ملحق شباب ألاسبوعي

بيجو 504

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

صام سحمراني: خلال الحرب اللبنانية كان يمشي بجوار الحائط أيّاً كان المسيطر من الأحزاب والفصائل على شوارع مدينته .حلّ السوريون مكان الجميع وأراد الحفاظ على رأسه وعلى عائلته لا أكثر، وقد كانت سيارة البيجو 504 البيضاء التي اشتراها يومها بثلاثمائة ألف ليرة أكثر من ملائمة للأوضاع الجديدة خاصة حين ألصق داخل السيارة صورة صغيرة لحافظ الأسد اقتطعها من إحدى الجرائد .
السيارة والصورة أنقذتاه أكثر من مرة على حواجز قوات الردع، وقد انخدع عسكريو تلك الحواجز مراراً بهيئته وحتى ان بعض منهم القى له التحية العسكرية حين كان يناجيهم و يدلّهم على الصورة وهو يقول، "ولوّ وكرمال أبو سليمان!!؟".
هو الآن يركب سيارته في أحد شوارع العاصمة الغربية. لم يكن يعرف حين أطلق البوق إنّ أمامه سيّارة ضابط سوريّ .. لم تكن لديه ادنى فكرة حتى ترجّل الضابط ونادى أحد جنوده المتواجدين على الحاجز القريب ودخل إحدى الصيدليات. في البدء لم يكن واضحاً ما الذي أمره الضابط للجنديّ، لكنّ الأخير سارع – بطبيعة الحال – إلى تنفيذ الأوامر.
"قوم وقاف ع ضهر السيّارة ولاك!"، جاءته نبرة الجنديّ كالصاعقة. زوجته وابنه الصغير داخل السيّارة ونصف سكّان العاصمة في الخلف كانوا يتابعون مشهد "البهدلة". لم تشفع له السيّارة، ولم تشفع له صورة "أبو سليمان"، ولم تشفع له معرفته بالعميد الفلاني إلاّ بعد أكثر نصف ساعة من الوقوف على ظهر سيارته أمام العالمين وتحت تهديد الرشاشات وضحكات حامليها، "وخلّي واحد يسترجي يزمّر!". حينها خرج الضابط من الصيدلية وطيّب خاطره بعد نيل العقاب المناسب، "ليش ما قلت هيك من البداية؟".
مرّت فترة طويلة على تلك الحادثة ولم يعد هنالك من حواجز للجيش السوريّ في العاصمة. إهترأت البيجو وباعها للكسر، لكنّ الأثر الذي تركته تلك الحادثة في نفسه كان أكبر من كلّ ما عداه. كره السوريين وكره جيشهم وعمالهم وكره من يحبّونهم حتى. ولم يمنعه عن كرهه إنّ الجيش السوري كان قد منع إحدى الميليشيات من تشريده واحتلال منزله حين اتهمته تلك الميليشيا بمعاونة أخرى عليها.
يجلس مع ولديه لمشاهدة الأخبار والبرامج السياسية، يشاهد خبراً في النشرة مفاده أنّ عصابة سلبت بيوتاً أو سيارات أو أيّ شيء آخر. يستبق دائماً الخبر،"بكونو سوريين!". وإذا أشار الخبر إلى جنسيتهم غير السورية يكون جوابه حاضراً أيضاً"ما بقولو عن السوريين!". يشاهد العمال السوريين وهو يمضي إلى عمله فيصبّ عليهم كيلاً من الشتائم واللعنات وينسب إليهم كلّ ما يصيب بلده من مشاكل وبطالة وركود إقتصادي.
ينبش التاريخ كلّه للتذكير بإساءة السوريين للبنانيين، يعيد تذكير ولديه بكلّ ما سمع من حوادث تعرّض لها أناس على الحواجز، ويذكّرهما مرة بعد أخرى بالحادثة التي تعرّض لها. يقارن دائماً بين السوريين وغيرهم ممن مرّ على لبنان.. وله قصة في ذلك يرددها دائماً عن "مسبحة" أهداها إليه أحد أصدقائه من الخارج.
ففي عام 1982 لمّا كان الإسرائيليون في بيروت وحين كان يمرّ على أحد حواجزهم سأله الجندي الإسرائيلي إعطاءه تلك "المسبحة". لكنّ الإسرائيلي رفض أخذها حين أخبره أنّها مهداة له، "هدية ما لا ما تعطيها لحدا!" قال له الإسرائيلي. وشاءت الظروف أن يمرّ بعد عدّة سنوات بنفس "المسبحة" وبسيّارة أخرى على حاجز للجيش السوري، فسارع يومها الجنديّ لأخذ "المسبحة" حتى عندما أخبره أنّها هدية"إي شو عليه بيهدوك غيرا" قال له السوري.
وحين يعجز عن تحويل ولديه إلى صفّه يسألهما عن السبب في بطالتهما ولا ينتظر جواباً بل يبادر بنفسه إلى إلصاق التهمة بالسوريين ما يفتح أمامه باباً لسبّهم.
الولدان ليسا منخرطين في أيّ تنظيم سياسي ولا تستهويهما آراء أيّ من أهل السلطة والمعارضة القديمة أو المستحدثة. هما لا يشاركان في التظاهرات على أنواعها، حتى المناسبات الدينية لا يشاركان فيها حين تكون من تنظيم جهة حزبية ما. هما بكلّ بساطة لا ينخدعان بأكاذيب أيّ ممّن يلبسون "البدلة والكرافات" ويظهرون على شاشة التلفزيون. هما ببساطة أكثر لا قضية لهما.
أمّا هو فقد شكّلت الأيّام الأخيرة عيداً بالنسبة إليه. "سوريّة ما بنطيقا بدنا نقول الحقيقة"، يستمع إلى الشعارات التي يردّدها متظاهرو المعارضة ويضحك ملء فمه"تعا شوف يا ربيع" ينادي ولده الأكبر الذي يذكّره كلّ مرّة "بمآثر" تلك المعارضة على طريقته. لا يقتنع طبعاً فهو يملك الآن هدفاً وقضية تخطّهما المعارضة. ولا ينتظر من أحد تصويباً أو تدخلاً في رأيه فالبيجو 504 ما زالت تشهد في قبرها عليه، يقف نصف ساعة فوق ظهرها من أجل "زمّور" صغير لا أكثر.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف