ملحق شباب ألاسبوعي

خدمة العلم: ما لها وما عليها

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مع المراسيم الحكومية التي طالتها مؤخراً في لبنان
خدمة العلم: ما لها وما عليها في أعين المجندين السابقين


عصام سحمراني: "ليتني ما زلت في السجن!" ،جملة واحدة تمتمت بها شفتا عيسى حين التحق بمقر خدمته العسكرية بعد ان امضى عقوبةً تأديبية في أحد سجون الشرطة العسكرية. لقد اختصر عيسى بهذه الجملة معاناة سنةٍ كاملة، خدم خلالها علم بلاده،"السجن العادي أرحم مليون مرة من سجن الأشغال الشاقة".
خدمة العلم في لبنان
الخدمة العسكرية الإلزامية، "الإجباري"، أو خدمة العلم، مشروع اتخذ طريقه نحو التنفيذ الفعلي مع نهاية الحرب الأهلية في لبنان. وعلى الرغم من المحاولات العديدة لإطلاقه خلال الحرب الأهلية، لكنّ الفشل كان نصيبها بسبب الأوضاع المأساوية حينها . تلك العبارة تحتلّ حيّزاً هاماً في حياة اللبنانيين اليومية وتؤثّر- غالباً- في ردود فعل متباينة تجاهها.. سلباً أم إيجاباً. منذ ذلك التاريخ إحتفت المؤسسة العسكرية بتخريج أكثر من مائتين وخمسين ألف مجند أتمّوا الخدمة الفعلية،الأمر الذي يعتبر إنجازاً في بلد ما زال يعاني آثار الحرب المدمرة. لكنّ أولئك الشبان إحتفلوا بالمقابل بالتخلّص مما اعتبروه "كابوساً" بحسب رامي أو ما يعتبره ميشال "سنة مع وقف التنفيذ"
في السنتين المنصرمتين كثّف معارضو الخدمة من النوّاب والمسؤولين والقطاعات الطلاّبية والشبابية جهودهم في الضغط على الحكومات المتلاحقة لتحقيق مطلب واحد هو إلغاء الخدمة الإجبارية. ولم يتم تحقيق اي تقدم في الموضوع إلاّ مع تسلّم حكومة عمر كرامي دفّة السلطة. وكان واضحاً نيّتها وضع القوانين والقرارات العالقة موضع التنفيذ ،و جاء في مقدّمة هذه القرارات المرسوم الذي قلّصت فيه مدة الخدمة العسكرية إلى ستة أشهر تمهيداً لإلغائها الكامل بعد عامين لا أكثر.
كما ألغت بموجب المرسوم عدداً من الملاحقات بحقّ كثيرين من الشبّان المتهرّبين من الخدمة لسبب أو لآخر، والأهمّ من ذلك كان الإعفاء الفوري الذي لحق بالموظّفين الحكوميين والمسافرين، والطلاّب وكلّ من خدم اثنان من أشقائه.
آراء وذكريات
رحّب معظم اللبنانيين بالقرارات الحكومية خصوصاً الشبّان الذين لم يختبروا الخدمة الالزامية بعد ، لكنه وفي المقابل كانت نقمة من سبق لهم وخدموا. هذه النقمة لا تتمحور حول القرار نفسه بل تنصب بكل "زخمها" على التأخير في صدوره.
فالبعض منهم يطالب بالتعويضات، وهؤلاء يصرّون على أن خدمة العلم كانت السبب الرئيسي في عرقلة مشاريع عديدة لهم. منها ما كان قبل تأديتها كسليم الذي الغى سفره "مكرها " اذ القوا القبض عليه في المطار وضاعت"فرصة العمر" كما يصفها ،ومنها ما سببته بعد أدائها كعباس الذي طرد من عمله حين دخل إلى الجيش ولم يتمكن من العودة إليه حين أتمّ الخدمة "يعني قطعوا رزقي".
لنجيب قصة مختلفة عن البقية ، فهو أوقف دراسته الجامعية في السنة الثانية والتحق بخدمة العلم .." ألف مصيبة خلقت ، طارت الجامعة وطار الشغل وصاحبتي تركتني، قرفت مني" يقول بحسرة بالغة لينطلق بعدها لسبّ لبنان وكل ما يمتّ له بصلة ؛ "يلعن اختها شو هالحياة ، كل الناس عندهم نسوان وسيارات وبيوت إلاّ أنا" .
وسواء اختلفت القصص او تنوعت الا ان الشبان يؤكدون جملة أمور جعلتهم ينظرون إلى خدمة العلم نظرة لوم وإنتقاد ، ومن هذه الأمور" الواسطة" .فعلي يرى ان هذا الامر يجعل الشبّان ينفرون من الخدمة حين يلمسون إنّ المرؤوس صار رئيساً. الأمر الآخر هو "الطائفية" التي تجعل المجندين _ كما يرى وسام _يلتفون ويفرزون أنفسهم على أساس طائفي دون أن يجدوا رادعاً لذلك.
اضافة الى عدد من الامور الاخرى التي اساسها " طريقة التعامل "التي يعتبرها حسان وعرية "يعاملنا المتطوعون كأننا آتون من زريبة ما لا أكثر، رغم إنّ أكثرنا طلاب جامعات ومدارس" . ويتّجه بعضهم إلى إنتقاد أمور تافهة كحلاقة الذقن فحمدان الذي لم يحلق ذقنه لست اعوام اضطر الى حلاقتها يوميا خلال خدمته.
مؤيّدون
مقابل هذه النقمة الواضحة تجاه خدمة العلم تبرز فئة اخرى من الشبان الذين يؤكدون على اهميتها .." خدمة العلم ضرورة وطنية" يقول سعيد الذي أتم خدمته هذا العام " دون نيل أيّ عقوبة". ويجاريه في رأيه هذا أحمد "الجيش هو أنظف مؤسسة في لبنان وخدمة العلم أعدل مشروع بين اللبنانيين".
اما لـ غيث الذي أدّى خدمته الإلزامية منذ عدة سنوات رأي في هذا الموضوع، "أفضل ما تؤدّي إليه الخدمة الإجبارية هو الإنصهار الوطني وقد خبرته شخصياً" ، لكنّ الإنصهار الذي يتكلّم عنه ينسجم مع مفهومه الخاص الذي ينصب لخدمة مصلحته الذاتية " الماروني كان يوقظني، والدرزي يعدّ لي طعاماً حين أكون في مهمّة ما، وكنت أشاهد مباريات كأس العالم عبر تلفزيون صديقي الأرمني!".
وفوائد الخدمة لدى غيث لا تتوقف عن هذا الحد ، فهو ما زال مؤمناً بأنّه قد تعلم "الإنضباط" من خلال خدمته العسكرية. زلا تنحصر هذه المنافع بالشبان وحدهم بل قد تطال الفتيات المعنيات بمن يؤدون الخدمة .."لقد تعلم شقيقي الترتيب والنظام بسبب الجيش" تؤكد هلا بسعادة لتتدخل سحر وتروي " حب خطيبها " الذي زاد بسبب خدمة العلم "صار يشتاق لي كثيراً ويؤلّف لي أشعاراً وأغاني!" وتتنهد برومانسية طانت كفيلة بإبراز أسنان صديقاتها في كافيتيريا كلية الحقوق. وتتجادل إحدى صديقاتها مع زميل لهن دعا لتجنيد الفتيات، "لماذا تريد تجنيدنا ألم يعد هنالك رجال في لبنان !!؟" ..انفعال كان كفيل بجعله يتسلل من المكان بخفة.
وعلى الرغم من أنّ الشبّان قد تناولوا الكثير من الأمور التي أعتبرت سيئة بنظرهم، فهم يتفقون على بعض الأمور الجيدة في خدمة العلم، فيعترفون ان هذه الأمور ما كانت لتظهر لولا خدمة العلم ومنها التعرف إلى القرى ومدن لبنانية جديدة تماماً بالنسبة للشبّان "لو أمضيت عمري كلّه ما كنت سأذهب إلى هناك!" يقول جميل.
اضافة الى التعرف الى عدد كبير من الشبان من مختلف الطوائف والمناطق ..ويقول كميل ويجاريه بذلك نجيب أن هذا الاختلاط لا بد انه سيؤدي إلى إنصهار وطني لو لم يمهّدوا لإلغاء خدمة العلم، "لكن بعد عشرين سنة من الآن حين يعي اللبنانيون أكثر حاجتهم إلى الآخر في وطنهم تمام الحاجة إلى أنفسهم".ون البديهيات التي لم يتربى عليها اي لبناني هي احترام القوانين التي لا يتعلم الشبان الخضوع لها سوى في اطار خدمة العلم . أمّا سليم فهو على الرغم من ضياع فرصة عمره في السفر فقد كان استخدام الأسلحة والرمي منها التعويض المثالي له حيث؛ "أشبعت كبتاً لديّ للأسلحة استمرّ أكثر من عشر سنوات!!.
مع هذا العام تكون خدمة العلم قد أتمت اثنتي عشر عاماً من عمرها خرّجت خلالها أكثر من مائتين وخمسين ألف مجند وباتت خلال هذه السنوات الطويلة واقعاً ملموساً على كافة الصعد الوطنية والإجتماعية والإقتصادية. وعلى الرغم من بعض الأصوات التي رحّبت بإلغاء خدمة العلم، فإنّ عيسى ما زال يؤمن بدورها الكبير على الصعيد الوطني لكنه في المقابل ما زال يفضّل السجن على مكان خدمته السابق،كل الحق على كومبيوتر التشكيلات رماني قبل ربّنا بخطوتين!".

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف