وما قد يترتب على ذلك من آثار نفسية تبصم حياتهم وحياة ذويهم وتنعكس على محيطهم الاجتماعي. عموما لابد من التنويه بجرأة المؤلفة في تناول هذا الموضوع، متمنين أن يفتح الباب للتعمّق في إشكاليات قضية "البدون" وأبعادها في أعمال درامية أخرى.
•زواج المواطنة الخليجية من رجل أجنبي –عربي ومسلم بالطبع- وما يترتب عليه من مشاكل وتعقيدات تلازمها وتلازم عائلتها. هذه المعاناة صوَّرتها لنا وداد الكواري وكأنها "لعنة اجتماعية" حلت على هند ويحيى بعد زواجهما ولاحقتهما واصمة عائلتهما، التي لم تشفع لها جنسية الوالدة في الانتساب إلى الوطن، بل أكثر من ذلك حرمت الأبناء حق الحصول على الجنسية أو على جواز السفر وحكمت عليهم بالغربة والتمييز داخل الوطن الذي ولدوا وترعرعوا في كنفه. على امتداد حلقات المسلسل، أمعنت وداد الكواري في تصوير مظاهر الظلم والحيف الذي يتعرض له أبناء الزيجات المختلطة بين أم خليجية وأب أجنبي، حيف ينسحب على كل مناحي الحياة. ففي أكثر من موقف ترددت عبارات لخَّصت نظرة المجتمع إلى هذه الفئة، عبارات من قبيل: "الغريب" و"أبناء الغريب" في إشارة إلى عائلة هند ويحيى، وكم تجاوزت مضاضة هذه العبارات حدود المأساوية حين كانت تصدر عن أقرب المقربين إلى هند، الأمر الذي عمّق لدى هند وعائلتها عقدة لازمتهم وكادت تقضي على مستقبل سعد -الابن البكر للعائلة- حينما سُحبت منه الجنسية وجواز السفر والمنحة الدراسية والامتيازات الأخرى الممنوحة للقطريين بطريقة ذكّرتنا بعملية بتر العضو المجذوم. ينضاف إلى ما سبق تصوير الكاتبة في أكثر من موقف خارج إطار العائلة النظرة الدونية والتنقيصية التي يكنّها المجتمع لهذه الفئة التي يعتبرها "دخيلة". ويبقى أقوى مشهد معبر يلخِّص مشاكل هذه الشريحة حين واجه الأب يحيى المصري أبناءه بحقيقة ظلوا يتجاهلونها ويتناسونها، منبهاً إياهم إلى ضرورة أن يستوعبوا حقيقة أنهم "ليسوا قطريين ولا مثلهم لأن المجتمع لا يريدهم أن يكونوا كذلك".
تطرق الكاتبة إلى وضعية الأجانب داخل المجتمعات الخليجية لم يقف عند حدود الموضوعين السالفي الذكر، بل تجاوزهما إلى إلقاء الكثير من الضوء على الصعوبات والمشاكل والإجراءات المعقدة التي تعترض المقيمين داخل هذه المجتمعات. مشاكل طرحتها المؤلفة بنظرة واعية وحمولة نقدية حملت المشاهد في أكثر من مناسبة على التساؤل عن الجدوى والنفع من بعض الإجراءات المعقدة المفروضة على هذه الشريحة داخل المجتمعات الخليجية والتي تناقض في الكثير من الأحيان توجه هذه المجتمعات إلى الانفتاح نحو الخارج.
وداد الكواري كانت واضحة بشكل لا لبس فيه حين نبّهت لماهية المشاكل الإدارية التي يواجهها الأجانب داخل المجتمعات الخليجية، والتي تجعلهم تحت رحمة ما يُصطلح عليه داخل هذه المجتمعات بـ"الكفيل"، الذي له كامل الحرية في منعهم من السفر بمجرد رفضه توقيع "الخروجية"، كما له الحق في رفض "نقل كفالتهم" والتهديد "بتسفيرهم" إذا ما أراد ذلك، كل هذه الإشكاليات صوّرتها المؤلفة في العديد من المواقف والمشاهد التي جمعت بين راشد ومستخدميه كما أثيرت في كثير من الحوارات بين العديد من الشخصيات.
 العلاقات غير الشرعية: عادت وداد الكواري مرة أخرى لطرح موضوع العلاقات غير الشرعية داخل المجتمع للفت الانتباه إلى تنامي هذه الظاهرة، بل واستفحالها بين بعض الشرائح من المجتمع الخليجي، خاصة بين أوساط الشباب. صورت لنا الكاتبة هذه الظاهرة من خلال شخصيتي الشاب صالح (صديق ندى) وصديقه، اللذين ظهرا في أحد المشاهد وهما يتفاخران بصولاتهما وجولاتهما الموثقة بصور وأفلام.
وجه آخر لهذه الظاهرة جسّدته شخصية ندى، التي ارتبطت قبل زواجها بشاب وكانت لها معه مغامرات، وعادت لتربط علاقات أخرى من أجل المال بعد ترمّلها، لكن النقطة التي لم توضحها الكاتبة هي طبيعة العلاقة التي كانت تجمع ندى بصديقاتها الميسورات واللواتي كن يغدقن عليها العطايا، لتُبقي المشاهد أمام حيرة وتساؤل بخصوص إذا ما كانت الكاتبة تقصد علاقة السحاق.
 ظاهرة الوساطة والمحاباة: ركزت الكاتبة في الكثير من المشاهد والحوارات على الإشارة إلى تفشي هذه الظاهرة بشكل مقلق داخل المجتمعين القطري والخليجي، بل أكثر من ذلك فقد صورتها الكاتبة على أنها ظاهرة راسخة تكيَّفت معها وتعوَّدت عليها كل فئات المجتمع. حضور هذه الظاهرة كان واضحاً في كل المشاهد والحوارات التي صوّرت عمل الإدارات العمومية.
 التفكك العائلي ومحدودية التواصل بين أفراد العائلة الواحدة بل وتنافرهم في بعض الأحيان: وهو ما جسّدته لنا المؤلفة من خلال تصويرها واقع عائلة "أبو راشد" وعائلة "عائشة".
 الفشل والانقطاع الدراسيين وما يترتب عليهما من تبعات على المدى القصير والبعيد في حياة الفرد والمجتمع: وهو ما صورته الكاتبة من خلال مسار شخصيتين اثنتين، اختارت لهما أن يمثلان الجنسين معا، وهما سيف وندىً.
تناول المؤلفة موضوعي الفشل والانقطاع الدراسيين، وإن كان بطريقة غير مباشرة، جاء ليلفت الانتباه إلى تفشي الظاهرتين معاً وتناميهما داخل المجتمعات الخليجية وليدق أجراس الخطر من عواقبهما المستقبلية على هذه المجتمعات وعلى اقتصاداتها.
 جرائم الشرف: تطرّقت الكاتبة إلى الموضوع بشكل عابر لكن بجرعة قوية من خلال شخصية الشاب القطري صالح الذي كان يتباهى أمام أحد أصدقائه بعلاقاته مع ندى ويطلعه على صورهما معاً، وكيف أنه سيستعمل هذه الصور إذا ما رفضت الاستمرار معه، ليكتشف صدفة أن صديقه هذا هو الآخر على علاقة غير شرعية مع أخته وأنه يحتفظ على جواله بصور تشهد على تفاصيل تلك العلاقة، الأمر الذي دفع الشاب صالح إلى ذبح أخته والانتحار.
إذا كانت المؤلفة وداد الكواري قد سجّلت قصب السبق على الساحة الخليجية في كشف النقاب عن العديد من الظواهر والتشوهات والعيوب التي تستشري داخل المجتمعات الخليجية، فإن النص الدرامي لـ "بعد الشتات" تخللته بعض الهفوات والثغرات كنا نتمنى على المؤلفة أن تتفاداها حتى لا تنعكس سلباً على جودة وجدية المواضيع المطروحة.
نبدأ أول الملاحظات التي سجلناها بخصوص البناء الدرامي لـ"بعد الشتات" بالحديث عن اعتقادنا أن إطالة حلقات هذه العمل أثر سلبا على جودته وأصاب العديد من المشاهدين بالملل وجر المؤلفة في المقابل إلى الوقوع في هفوات أكثر، إذ كان من الممكن الاكتفاء بأربع عشرة حلقة على الأكثر وكانت ستفي بالغرض المرجو.
الملاحظة الثانية نستند فيها إلى العملين السابقين للمؤلفة –"حكم البشر" و"يوم آخر"- وتتعلق بتكرار بعض الشخصيات في أعمال المؤلفة من خلال تقديم بعض الوجوه الفنية للأدوار نفسها، ونسوق كمثال على ذلك شخصية سيف في "بعد الشتات"، التي لعبها الفنان ناصر محمد، وكانت تقريبا نسخة مطابقة لدوره في كل من "حكم البشر" و"يوم آخر".
الملاحظة الثالثة تتعلق ببعض الهفوات في رسم بعض الشخصيات، فعلى سبيل المثال شخصية عائشة التي جسّدت في "بعد الشتات" دور امرأة بخيلة وشحيحة، غير أننا لاحظناها على امتداد حلقات المسلسل ممسكة بهاتف نقال (موبايل) ولا تكف عن بعث رسائل نصية لا ندري إلى من؟ وهو أمر يخالف ويناقض أهم الصفات التي أضفتها عليها المؤلفة، صفة البخل. أمر آخر يثير الانتباه في رسم شخصيات المسلسل، خاصة الشخصيات النسائية، هو عدم تواءم مظاهرهن مع بعض المواقف الدرامية، فعلى سبيل المثال لا الحصر لاحظنا في أكثر من موقف ظهور فنانات يضعن ماكياجا صارخاً يناقض طبيعة الموقف الذي يعبرن عنه (حالة زوجة تركي في أكثر من موقف).
الملاحظة الرابعة تأخذنا إلى الحديث عن الفضاء الزمني في مسلسل "بعد الشتات"، ذلك أننا أحسسنا بأن المؤلفة لم تعيره أدنى انتباه وهو ما انعكس على الأحداث والشخصيات وأضاع بوصلة المشاهد، فلم تتم الإشارة مثلا إلى الفترة الزمنية التي استغرقها علاج كل من أبو راشد وفهد في الخارج ولا الفترة التي قضاها تركي في السجن.
الملاحظة الخامسة تتمثل في اعتماد المؤلفة الصُدَف في كثير من الأحيان لحل تشابك الأحداث والحلول الساذجة نسبياً للخروج من بعض المآزق الدرامية، ونسوق كدليل على ذلك اعتماد الكاتبة على شخصية غازي لحل الكثير من المشاكل والتعقيدات التي اعترضت ليس فقط عائلة يحيى وهند، بل عائلة أبو راشد والمحيطين بالعائلتين معاً، لدرجة تخيلنا معها شخصية غازي كمكتب لتوظيف العاطلين عن العمل وجمعية خيرية لمساعدة المحتاجين.
حديثنا عن الهفوات والثغرات التي تخللت النص والبناء الدراميين لمسلسل "بعد الشتات" لا يعني قطعا تقليلنا أو رغبتنا في التنقيص من أعمال المؤلفة القطرية، بل على العكس من ذلك فوداد الكواري كاتبة جيدة ومؤلفة واقعية وواحدة من القلائل الذين استطاعوا إخراج الدراما الخليجية من حدودها الجغرافية الضيقة وإعطائها بعدا جديداً من خلال الجرأة والواقعية في الطرح والابتعاد عن وصفة الخير والشر التي تعجّ بها العديد من الأعمال الخليجية.


عبدالرزاق بنـــان فــــلالي
كـــاتب مــــغربي
الدوحـة – قطــر
banane_filali@hotmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف