ليبيا الكارثة.. والفضاء الإفريقي؟
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
أخذت الأثار الأليمة للكارثـة الصامتة التي ظلت تعانيها ليبيا منذ انفتاحها على "الفضاء الأفريقي" عام 1998 تطغى على السطح بشكل لم يعد المسؤولون قادرين على إخفائه أو التعتيم عليه. وهي كارثة صناعة محلية ثورية مائة بالمائة، جاءت نتيجة للسياسات الإرتجالية الرعناء التي أعلنها العقيد معمر القذافي وانطلق أعوانه في تنفيذها بدون تفكير ولا روية ولا تقدير للمسؤولية.
جاء الإعتراف رسميا بهذه الكارثة بكل أبعادها السياسية والإنسانية المدمرة الأحد الماضي على لسان العميد صالح رجب وكيل وزارة الأمن العام ثم في مقابلة وزير الخارجية عبدالرحمن شلقم المنشورة الاثنين الماضي في صحيفة "لا ستامبا" الإيطالية. ولكن هذا الإعتراف جاء متأخرا عدة سنوات. إذ برغم كل التحذيرات والتنبيه لخطر سياسة العقيد القذافي برفع كل القيود على الهجرة الأفريقية (بالذات) وفتح البلاد بلا شروط ولا قيود، تواطأت الأجهزة الليبية كلها ومسؤولوها على خلق هذه الكارثة والصمت عليها وغض الطرف عنها.
بدأت المأساة عندما أعلن العقيد القذافي في أواخر عام 1998، وأصبح سياسة رسمية للدولة كلها بعد ذلك، عزوف ليبيا عن الإنتماء العربي وتوجهها نحو "الفضاء الأفريقي". وطلب من الحكومة توجيه كل أموالها وجهودها الدبلوماسية والتجارية والسياسية نحو أفريقيا. وأزيلت الحدود، وأمر الليبيون بالتوجه الى أفريقيا "جنة الله على الأرض" والإستيطان في تشاد والنيجر وأوغندا وزائير. وأعلن القذافي أنه من حق كل أفريقي دخول ليبيا "بدون أوراق"، ومن حق رجالهم الزواج من ليبيات. وتغيرت كل شعارات الثورة، فاستبدلت كلمة "عربي" ومشتقاتها بكلمة "افريقي" ومشتقاتها حيث ما وجدت.
ولكن السيد شلقم اليوم يندد بهذه السياسة ويسمي الهجرة الأفريقية "اجتياحا" ويعترف أن "بعض احياء طرابلس باتت بأيدي المهاجرين... يفرضون فيها قوانينهم حيث المخدرات والبغاء مزدهران" ويعرب عن تخوفه من احتمال "تسلل ارهابيين" الى ليبيا. صح النوم ياللي راقد على ودنيك!!
لا، بل إن الأدهى من ذلك وأمر أن أحياء الأفارقة في طرابلس مغلقة وممنوع على قوات الأمن والشرطة الليبية دخولها أو الإقتراب منها. فهم دولة داخل الدولة.. لهم شرطتهم الخاصة وقضاتهم ومحاكمهم ومدارسهم وحاناتهم. وفي أحد الأحياء الذي يقنطه نيجيريون نصّبوا ملكا يحكمهم!! وأصبحوا أشبه بطائفة الـuntouchables المعروفة في الهند.. لا يُسألون عما يفعلون!
ولم يكن شلقم يجهل أهمية الإشارة الى "الإرهابيين" عزفا على ألحان الجوقة الأمريكية السائدة هذه الأيام حول ما يسمى "الحرب ضد الإرهاب"!! وزاد في تهويل الأمر الى أن قال: "ان هناك متطرفين اسلاميين يبغون اقامة دولة عازلة" في المنطقة الحدودية بين النيجر والتشاد والسودان وليبيا. دولة بحالها مرة واحدة!!
وذهب شلقم الى ابعد من ذلك فقال: "ان وجودهم بدأ في تغيير النسيج الاجتماعي في ليبيا" التي ستكون مهددة بأنها لن تبقى على ما هي عليه اليوم اذا استمر الطوفان البشري الأفريقي. فهل تراه جاهلا بأن هذا هو بالضبط ما كان يهدف إليه العقيد القذافي ويريده من فتح أفريقيا للأفارقة؟ ألم يقل العقيد في إحدى توجيهاته: "لو استطعت أن ألون الليبيين باللون الأسود لفعلت"!! ألم يلعن العرب والعروبة وكل ما يمت لهما بصلة؟ الم يعطل عضوية ليبيا في جامعة الدول العربية وينفق مئات الملايين على تجمع الساحل والصحراء الكرتوني الهزيل والإتحاد الأفريقي الذي رفض ليبيا وتنكر لها بعد أن قام وترعرع على أموالها؟
أما العميد صالح رجب وكيل وزارة الأمن العام فهو بالتأكيد أعلم بالأحوال الاجتماعية والأمنية على أرض الواقع من عبدالرحمن شلقم (الذي لم يلتزم بأوامر الأطباء الذين منعوه من التدخين وشرب الخمر المدمن عليها حرصا على صحته) فقد أكد أن "طرابلس بدأت في اتخاذ الاجراءات اللازمة لترحيل" المواطنين الأفارقة المقيمين فيها بطريقة غير شرعية. وأضاف موضحا ان وجود المتسللين في بلاده "لا يخدم مصالحها ولا امنها ويسبب لها الاحراج مع الدول الاوروبية في شمال البحر المتوسط التي تتدفق اليها هجرات غير شرعية".
وقال أن ليبيا "دفعت ضريبة كبيرة جراء تفاقم ظاهرة الهجرة عبر اراضيها" وأنها "تواجه العديد من الاضرار الناجمة عن ظاهرة التسلل والتهريب ومن بينها مخاطر امنية واجتماعية وصحية واقتصادية وارتفاع معدلات الجريمة من قبل المتسللين وخاصة جرائم القتل والسرقة وتهريب المخدرات وانتشار انماط سلوكيات جديدة تخالف قواعد المجتمع الليبي وظهور اوبئة وامراض تتعلق بصحة الانسان والحيوان والنبات لم تكن معروفة او اختفت في ليبيا من عشرات السنين". واعترف صالح رجب بأرقام مرعبة للجريمة نعتقد أنها محافظة جدا، وأن الحقيقة هي أسوأ بأضعاف مما أورده مضطرا (راجع الخبر).
إذن لم يعد هنالك من مجال لنكران الكارثة وأبعادها الأمنية والإنسانية والبيئية والصحية والإقتصادية على ليبيا حاضرا ومستقبلا. وليس هنالك من مجال للتنصل من المسؤولية ورميها على "العدو الصهيوني" أو "الإمبريالية العالمية" كما يحاول شلقم أن يرمي بها في حضن أوروبا. ولم يعد هنالك من مجال للقبول بسياسة "التوجه الأفريقي" أو تبريرها أو التمادي فيها بعد اليوم.
ونأتي بعد هذا الى بيت القصيد: مـن المسؤول، ومن الذي يتحمل تبعية هذه السياسة الهمجية الرعناء، ومن الذي ينبغي أن يحاسب ويدفع الثمن؟
هل هو المؤتمرات الشعبية الأساسية، صاحبة السلطة والقرار؟
هل هو مؤتمر الشعب العام الذي تتجسد فيه السلطة الشعبية بكل معانيها في المجتمع الجماهيري؟
هل هو العقيد معمر القذافي، حكيم أفريقيا وصقرها الوحيد ومهندس "الفضاء الأفريقي" وصاحب التوجيهات التي تُرد ولا تقبل النقاش أو النقض أو التعديل؟
هذه هي الأسئلة التي يطالب المسؤولون في ليبيا اليوم، ابتداء من معمر القذافي نفسه، بالإجابة عليها بكل دقة وبدون مواربة أو حذلقة أو تلاعب بالكلمات. فالسياسة الليبية تجاه أفريقيا قد قامت بلا أدنى شك على الإرتجال والعاطفة المزيفة، ولم تمتلك في يوم من الأيام أي شرعية أو قانونية شعبية أو غير شعبية. وأن الشعب الليبي والمؤتمرات الشعبية (بكل عيوبها ومثالبها) بريئون براءة تامة من هذه السياسة المرفوضة التي تحولت الى جرائم وكوارث لا يعلم مداها أحد.