مثلث عربي متسع
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
مقدِّمة لفهم التصعيد الأمريكي ضدَّ سورية
لم تحمل لهفة إدارة بوش لتصعيد موقفها المعادي لشعبنا العربي في سورية أيَّة مفاجئات، فبعد أسابيع من بدء المرحلة الرئاسيَّة الثانية لجورج بوش الثاني، وبعد أيَّام من تسلُّم كوندليزا رايز مهام منصبها الجديد، بدأت الإدارة الأكثر كراهية وعداء للشعب العربي تنفيذ صفحة جديدة من صفحات التصعيد، ودفع شعب المنطقة لحافة هاوية جديدة.
النوايا الأمريكيَّة تجاه سورية واضحة ومعلنة، ولا تحتاج إلى أيِّ جهد استنتاجي. فمراجعة بسيطة لمواقف أركان الإدارة وتصريحاتهم، واستعراض التحرُّكات الأمريكيَّة لحشد موقف دولي مساند لموقفهم المضاد لسورية، وفهم أبعاد مشاريع القوانين التي تبنَّاها الكونغرس الأمريكي المتعلِّقة بسورية يتَّضح بأنَّ العدوان على الشعب السوري يشكِّل هدفًا أمريكيًّا مُعلنًا ومرتبطًا بمشروع الهيمنة الأمريكي.
من البديهي أنَّ شنَّ عدوانٍ عسكريٍّ أو اقتصاديٍّ ضدَّ الشعب السوري يتطلَّب خلق مبرِّرات سياسيَّة وقانونيَّة وأمنيَّة، لا بل يستوجب شرعنة العدوان عبر قرارات صادرة عن مجلس الأمن تقدِّم غطاءًا للعدوان الأمريكي المتوقَّع. لذا، فاغتيال رفيق الحريري، رئيس الوزراء السابق وتداعياته السياسيَّة اللبنانيَّة والإقليميَّة لا يمكن تفسيرها بمعزل عن جهود خلق المبرِّرات الممهِّدة لعدوان أمريكي جديد، وتزيد من تأزُّم الموقف السياسي اللبناني، ورفع مستوى الاحتقان اللبناني – السوري، وتصعيد حالة عدم التوازن الهش في المنطقة، وتضييق الخناق على الدولة السوريَّة، ودفعها لتقديم تنازلات سياسيَّة جديدة وإلى التخلِّي عن حقوقها المشروعة في الجولان، والقبول بالهيمنة الأمريكيَّة، والتعامل مع مفرداتها بشكل واضح. اغتيال الحريري، بدون شكِّ، يشكِّل نابضًا لإطلاق شرارة المشروع الأمريكي الصهيوني على شعبنا العربي السوري.
من الخطأ قراءة تفاعلات المشهد السوري- اللبناني وتفسيراته، وتأثيرات اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، وإدراك الأبعاد الحقيقيَّة للتصعيد الأمريكي ضدَّ سورية بمعزل عن المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة وتفاعلاتها الإقليميَّة والدوليَّة.
ثمَّة جملة من الحقائق بالغة الأهميَّة لا بدَّ من التوقف أمامها لفهم جوهر الأهداف الأمريكيَّة- الصهيونيَّة وأهدافها من التصعيد الأخير ضدَّ سورية.
1- إنَّ أدراج سورية كهدف أمريكي استراتيجي، مثبت في الأدبيَّات السياسيَّة الأمريكيَّة، ولا صلة له بتطوُّرات المشهد العراقي، أو بما يسمَّى "الحرب الأمريكيَّة على الإرهاب!" أو ردُّ فعل على ما يسمَّى " الدور السوري السلبي في العراق"، بل يشكل نقلة عمليَّة في اتِّجاه تنفيذ مخطَّط إعادة تعريف المنطقة، وإعادة رسم الخارطة السياسيَّة والجغرافيَّة لكياناتها، وتحويلها إلى مجموعة من الإقطاعيَّات الطائفيَّة والعرقيَّة والنفطيَّة هامشيَّة الحجم والتأثير، بشكلٍ لا تستطيع منفردة أو مجتمعة من تشكيل مخاطر جديَّة على أمن" إسرائيل".
2- إنَّ نجاح الجهد الأمريكي في سورية، وتقسيمها إلى دويلات وأقاليم طائفيَّة، سوف يحسم قضيَّة سلخ الجولان وضمِّها نهائيًّا إلى الأراضي المُغتصبة في فلسطين، وبالتالي تحقيق خطوة متقدِّمة في اتِّجاه تحقيق مشروع الدولة الصهيونيَّة.
3- إنَّ احتمالات إخفاق مخطَّطات الإدارة الأمريكيَّة أو نجاحها وقدرتها على تحقيق انتصارات عسكريَّة وسياسيَّة حاسمة في الجبهة السوريَّة، يعتمد بشكل أساس على تفاعلات المواجهة العراقيَّة وعلى قدرة القوَّات الأمريكيَّة المحتلَّة والميلشيات العنصريَّة والطائفيَّة المتجحفلة معها على التعامل مع تحديات المشهد العراقي ولا سيَّما التحدَّيات الأمنيَّة.
لقد حسمت تجربة المرحلة المنصرمة من الاحتلال الأمريكي البشع للعراق حتميَّة انتصار المقاومة العراقيَّة الوطنيَّة الرائعة، وعلى أنَّها أمست الرقم الأصعب في معادلة المخطَّط الأمريكي في المنطقة، وأصبحت الرافد الأساس لمقوِّمات الأمل والتحدي وعناصرهما في جسد الأمَّة العربيَّة. لقد برهنت النجاحات السياسيَّة والعسكريَّة لفصائل "نمور الرافدين" على أنَّ خيار المقاومة هو الخيار الأكثر فعَّاليَّة في الدفاع عن مصالح الأمة العربيَّة ووجودها، والأكثر ضمانة للحفاظ على مكتسباتها الحضاريَّة وإمكانيَّاتها الاقتصاديَّة.
من الواضح أنَّ التصعيد الأمريكي ضدَّ الشعب السوري يثير جملة أسئلة مشروعة، لعلَّ أبرزها تلك المتعلِّقة بطبيعية العدوان المبَّيت لسورية، وقدرات الإدارة الأمريكيَّة على فتح جبهة مواجهة عربيَّة جديدة في الوقت الذي تعاني فيه من أوجاع ضربات المواجهة العراقية؟
في تقديرنا ومع قناعتنا في وجود نوايا واضحة وقرارت وخطط معدَّة للقيام بعدوان عسكري واسع أو محدود على الشعب السوري إلاَّ أنَّ الاحتمال الأكثر وقوعًا هو لجوء الإدارة الأمريكيَّة لفرض حصار اقتصادي جائر على سورية يضعف الدولة والمجتمع السوري، والى إنهاكها والى أضعاف وتآكل البني الاقتصادية والاجتماعية، وبشكل يؤدي إلى نجاح الإدارة الأمريكية في تحقيق أهدافها دون اللجوء إلى استخدام الخيار العسكري. هذا القناعة تستند على عاملين، الأوَّل، يتعلَّق بتسويق العدوان. تسويق هجوم عسكري مباشر على سورية، يتضمَّن تحدِّيات تعبويَّة كبيرة، واحتمالات النجاح أقلُّ بكثير من نجاحها في عدوانها على شعب العراق.
أمَّا العامل الثاني والأهم، فيرتبط بالقدرات الأمريكيَّة العسكريَّة التي فشلت في السيطرة على شعب العراق وتطويعه، وإخماد مواجهته الوطنيَّة الباسلة ضدَّ الاحتلال ومشاريعه ومؤسَّساته.
الفشل في إخماد مقاومة شعب العراق ضدَّ بطش الاحتلال سيؤجِّل، في تقديرنا، تاريخ التوقيت العسكري الأمريكي على شعبنا في سورية، إلاَّ أنَّها لن تلغيه من المفكِّرة العدوانيَّة للعصابة المحافظة في واشنطن.
إزاء هذا الفهم لمتغيِّرات معادلة النوايا الأمريكيَّة الصهيونيَّة المتقاطعة بالضرورة مع مصالح شعبنا في سورية ومع المصالح الحيويَّة للأمَّة العربيَّة، ما هي طبيعة الموقف المطلوب وطنيًّا وقوميًّا لمواجهة هذا المشروع الاستعماري البشع؟
هنالك خيار وطني وقومي وإنساني واحد، الوقوف مع شعبنا في مواجهة أيِّ عدوان، بغضِّ النظر عن طبيعته أو مبرِّراته أو الجهة المنفِّذة. نحن إزاء موقف خالي من الضبابيَّة ومن الخنادق المشتركة أو المتقاطعة. هنالك خندقان متقابلان ومتقاطعان، خندق شعبنا في سورية والخندق الأمريكي الإسرائيلي والقوى المتجحفلة مع الليكود الأمريكي.
الانتماء الوطني والقومي الصميم يتطلَّب التخندق مع شعبنا بدون شروط أو تحفُّظات، وبخلافه فإنَّ النقص في ذلك الانتماء واضح ومحسوم. هنا تستوجب الإشارة إلى محاولة نفر من ذوي المواقف السياسيَّة المتقاطعة مع مواقف الحكومة السوريَّة إثارة ملفَّات سوريَّة داخليَّة والإشارة إلى سياسات الحكومة السوريَّة الداخليَّة والعربيَّة وطرحها كمبرِّرات لرفض الدعم إلاَّ مشروطًا لسورية في مواجهتها الحاليَّة. ومع احترامنا لحقِّ تلك التجمُّعات أو الشخصيَّات في طرح رؤيتها السياسيَّة، ومع تحفُّظاتنا وملاحظاتنا على الكثير من ممارسات الحكومة السوريَّة خلال العقود الماضية، إلاَّ أنَّ خطورة التحدِّيات تتطلَّب تأجيل الحوار الوطني والقومي، وتستوجب تكثيف الدعم للجهد السياسي السوري عسكريًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا. فظروف المرحلة، ومتطلَّبات الأمن القومي ومستقبل أجيال الأمَّة القادمة تتطلَّب من الجميع وضع كافَّة إمكانيَّاتهم في خندق الشعب العربي، خندق سورية.
إنَّ الحقائق التاريخيَّة تشير إلى أنَّ شعبنا في سورية قد قدَّم الكثير من المواقف والمساهمات القوميَّة، وفي ربوعها ترعرعت وازدهرت وانطلقت بواكير الفكر القومي والحركات الطليعيَّة. لذا، فإنَّ أخلاقيَّة الوفاء تتطلَّب الوقوف المطلق وغير المشروط مع سورية.
لقد استخدمت الإدارة الأمريكيَّة ضمن حملة خداعها الشامل قضيَّة تهديد العراق لأمن المنطقة واستقرارها، وساقت المبرِّرات المزيَّفة لتسويق عدوانها على شعب العراق، إلاَّ أنَّ المقايسة الموضوعيَّة لأمن المنطقة العربية واستقرارها خلال المرحلتين السابقة واللاحقة لاحتلال العراق تشير إلى حقيقة أنَّ المنطقة الآن أكثر خطورة ممَّا كان عليه الوضع قبل المغامرة الأمريكيَّة الطائشة.
ثمة حقيقة مهمة لابد من تأكيدها. لقد برهنت التجربة النضاليَّة لشعب العراق الأبيِّ خلال المرحلة المنصرمة، كما سبق طرحه أعلاه، على أنَّ خيار المقاومة هو الخيار الأفضل والأكثر ضمانة للحفاظ على الهويَّة القوميَّة والوطنيَّة لشعب العراق. وبرهنت أيضًا على قدرات فصائل المقاومة الرائعة ليس في توجيه الضربات العسكريَّة المؤثِّرة، وعلى تعطيل الجهد العسكري الأمريكي فحسب، بل على تحكُّمها في متغيِّرات الموقف السياسي أيضًا. وبرهن شباب العراق وماجداتُه على كون أرض العراق مُثلَّثًا احمر و متَّسعًا. وليس لدينا شكٌّ في قدرة شباب الأمَّة
العربية على توسيع مثلَّث العراق الأحمر وتحويله إلى مثلَّثٍ عربيٍّ متَّسع.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف