ملحق شباب ألاسبوعي

مهنة ممتعة ومربحة

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مهنة ممتعة ومربحة ..صطياد السائحين


أحمد عبد المنعم : في ميدان طلعت حرب الذي يتوسط قلب القاهرة وقف بجوار " جروبي " ذلك المطعم الشهير ، عيناه تتحركان يمينا ويسارا في إتجاه المارة الذين يموج بهم المكان .لا يكترث كثيرا بأعدادهم الهائلة ، فأغلبهم من المصريين الذين لن يجد ما يبحث عنه لديهم .. فهو يبحث وسط هذه الكومة من البشر عن أناس آخرين من أصحاب الشعر الأصفر والعيون الزرقاء أو هؤلاء السياح القادمون من البلاد الباردة . إعتاد الوقوف فى هذا المكان يوميا منذ أن فشل في دراسته الجامعية قبل بضعة أعوام ،جذبته دنيا السياحة وعالم الخواجات الذي غاص فيه فوجده ممتعا ومربحا . فهو عندما يقارن بين متوسط دخله وبين دخل زملائه الذين تخرجوا من الجامعة يجد نفسه رابحا كل مرة هذا بالإضافة إلى الهدايا التى يغدقها عليه السياح فى حال إجادته للعمل كمرشد سياحي .
المشكلة الوحيدة التى عادة ما تعكر صفوه تكمن فى مضايقات شرطة السياحة التى تطلب منه ترخيص مزاولة مهنة الإرشاد السياحي، ولكن لا بأس فكسب ثقة مجموعة السائحين الذين يعمل معهم كفيل بتدخلهم للدفاع عنه في حال وقوعه فى مثل هذه المشكلة .. فقط عليهم القول بأنه صديق شخصي وليس مرشد سياحي . وبالطبع عليه هو تنبيههم إلى كيفية التصرف فى مثل هذه المواقف حتى لا يخسروا هذا المرشد المجاني الذى صار بمثابة الأذن التى يسمعون بها واللسان الذي يتحدثون به وربما أكثر من ذلك بالنسبة لبعضهن .
السائحون الذين يسيرون فى هذا الشارع كثر ، فطلعت حرب هو أشهر شوارع وسط القاهرة وأكثرها حركة . وعلى كثرة هؤلاء السائحين فالذين يقبلون الإستعانة بمرشد سياحي قليلون ربما لأنهم لا يريدون تحمل مزيد من النفقات ، وربما لأنهم يتبعون نصيحة صديق سبق أن زار مصر وعاد بذكرى سيئة مع هؤلاء المرشدين .
و بحكم الخبرة التى يتمتع بها من العمل فى تلك المهنة طوال السنوات الماضية فهو يستطيع أن يحدد الأشخاص الذين يقبلون والآخرون الذين يرفضون ،فالشباب وخاصة الذين يحضرون مع صديقاتهم أو زوجاتهم عادة ما يكونون الأقل رغبة في إصطحاب مرشد خلال جولاتهم السياحية، فهم من ناحية يرفضون فضول هذا الشخص الذى سيعكر صفو خلوتهم ، ومن ناحية أخرى فهم يستطيعون تحمل مشاق البحث عن مقصدهم دون أن يمنعهم الشعور بالإرهاق عكس السياح من كبار السن أو الذين يحضرون في مجموعات حيث يسعون في هذه الحالة للوصول إلى مقصدهم بأسرع وقت وبأقل مجهود وبالتالي فهم الصيد السهل .

اللحظة المناسبة

الآن فقط بدأ هذا الصيد يلوح فى الأفق، مجموعة سائحين من "منتصفي العمر" يسيرون في الشارع .عليه أن ينتظر قليلا قبل عرض خدماته عليهم ، فإختيار الوقت المناسب هو أحد أهم مهارات هذه المهنة . سار خلفهم وهو ينتظر الوقت المناسب للحديث إليهم حتى أخرج أحد أفراد المجموعة من حقيبة يده خريطة لشوارع القاهرة وبدأ يتشاور مع زملائه حول موقعهم من المكان الذي يبحثون عنه . في تلك اللحظة فقط عليه عرض خدماته عليهم من دون تأخير حتى يبدو الأمر طبيعيا وغيرمفتعل . لغته الإنجليزية متواضعة وإن كان تعامله المستمر مع السياح قد مكنه من إكتساب مهارة الحديث بدرجة تكفي للتعامل مع الآخرين خاصة إذا كانت الإنجليزية ليست لغتهم الأم شأن أغلب السياح القادمين إلى مصر والذين غالبا ما يكونون من روسيا أو أوروبا الشرقية إضافة إلى البعض القادمين من ألمانيا و إيطاليا وفرنسا . لم يجد صعوبة في إقناع هذه المجموعة بإصطحابهم إلى المكان الذي يقصدونه وفى الطريق عرض عليهم مرافقتهم خلال فترة وجودهم فى مصر ، وافقوا على الفور خاصة وأنه أكد فى بداية حديثه أن هدفه فقط تنمية اللغة الإنجليزية بإعتبارها الخطوة الأولى للحصول على مهنة مربحة فى مصر ، كما أنه لن يتقاضى أي أجر عن هذا العمل .. أو هذا ما قاله لهم !

بالطبع هو لا يفعل ذلك بهدف تنمية لغتة الانجليزية ، وأيضا لا يضيع وقته في اصطحاب هؤلاء السياح من دون مقابل مادي ولكن عليه فقط إقناعهم بذلك حتى يكسب ثقتهم ليبدأ بعدها مرحلة جني الثمار والتي عادة ما تكون عبارة عن نسبة من قيمة المبيعات التي يشترونها من أي محل يبتاعون منه وهذه النسبة تصل إلى 50% وربما أكثر .. ولما لا أليس هو الشخص الذى أقنع الفوج بالشراء من هذا المحل من بين المحلات الأخرى المتراصة بجواره ؟
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد فعليه أيضا إقناعهم بالقيام بجولة سياحية خارج القاهرة التي لا تبهرهم أضواء فنادقها ولا زحام شوارعها، فهم يبحثون عن الآثار أو الشواطئ الساحرة وربما الصحراء التى لم يتح لهم رؤية رمالها الصفراء من قبل . كل ذلك موجود فى مصر ،المهم المرشد الناجح الذي يتولى تسويق تلك الأماكن بشكل جيد وإذا نجح فسيربح الكثير والكثير. فالرحلة التى تكلف دولارا سيضيف عليها دولارا آخر لنفسه والنزهة البحرية التى تكلف دولارين يضيف إليها أربعة دولارات لنفسه وهكذا حتى يمتلأ جيبه بالدولارات مع نهاية جولاتهم السياحية .

ففئة مرشدي الشوارع أو " الخرتية " كما يطلق عليهم تنتشر فى كافة المدن السياحية وإن ظلت شوارع القاهرة هي مكانهم المفضل . أعدادهم كبيرة وأغلبهم من حملة المؤهلات المتوسطة والشهادات الجامعية في حالات نادرة . لديهم لغة ومفردات خاصة بهم يستخدمونها فيما بينهم وبين أصحاب المحلات أيضا.. تلك اللغة لا يفهمها أحد سواهم فكلمة "يافت" تعنى سائح غني وعكسها كلمة " أشفور "، وعندما يشيرون إلى جنسية السائح يستخدمون أيضا رموزا خاصة فالروس" أدمغة " والألمان " مكن " والايطالين "روشين ". وإذا ساقتك قدماك لنزهة فى شوارع وسط القاهرة فاحذر من الشاب صاحب الملامح الشرقية الذي يسير وسط مجموعة من الأجانب .. فهو ذلك " الخرتي" الذي نتحدث عنه .

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف