المصالحة مع عروس الثورات !
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
-على عادتهم في التعامل مع قضايانا الحيوية بسطحية ولا مبالاة تربك المواطن وتلغم الساحة بالمواقف المفخخة، مثل تلك التصريحات عن دول الجوار ونقل الحرب الى شوارع طهران ودمشق، في بلد يقتل الناس فيه بالمجان، ولا يملك سوى طائرتين لا تكفي حتى لمكافحة الجراد، وكذا عن الحرب الاهلية التي يراوح فيها بعض ساستنا، بين الممكن وغير الممكن، دون ان يراجعوا التأريخ والقاموس السياسي، ويبحثوا فيه عن يوغسلافيا والاتحاد السوفييتي ! وقف عدد من الساسة والمسؤولون العراقيون، ليدلوا بتصريحات غامضة مشوشة مثيرة للاستغراب، عن المصالحة. واذا انتبهنا لتوقيت التصريحات التي تسبق اعلان نتائج الانتخابات، فيمكننا ان نعتبرها مناورة واضحة للالتفاف على الطرف المتوقع فوزه، ومحاولة لأخذ زمام المبادرة منه وفرض اجندة مسبقة عليه. وهي بنفس الوقت عملية اعادة ترتيب للاوراق وتحضير مبكر، غير معلن، للاستحقاقات المقبلة، مثل كتابة الدستور والاستفتاء ثم الانتخابات نهاية العام الحالي 2005 !
- واذا دققنا في مفهوم المصالحة، كما وردت في المنجد في اللغة والاعلام الصفحة 432 تحت كلمة ( صَالَحَ صِلاحاً ومُصَالَحَة ً هُ : خلاف خاصمه... الصُلْح : السِلْم، وهو اسم من المصالحة ويقال : هم لنا صُلْحٌٍ، أي مصالحون. وعند ارباب السياسة : رفع الحرب على شروط تعرف بشروط الصلح ) نجده بعيدا عن الواقع السياسي والتأريخ العراقي، الذي يشير الى عدم وجود خصومة من أي نوع بين مكونات الشعب العراقي. خاصة وان التنظيمات السياسية والقوائم الانتخابية والذين شاركوا في الانتخابات وحتى المقاطعون لها، ينتمون لكل الوان الطيف العراقي، باعتراف هيئة علماء المسلمين نفسها. كما ان المؤسسات والاجهزة العراقية، الادارية والسياسية والعسكرية مليئة، حاليا، بالبعثيين السابقين غير الملوثين ! وهذا يعني ان كل العراقيين مشاركون في العملية السياسية، وان لهم الحق في اتخاذ الموقف الذي يرونه مناسب سلبا وايجابا. وبالاضافة الى ان الجميع حتى اولئك الذين يروجون ( للمقاومة ) يعقدون اجتماعات وحوارات علنية ومؤتمرات في بغداد، فالسؤال الذي يطرح نفسه بالحاح : المصالحة مع من !؟ ومن هو الطرف الغائب؟
- اننا اذا اعتبرنا التصريحات من مثل: ( لا مصالحة مع القتلة الذين ارتكبوا جرائم بحق الشعب العراقي ) فقاعات اعلامية، وانها من مستلزمات السياسة، فان هناك طرف واحد يظل خارج العملية السياسية، وهو حزب البعث، الذي يبدو انه المقصود بالمصالحة، ويراد اعادة الاعتبار له وتأهيله للعودة والنشاط مجددا. وهذا ان حدث يمثل خطوة الى الوراء وتكرار لنفس الخطأ، الذي سبق ان وقع فيه العراق والعراقيون ودول المنطقة فدفعوا الثمن غاليا، بعد ان جرهم لحروب وكوارث آثارها ماثلة للعيان، من بينها الاحتلال الاميركي للعراق.
- ولكي لا يُدفع الثمن مرة اخرى، نذكر البعض الذي يتجاهل أو لا يزال غير مقتنع بالقاعدة القانونية التي تؤكد بان الافلات من العقاب يؤدي لتكرار الجريمة ! بوقائع للبعثيين الذين يراد المصالحة معهم، ومنها ما حدث للراحل عبد الكريم قاسم، في مواجهته لهم. فبعد ان اصبحوا في قبضته، عفا عنهم وسامحهم وقال عبارته الشهيرة : عفا الله عما سلف ! فكان ردهم عليه بالقتل في انقلاب 8 شباط 1963 الذي أغرق العراق بالدم. وهم لايزالوا، حتى اليوم، يحتفلوا بهذا الانقلاب ويسموه ( عروس الثورات ). واستمروا بعدها في غدرهم بكل من تعامل معهم من القوميين العرب والاكراد. أما الشيوعيون، فقد ذهبوا بعيدا حين عبروا نهر الدم ( لعروس الثورات )، وتحالفوا مع البعثيين في ما سمي حينها ( الجبهة الوطنية ) لتتكرر المجزرة ويدفعوا الثمن ثانية. وحتى تلك الدول التي وقفت مع نظام البعث في عدوانه على ايران عام 1980، ارتكبت نفس الخطأ عندما سمحت بأن تمر هذه الجريمة من دون عقاب، فعاد نظام البعث ليكررها ثانية بجريمته في غزو الكويت واحتلالها عام 1990.
- ان الاذى الذي تعرض له العراقيون جراء السياسات المغامرة والطائشة، للبعثيين، التي احرقت الحرث وابادت النسل وتسببت في الاحتلال، لا يمكن نسيانه والقفز فوقه، وينبغي ان تترك للبرلمان وللقضاء العراقي ليقول رأيه فيها، بعيدا عن المصالح الضيقة واساليب الكسب الرخيص، ورغبة هذا السياسي أو ذاك، خاصة وان هناك محاكمة لرموز البعث ونظامه يجري التحضير لها.
- وفي نفس الوقت لابد من التأكيد باننا لا ندعو للثأر ولا نشجع الرغبة في الانتقام، بل نطرح رؤية واجتهاد سياسي، لا تؤمن بوجود مصلحة وطنية، واسس منطقية لهذه المصالحة مع فئة لم تظهر، طيلة وجودها في الساحة السياسية العراقية، في المعارضة والسلطة، اي قدر من المسؤولية والمصداقية السياسية.
- وبعيدا عن هذه المصالحة المثيرة للشك وعدم الارتياح، فان البديل الواقعي والمنتظر من السياسيين العراقيين، هو الحوار والتوافق الوطني، لمواجهة مهام المرحلة الحالية، واعتماد سياسات ذات برنامج وحلول اقتصادية واجتماعية تعزل الارهابيين، ومنهم البعثيين، وتسحب البساط منهم، وتقدم حلول للازمات التي يعاني منها المواطن، وتسعى في نفس الوقت لاستعادة الثقة بالثوابت الوطنية، ليكون العراق وطن الجميع الذي يحترم حقوق كل المكونات واصغرها بالتحديد، سياسات تحرم استخدام العنف، وترسخ مبدأ المواطنة واحترام الحريات وسيادة القانون، لتبدأ حينها مصالحتنا الحقيقية مع تاريخنا وثقافتنا ودورنا التاريخي الحضاري في المنطقة والعالم.
محمد ناجي
muhammednaji@yahoo.com
\