لماذا كل هذا؟
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
" قالت الحكماء: العجز عجزان: عجز عن طلب الأمر وقد أمكن، والجد في طلبه وقد فات."
"جامع بيان العلم وأهله" ابن عبد البر القرطبي.
يتساءل المرء في حيرة وأسى عن الجدوى من الإستهداف المتواصل لعشرات المصلين من المدنيين العزل في كل من النجف الشريف وكربلاء. هل يعد قتل الأبرياء مواجهة مع المحتل؟ هل في مشهد الجثث المتناثرة والأيادي المبتورة ما يمت للإسلام بشيء؟ هل في قتل المصلين والحجيج والباعة والزوار المدنيين ما له أي صلة بالوطنية أو بالتحزب أو بمبدأ الرأفة والرحمة المتوجب على المؤمنين العمل به تطبيقا لمقولة "وجعلنا بينكم مودة ورحمة"؟ أي ذنب إرتكبه هؤلاء يا ترى؟ أليسوا بشركاء العذاب والجوع والقهر. أليس هؤلاء بشركاء التاريخ والجغرافيا والدين والوطن؟ أليس هؤلاء بأبناء العراق وأمله وملح أرضه؟
ألا يكفي هؤلاء القتلة ما أتاه ابن بلدة العوجا بأبناء العراق؟ ألم تكفيهم ما تحقق على يده من مقابر جماعية وأنفال وأربعة ملايين لاجيء وثلاثة حروب خاسرة واحتلال؟ أهم مدركون لكل هذا وغيره أم هم صم بكم لا يفقهون؟ أين هؤلاء القتلة من مكارم الأخلاق؟ أينهم من مبادىء الدين الحنيف؟ بل أينهم من سماحة وعالمية المبدأ الوارد في قوله تعالى"وكرمنا بني آدم"؟ بل أينهم من أبجديات السلوك القويم لإنسان القرن الواحد والعشرين؟ هل هناك، ياترى، ما يميزهم عن باروخ غولدشتاين؟
ألا يكفي هؤلاء ما قام به رمان بن سرحان- قاتل عثمان- وما أتاه، من بعده، سنان بن أنس- قاتل الحسين- و عبد الرحمان بن ملجم- قاتل الإمام علي- وما حصل مع عمرو بن الحمق الخزاعي في الموصل. وزيد بن علي ومروان بن محمد والمعتز بالله وبن الفرات وعلي بن بيلق والقائمة تطول. وما هذه بأسماء كواكب سيارة، بل عناوين القتل والتنكيل كما جمعها عبود الشالجي في مخطوطته "موسوعة العذاب"، وإستشهد بها الدكتور رشيد الخيون في بحثه القيم "الإيذاء المتبادل ما بين الدين والسياسة".
صحيح أن عراق اليوم يعيش واقع إحتلال وما يصحبه من قتل وتدمير وتخريب. بلد مباح يمرح في ربوعه القتلة والمفسدون في الأرض دون رادع أو حسيب. إن كان يصعب، في الوقت الراهن على الأقل، إيقاف حمام الدم هذا وما يرافقه من طقوس النحر وقطع الرؤوس، بماذا يفسر المرء هذه اللامبالات الرهيبة وهذا الصمت المطبق تجاه ما يتعرض له أبرياء العراق ورموز ثروته الحقيقية من مثقفين وأكادميين وبحاثة. بنفس درجة الألم والمرارة يتساءل المرء عن الطرف، أو الأطراف،المستفيدة من إغتيال عميدة كلية الحقوق، جامعة الموصل، وزوجها. وإغتيال رئيس جامعة بغداد الدكتور والجراح محمد عراوي، وإغتيال رئيس قسم الجغرافيا، جامعة بغداد، الدكتور صبري البياتي. وإغتيال دكتور اللغة العربية، جامعة بغداد، الدكتور نافع عبود. وإغتيال رئيس قسم التاريخ، جامعة بغداد، الدكتور هاشم شريف. وإغتيال نائب عميد جامعة المستنصرية، الدكتور فالح الدليمي. في المحمودية، جنوب العاصمة بغداد، تم إغتيال العالم النووي، الدكتور محمد حسين الطلقاني. كما أغتيل أيضا رئيس قسم الجغرافيا- التخطيط العمراني/ تخطيط المدن- جامعة بغداد، الدكتور عبد اللطيف الميا. هذا بالإضافة إلى إغتيال رئيس قسم الفيزياء، جامعة بغداد، الدكتور وجيه محجوب.
أين زملاؤهم ونظراءهم من رجال الجامعات مدرسين ودكاترة وعمداء في بقية الدول العربية؟ أين هي إحتجاجات المثقفين ورجال الإعلام والصحافة- المكتوبة- من كل هذا؟ بل وقبل توجيه السؤال إلى هؤلاء جميعا، بالأحرى التساؤل عن موقف رجال الدين والأئمة في بقية البلدان العربية مما حدث؟ وما رأي الشرع الحنيف في تناثر أشلاء وجثث الأبرياء؟ وما هو موقفهم، أو مواقفهم، من تدنيس عتبات النجف الشريف؟ هل هناك من لديه الرغبة في، والقدرة على تبيان حكم الشرع من أفعال القتل والتدمير؟ هل هناك من غاضب أو رافض أو محتج على ما يأتيه هؤلاء القتلة بإسم الدين؟ هل هناك من له من الجرأة والنزاهة أن يعرفنا، ويعرف العالم معنا، بطبيعة طقوس الذبح الشبه اليومي للأبرياء ويقول لنا بالعربية الفصحى إن كان لمثل هكذا أفعال حكم الحلال أو الحرام أوالمندوب أو المكروه؟ أين كل ذلك من قوله تعالى:"خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" (الأعراف 199).
لماذا كل هذا الصمت المريب سادتي الأئمة ورجال الفكر؟ ما هؤلاء الضحايا بغزاة ولا بمحتلين ولا بمتؤامرين ولا حتى بمتعاونين. وما هؤلاء يا سادة، سوى بشر تربطنا بهم أواصر التاريخ والجغرافيا والمعتقد. ولعل أخشى ما يخشاه المرء أن يكون هناك شبه إجماع لدينا، نحن العرب من غير العراقيين، قائم على عدم الإكتراث بما تعرضت له العتبات المقدسة بالنجف الشريف. فقط لأنها وقعت في النجف! وإلا بماذا نفسر هذا الإستهداف الممنهج لتلك العتبات دون صدور أي فتوى أو حتى إعتراض أو إحتجاج؟ ماذا حصل للمبدأ القرآني " وجادلهم بالتي هي أحسن" (النحل 125).
هنا، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، ليتذكر الجميع بما في ذلك منفذي إعتداءات النجف وكربلاء، لعل الذكرى تنفعهم، مدى تأثير أبو الأسود الدؤلي الخليل بن أحمد الفراهيدي، دون سواهما، في نفس هذه اللغة التي بها يتخاطبون ويفتون. ليتذكر جميعنا تشيع ابن سينا وجابر بن حيان والفارابي واليعقوبي والمسعودي. وليتذكر ثوريينا الصامتين عما يقترف من جرائم بحق أبرياء العراق، لنذكر هؤلاء وغيرهم بأن تاريخ هذه الأمة حافل بأحداث سياسية كبرى وثورات على الظلم والحيف والإستعباد كان كبار قادتها شيعة مثل ثورة التوابين والمختار الثقفي وابراهيم بن عبدالله ويحي بن زيد وزيد بن علي سابقا، والإمام الشيرازي والحبوبي والخالصي والأعرجي لاحقا إبان ثورة 1920. بل ليتذكر أدباء وشعراء اليوم اضافات ابن ذريح وكميث والفرزدق وأبو الطيب المتنبي وأبو فراس الحمداني ودعبل وكثير ومحمد مهدي الجواهري وغيرهم لهذه الثقافة التي هي بحق عماد هويتنا جميعا شيعة وسنة ومسيحيين مشرقا ومغربا.
من المستفيد من تفجير الكنائس والأديرة في بغداد والموصل وغيرهما؟ هل إتيان هكذا صنيع مباح شرعا؟ هل يعد ذلك مقاومة للمحتل؟ هل بذلك ستضمد جراح الحاضر وتحقيق الوئام الإجتماعي والتأسيس لغد تتمتع فيه الأجيال القادمة بما إفتقده الأولون؟ لماذا يصر هؤلاء القتلة على تدنيس الجزء الناصع من الماضي بدماء الأبرياء والإجهاز على ما تبقى من تسامح ديني في ثقافتنا السياسية والإجتماعية المعاصرة؟ هل نسي هؤلاء القتلة المجرمون مفجري الكنائس والأضرحة أن عداس الموصلي لم يتردد لحظة في تضميد جراح الرسول محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) بعدما ضربه عرب ثقيف بالحجارة؟ هل نسي مشعلي الفتن هؤلاء أن النجاشي إنما رفض وبشكل قاطع أن يلبي طلب قريش عبر مبعوثها عمرو بن العاص بتسليم المهاجرين؟ فلماذا إذن هذه الإستماتة وهذا الإصرار ليس على تشويه الماضي فحسب بل وتخريب ما هو قائم من شبه وئام وتعايش سلميين حاضرا والقضاء على إمكانية تحقيقهما مستقبلا في حال إستمرت الأمور على ما هي عليه الآن.
كل ما بوسعنا، حاليا، أن نأمل بروز موجة إستنكار وإستهجان لما يرتكبه زارعي الفتن هؤلاء. موجة إستنكار يقودها الأئمة ورجال الدين بدرجة أولى والمثقفين والإعلاميين ينبهوا فيها الأمة ويكشفوا الآثار المدمرة لهكذا جرائم عملا بقوله تعالى" إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله" (الأنعام159). لنحتكم فقط إلى العقل السليم والمنطق القويم أسوة بما كتبه عبدالله بن المقفع (724-759م) متحدثا عن جماع الصواب وجماع الخطأ في "الأدب الصغير والأدب الكبير" فقال: "وليعلم أن على العاقل أمورا إذا ضيعها حكم عليه عقله بمقارنة الجهال. فعلى العاقل أن يعلم أن الناس مستوون في الحب لما يوافق والبغض لما يؤذي، وأن هذه منزلة إتفق عليها الحمقى والأكياس (ذوو العقل والفطنة)، ثم اختلفوا بعدها في ثلاث خصال هن حماع الصواب وجماع الخطأ، وعندهن تفرقت العلماء والجهال، والحزمة والعجزة."
وللقاتل شيء آخر غير القتل.
محمد طعم، واشنطن. taam68@comcast.net