ملحق شباب ألاسبوعي

تصبحون على وطن

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عصام سحمراني :عمرها أكثر من خمسين سنة، أي إنّها أكبر من عمر جميع الخيبات العربية المعاصرة، أي إنّها -ومن المفترض- قد يئست من كلّ ما يحيط بها من أباطيل وأكاذيب سياسية تثير ما فتح ورزق من مفردات الإحباط والهوان والإحساس بالهزائم المنكرة.. أي إنّها لا يفترض أن يهزّها أيّ كلام حزبي،ّ معارضة كان أم موالاة أو خطاً ثالثاً ورابعاً وخامساً.
عمرها أكثر من خمسين سنة ولها كلّ هذا . فما الذي تفعله هنا؟ ما الذي تفعله في صباح يوم أحد مشرق كهذا هنا تحت تمثال رياض الصلح في ساحته؟ وما هذه الراية الحمراء في يدها تميّزها عن الجموع القريبة في ساحة الشهداء ولونها يكاد يختفي لعتقها؟ ما هذا الذي في زاوية الراية؟ أهي فعلاً نجمة ومنجل ومطرقة؟ أهو علم الإتحاد السوفياتي القديم نفسه؟ أهو الشعار الأصيل للشيوعية وسط كلّ أعلام الحزب الشيوعي اللبناني ذات الأبيض والأرزة؟
هي يئست . ومن فرط يأسها تركت هذا الصباح منزلها ولم تحضّر لأولادها طنجرة الفول الأسبوعية. ولم يتصاعد البخار في منزلهم الكئيب الذي على كتف بناء يتساقط يوماً بعد آخر ببطء. لم يبق لها سوى ابنتين عانسين، وابن واحد لم تفارق السماء الزهرية لحبوب "الماغادون" التي يدمنها روحه. لم تفارقها بعد مقتل أخويه بمواجهة بعضهما في إحدى ساحات القتال "الزاروبية" الطابع. ولم يعزِّ أحداً من العائلة أنّهما قد عدّا شهيدين، كلّ لدى حزبه الذي إليه ينتمي. أمّا زوجها الذي أورثها اللون الأحمر في دمها وكيانها فالصورة في الحائط المتشقق تشهد على الدماء التي بذلها في سبيل شعب وأرض وطنه اللذين تاجرا بتلك الدماء مع كلّ نشرة أخبار. مع كلّ من يمتطي بذلته الرسمية ويطلع إلى ساحات الوغى المتلفزة يخطب في جموع هي نفسها تتنقل بين تظاهرة وتظاهرة مضادة. هي وحدها اليوم. هي ورايتها الحمراء.
لبست ثيابها وغطاء رأسها من الخارج وارتدت قضية لطالما عضّت على جروح صمتها من الداخل. حملت رايتها الحمراء وخرجت من باب الدار باكراً كي تصل قبل الجميع. بينها وبين نفسها كانت تعترف إنّها خرجت باكراً كيلا يثير مظهرها "الشاذ" ألسنة جارات الحيّ اللواتي توجّسن شرّاً تجاهها منذ بضعة أيام. يومها دعونها وهنّ يتلحّفن بأعلام لبنانية الله يعلم فقط كيف وصلت إلى أيديهن وهنّ لم يعرفن يوماً ألوانه ,ولا نوع الخضار فيه. يوم دعونها للذهاب معهن إلى إحدى التظاهرات الموالية أو المعارضة فلا فرق بينهما لديها. دعونها وابتعدن عنها حين رفضت الذهاب وكأنّها الشيطان. فهي في وجدانهم كانت تكفر بكلام منزل لا تعي واحدتهن شيئاً حياله سوى تلبيته على الوجه الأكمل. فما بالك إذا ما كن أكثر من واحدة . تلك التعدّدية ذات الصنف الواحد التي تثير فيهن روح التباري في كلّ ما يطال الكلام المنزل هذا من تلبية على الوجه الأتمّ والأبدعّ.
هربت باكراً ومضت إلى حيث لم يعد مظهرها شاذاً بتاتاً فقد توحّدت رايتها مع رايات الآخرين رغم توسّط أرزة الحزب؛ أرزة العلم اللبناني وسط الكثير من راياتهم. أمّا هي فقد استعادت مشاهد عديدة على وقع "أناديكم" و"جايي مع الشعب المسكين" وإنّي اخترتك يا وطني". وعلى وقع ترداد الجموع التي لم تكن غفيرة بالمقاييس اللبنانية الأغاني والشعارات إستعادت ماض كان أجمل . ماض كان أبدع. كان أروع. كان تسكنه قضية. قضية شعب . قضية أمة. إستعادت كلّ ذلك الجمال في خيالها وانخرطت في جوقة الهتاف وكأنّها في إحدى التظاهرات الطلاّبية أوائل السبعينيات تهتف على وقع أغنية للشيخ إمام. أحسّت أنّ شيئاً لم يتغيّر من يومها. على الأقل اللون الأحمر في دمها لم يتغيّر. روح زوجها الشهيد لم تتغيّر. كانت روحه تهتف معها. فهي تعلم أن لن يموت الشهداء رغم إنّ بائعي الكلام من أهل السياسة يقتلونهم كلّ يوم ميتة تنقص الكثير من ميتتهم البطولية.
حملت رايتها وسارت خلف المسيرة. بل سارت في قلبها. تلألأت آلام البشر جميعاً في عينيها. صارت التظاهرة قلباً للبنان الحقّ. لبنان البعيد عن كلّ طائفة مولّدة ومستولدة. لبنان الذي اختصروه بعلم فقط. علم لوطن لم يستعد أحد حبّه إلاّ حين ارتبط بمصالحه الذاتية. الآن كلّهم يحبّون لبنان ويقدّسون علمه. ألم يقتلوا بعضهم البعض في سبيل حبّه؟ أفلا تغنّي فيروز؛ "وإذا نحنا تفرّقنا بجمّعنا حبّك"؟ لبنان الذي يحبّه جميع أبنائه لكن كلّ على قياسه وقياس مذهبه.
بدأ خطاب الأمين العام للحزب. هي تكره الخطابات . لكنّها منذ زمن لم تسمع خطاباً مختلفاً. جلست ورايتها الحمراء تحت التمثال الكبير بطربوشه وعصاه. تناولت حبّة دواء من كيسها وجعلت تنظر حولها وكأنّها في حلم من ماض جميل. ضاعت الأصوات من حولها في متاهات الصمت الموحّد. سطعت الشمس أكثر فأكثر فوقها. إشتدّ اللون الأحمر من حولها وتحوّل إلى وطن كامل باتت في قلبه. عتدها كانت روح الشهيد تهمس في قلبها أغنية لمرسيل خليفة؛ تصبحون على وطن..

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف