أصداء

اعتراف ألواد السوري

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

إنه زمن الاعتراف أيتها الأم العزيزة، زمن غسل القلوب، أن يغسل الأب قلبه تجاه أسرته، أطفاله و زوجته، إخوته و أخواته، أهله و جيرانه، أن يغسل الأبناء قلوبهم تجاه بعضهم الآخر، تجاه آبائهم و أمهاتهم، تجاه أصدقائهم و صديقاتهم، تجاه الآخرين كلهم. إنه زمن اعترافنا لبعضنا. كنتُ أودُّ إشراك الأب السوري أيضا في هذه المبادرة المصيرية الشريفة الخلاقة، بِ ذكْرِ لقبه كما أفعل مع الأم السورية و التي و لحسن الحظ كلما ذكرتها منسوبة للوطن، نرى الوطن يُعرَّف بها و ليس العكس، فسوريا هي الأم التي نُنْسَبُ إليها بكلِّ فخر، لأنها و بدون مبالغات و عواطف طيّارة ، هي عشتار السماء و الأرض، هي إنانا السماء و الأرض، هي ربَّة الخلق و الحبِّ و التكاثر، و هي ربَّة العالم السفلي، عالم الموت و الحساب، سوريا هي رمز التوالد و الموت و الحياة، رمز الربيع و الخريف، هي التي تبقى في كبد السماء، و هي التي تتحول قطعة قطعة، بدءاً من جدائلها الجميلة و انتهاءا بدائرتها المكتملة بدرا في صفحة السماء، و حين تنظر إليها و هي في هيئتها الأنثوية المشبعة، ترى في جوفها جنينا كونيا مهيئا لِ الاندلاق من أحشائها المقدَّسة عبر الكون الواسع، سوريا هي التي تختفي بوضعيتها المكتنزة في رحلة إلى العالم السفلي لتكون هناك ربَّة الحساب، و بعد أدائها وظيفتها الإلهية هناك، تعود لتظهر لنا نقيَّة نظيفة بعد أيام ثلاثة من اختفائها المقدَّس. إنها سورية، أم الأرض و السماء، المعشوقة الأولى في ملكوت الله، و السفيرة الأولى لِ ملكوت السماوات و الأرض بين البشر، منها انطلقت الأفكار و الحِكَم الكونية، و من قلب الشام راحت أمُّنا تُبشِّر المتوسط شرقا و غربا بِ أخلاقٍ سوريٍّ أمْسَتْ هي جذر الحضارات في جهات المتوسط حتى الشمال منها. سوريا هي التي أعطت اسمها لشمال المتوسط – كما تقول الاسطورة- حين قَدِمَ كبير آلهة اليونان( زيوس ) في هيئة الثور المقدَّس و حمل أوروب ابنة سوريا على ظهره و طار بها إلى الشطِّ الشمالي من المتوسط، إلى القارة التي اكتسبت اسمها من عروسنا، ابنتنا، ابنة سوريا( أوروب)، و منذ ذاك الحدث الجلل أخذت تلك القارة اسمها الجميل/ أوروبا/، و هنا يبدأ الاعتراف الحقيقي و الشفَّاف، و لتكن البداية منِّي أنا ابن أوروب حفيد سوريا الأم الرائعة، الأم الكونية الأولى، و الاعتراف في أعرافنا أو في أعراف سورية هي على طريقتين، اعتراف جماعي، و اعتراف فردي لِ خادم المعبد أو الهيكل، و أنا لا ضير عندي في الطريقة التي عليَّ أن أعترف، فَ في الاعتراف الجماعي أقف بخشوع أمام خادم عشتار السورية و أقول: إنني نادم على انسياقي خلف تعاليم مخالفة لتعاليمكِ يا عشتار، و أنا نادم على تخاذلي و رضوخي الذليل لِ الشعارات و الخطابات الذكورية التي دمَّرَتْ منظومتكِ الأخلاقية و القيمية هنا تحت قبَّة معبدكِ المقدَّس، و أنا نادم على عدم مصارحتي بِ أننا قطيع خنوع ذليل لا دماغ في جماجمنا، بل أخيلة أكلَ الدهر عليها و شرب، و أننا استبحنا مفاتنكِ لِ الرمال و سيوف النخيل، لم نحترم قدسيتكِ، و لم نكتشف قدراتك السامية على أخلاق الصحراء و ذكورتها البائسة المقرفة.
أمَّا في الاعتراف الفردي، و لِ أكن أنا الأول في هذا الاعتراف أيضا، و لأنه فردي بيني و بين وكيل الله، و أتمنى أن ينقل اعترافي كما هو دون زيادة أو نقصان، أقول له( و من خلاله لِ ربِّه): إنني لستُ راضيا عمَّا يفعله هنا على الأرض من خلال وكلائه و رسله و أنبيائه، و إنني لا أعترف بهم جميعا، لأنني لستُ بِ قاصر عن إيصال صوتي و رأيي الصريح له مباشرة دون وسطاء، و بناءا عليه أقول لكَ يا وسيط الله: قلْ له بأننا لسنا بحاجة إلى وسطاء، و قلْ له بأنه قادر على سماع صوتنا و رأينا مباشرة دون الحاجة إلى هؤلاء الأدعياء، و قلْ له بأننا أو( بالأحرى )، إني لا أؤمن بهم مهما كانت منزلتهم لديه، و إني أقول له صراحة: إن الذي يجري هنا على الأرض بِ اسمه كله هراء، و كله مهزلة و إجرام بِ حقِّ الإنسان، و الذي يجب أن يكون حقَّا هنا، هو المساواة بين البشر دون التفرقة بينهم، دون اعتبار قسم منهم أتباعه، و القسم الآخر أتباع نقيضه، لأن الأساس في هذه المسألة هو أنه لا يوجد الله الخير الكامل، و شيطان الشر الكامل، و إذا كان و لا بد في اعتماد نظرية الله في الكون، فلا يمكن الحديث عن الله الخير دون الحديث عن الشيطان الشر، لأن انتفاء أحدهما يؤدي إلى انتفاء المنظومة بكاملها، و لهذا، فأنا أدعو لاعتماد شرائع بشرية أرضية تحقق المساواة بين البشر بِ صرف النظر عن لونهم و عرقهم و متخيَّلهم، و فلْ له: كفى هذا الظلم باسمه، كفى تقسيم البشر ظلما و بهتانا بين أخيار و أشرار، كفى قتل الناس باسمه و لأجله، و هنا أتوجه إليكِ يا سورية، يا أيتها العزيزة الغالية على قلبي، أرجوكِ، لا بل أتوسَّل إليك و أقبِّل قدميكِ المقدستين ألاَّ تحطِّي من شأنكِ و مقدارك و تتوسلين إلى الذين هم أدنى منكِ للدفاع عنك، إنكِ يا سوريا رمز الحضارات و الثقافات و الأديان، و لستِ بحاجة إلى أمم أقلَّ شأنا منك للدفاع عنكِ، و كوني واثقة يا عشتار بأنهم لا يريدون الخير لك، لأنهم إنْ كانوا من أصحاب الخير، لما دمَّروا منظومة القيم و التصورات الدينية الأولى في بلدانهم، لِ مَنْ تتوجهين يا أمَّ الكون؟!
أ تتوجهين إلى أولئك الذين تنكَّروا لِ تراثهم و ميثولوجياتهم، إلى أولئك الذين أحدثوا شرخا فظيعا و قطيعة رهيبة بين ثقافة أسلافهم و حاضرهم الجامد المتخلف الرافض لِ دينامية الحياة المتطورة أبدا؟!
إنهم سَ يدفعوننا لِ السقوط في الهاوية، سَ يفعلون ذلك لأنهم لم يستطيعوا تقبُّل منتجات أدمغة أجداد أجدادهم، لأنهم فقأوا أعينهم و أعين أبنائهم و أحفادهم، لأنهم فجَّروا غشاء الطبل في جهاز السمع لأبنائهم و أحفادهم، فَ كيف لهم أن يسمحوا لكِ يا سوريتي أن تستمري وضَّاءة حافظة لِ روائع الأجداد في هذه الجغرافيا المقدَّسة؟!
أنت يا سوريا، يا أيتها القمر التي تشعشع في كبد السماء و ترسلين أضواءك إلى النجوم التي تشيِّع موكبك المهيب في عتمة الليل، لا يمكنك إلاَّ أن تكوني سوريا، إلاَّ أن تكوني عشتار، ربَّة السماء و الأرض، و لن يتم ذلك إلاَّ إذا كنتِ سوريا، و فقط سوريا، أن تكوني الأم و الأخت و الإبنة و الزوجة السورية.
أرجو ألاَّ تنجرفي إلى المسالك التي تخططها لكِ تلك القوى الغريبة عنك و عن جذورك، فَ أنا أخشى عليك، على جمالك و روحكِ، أخشى أن يغرسوا إبرة البذل في النخاع الشوكي و يسحبوا اليخضور من سوائلك لِ تتحوَّلي إلى رقمٍ صحراويٍّ متمِّمٍ لِ هذا الجفاف و القحط في الجغرافية المعادية لقطرات الندى، تلك التي تتشكل برعاية الحبيبة عشتار/ القمر/ الساهرة بين النجوم و النيازك، إنني أحسُّ بتراجع لدونة جسدكِ، و الذبول الذي يجتاح وجنتيك، و الجفاء الظاهر في حنانك على بذورك و أزهاركِ، إنهم يريدونك أكثر من ذلك، يريدونك جارية، لا بل عبدة كَ اللاتي تحكي عنهنَّ كتب أسلافنا بكلِّ فخر و دون استحياء و خجل، يريدونك هكذا كي يتساووا معك في المستوى المتدني من الرقي بعد أن يربطوا رأسك بِ عقال الكهوف المعتمة، و الصحارى الجدباء المجدبة، إنهم يفعلون المستحيل كي يقطعوا حتَّى أمواج الأثير التي تشدُّكِ إلى حوض المتوسط و شماله، و لقد تمكَّنوا/ إلى هذه اللحظة / من فعل ذلك، لأنكِ فتحتِ قلبك و صدرك لهم و لِ ثقافتهم اللاثقافة، و لِ آيديولوجيتهم الحاقدة القائمة على معاداة الآخر و الغدر به و إلغائه من الحياة، إن ثقافتهم الصفراء و السوداء قد عشَّشَت في أجهزتكِ إلى حَدٍّ باتت تشكِّل خطرا حقيقيا على كيانكِ و كينونتكِ يا أيتها الجميلة التي كنتِ تراقصين الفراشات كَ طفلة غريرة على ضفاف الأنهار، و في الحقول الخضراء و البساتين الندية، إنك الآن في محرق المجهر، هذا المجهر الذي تحمله الأيادي الملوَّثة، و توجِّهه نحو الشمس لاستجماع طاقتها المدمِّرة كي تحرق مركز النبض فيكِ يا أيتها الحبيبة لِ تتحوَّلي إلى كهفٍ مُعْتمٍ تعوي الذئاب فيه بِ حرية تامة، هذا القطيع الذي يجرجرك من ثيابك نحو الهاوية، إنهم يسوقونك إلى المقصلة بِ شعاراتهم النارية و خطاباتهم الأصولية العنصرية مستفيدين مِن الأثير الذي تهاونتِ معهم بِ سرقته منَّا و من أولادنا، و ها هم يقطعون الهواء عن أنفاسنا و يلوِّثونه بِ سموم ولاءاتهم القاتلة، إنكِ تمشين إلى حتفك يا عشتار إذا ما تركتِ الأرض و الهواء و السماء مُلْكاً لهم و مزرعة يعيثون فيها فسادا و إفسادا، حرْقا و تدميرا. عليك يا أيتها الأم الكبرى أن تتخلصي من عضَّات كلاب الجحيم، عليك أن تدفعي مشاعل النور نحو عيون الذئاب كي تتخلَّصي منهم مرَّة و إلى الأبد.
أرجوكَ يا ابن سورية البار أن تقول لهم غداً، و بِ صراحة تامة، و تأكد بِ أننا معكَ و مع الحبيبة سورية، بأنكَ سوف تتصالح مع النجوم و الشهب و الأضواء الكاشفة، و أرجوك أن تقول لهم بأن الأثير هو مُلْكُ السوريين جميعا، و أنْ لا مكان لِ ثقافة القهر و القتل هنا على أرض سورية العزيزة المتحضِّرة، و أن أشجار النخيل هي من تاريخ العجاج و الصحراء، و أنَّ تدفُّقَ الأنهار هو رمز سورية الخالدة، و إلى الأبد.
4/03/005 * فهان كيراكوس* سوريا
Mvw55hl@naseej.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف